بسملة

بسملة

24/04/2014

الأَشْهُرُ الحُرُمُ، وَالأَمْنُ وَالسَّلامُ


الأَشْهُرُ الحُرُمُ، وَالأَمْنُ وَالسَّلامُ

·        الشّيخ حسين كوراني

 

﴿.. اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا... مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُم..﴾
قرآن كريم

 

تَتَماهى حُرْمَةُ الزَّمانِ وَالمَكانِ، وَتَلْتَقي بِاحْتِرامِ جَميعِ الكائِناتِ وَحُرْمَتِها، لِتَصُبَّ الرَّوافِدُ الثَّلاثَةُ في بَحْرِ حُرْمَةِ الإِنْسانِ.

تَتَّسِعُ مِرْوَحَةُ هَذِهِ الحُرْمَةِ الهَدَف، لِتَسْتَوْعِبَ عالَمَ المَعْنى عَلى عَظيمِ سَعَتِهِ الأَرْحَبِ مِنَ الدُّنيا وَالآخِرَةِ. تَتَّصِلُ بِرِضْوانِ اللهِ تَعالى: ﴿..وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ..﴾ التّوبة:72.

في هَذا السِّياقِ تَتَبَدّى حُرْمَةُ «إِقْليمِ المُلْكِ» الإِنْسانِيِّ، وَعالَمِ الظّاهِرِ واللّفظ، بعضَ تَجَلّيات هذا المَخْزونِ الاسْتراتيجِيِّ - بَلِ الإِلَهِيِّ - في آفاقِ عالَمِ «المَلَكوتِ».

جَوْهَرَةُ الإِنْسانِيَّةِ، وَالفِطْرَة الأَصْفى، مِلاكُ الحُرْمَةِ وَالسِّرّ.

تَسْري حُرْمَةُ الإِنْسانِ من حَرَمِ عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ وَسَريرَتِهِ، إِلى حُرْمَةِ سوءِ الظَّنِّ بِهِ، فَحُرْمَةُ المَسِّ بِسوءٍ، فَإِثارتِهِ، فَمَساءَتِه، فَالإِساءَةِ إِلَيْهِ، فَالأَذى، تَدَرُّجاً إِلى القَتْلِ فَالتَّمْثيلِ بِهِ.

قِوامُ هَذِهِ الحُرْمَةِ العَقْلُ. بِمِقْدارِ حُضورِهِ وَمُعافاتِهِ يَكونُ «الفِكْرُ».

لا حُرْمَةَ لِلْفِكْرِ إِلّا بِما رَشَحَ مِنْ حُرْمَةِ العَقْلِ.

لا حُرْمَةَ لِلإنْسانِ إِلّا مِمّا رَشَحَ مِنَ العَقْلِ. لا حُرْمَةَ لِلْعَقْلِ إِلّا بِما عَقِلَ. قالَ الإِمامُ جَعْفَرٌ الصّادِقُ عليه السّلام: «لا يَقْبَلُ اللهُ عَمَلاً إِلّا بِمَعْرِفَةٍ، وَلا مَعْرِفَةً إِلّا بِعَمَلٍ، فَمَنْ عَرَفَ دَلَّتْهُ المَعْرِفَةُ عَلى العَمَلِ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ فَلا مَعْرِفَةَ لَهُ. أَلا إِنَّ الإِيمانَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ».

حُرْمَةُ الحَقِّ «المَعْقول» لُبُّ المِلاك، وَسِرُّ السِّرِّ. تُحْفَظُ الحُرْمَةُ بِالعَمَلِ.

***

 

سَلامَةُ العَقْلِ وَحاكِمِيَّتُهُ، رَهْنُ الأَمْنِ وَالسَّلامِ. تَتَعاظَمُ مِرْوَحَتُهُما وَتَتَّسِعُ: مِنَ الأَمْنِ النَّفْسِيِّ وَرَحيقه السَّلام، إِلى الاجْتِماعِيِّ بِتَكَثُّرِ دَوائِرِهِ: مِنَ ﴿..الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ - القَريبِ - إِلى «سائِرِ ما خَلَقْتَ وَمَنْ خَلَقْتَ مِن خَلْقِكَ الصّامِت وَالنّاطِق». بَيْنَ الأَمْنِ النَّفْسيِّ وَالسَّلامِ الفَرْدِيَّيْنِ، وَبَيْنَ الأَمْنِ وَالسَّلامِ العالَمِيَّيْنِ كُلُّ النَّسَبِ وَالسَّبَبِ.

شَوْبُ الباطِلِ إِخْلالٌ بِالأَمْنِ، يَخْدِشُ صَفْوَ السَّلامِ. شَوْبُ الباطِلِ طَيْفُ اعْتِداءٍ عَلى العَقْلِ. شُروعٌ بِكَسْرِ الحُرْمَةِ. «الغِيبَةُ» – ذِكْرُ الفَرْدِ بِما يَكْرَهُ - عُدْوانٌ عَلى الأَمْنِ النَّفْسِيِّ، لا يَنْفَصِلُ عَنِ الإِخْلالِ بِالسَّلامِ العالَمِيِّ.

﴿وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يونس:25.

دارُ السَّلامِ في الآخِرَةِ، باطِنُ دارِ السَّلامِ في الدُّنْيا. الاسْتِقامَةُ رِعايَةُ حَقِّ الحُرُماتِ. الدّينُ اسْتِقامَةٌ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هود:112.

شَوْبُ الباطِلِ سَيِّئَةٌ. شَوْبُ الحَقِّ حَسَنَةٌ. السَّيِّئاتُ صَغائِرُ وَكَبائِرُ. لا تَكونُ الحَسَناتُ - بِرِعايَةِ حُرْمَةِ الحَقِّ - إِلّا كِباراً.

﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ غافر:40.

***

الدّينُ عَقْلٌ وَحُرْمَةٌ. العُمُرُ مَدْرَسَةُ إِعْمالِ العَقْلِ، وَالْتِزامِ ما يَعْقِلُ بِحِفْظِ حُرْمَتِهِ. شَوْبُ تَغْييبِ العَقْلِ ذَنْبٌ وَمَعْصِيَةٌ. الذَّنْبُ شُعْبَةٌ مِنَ الجُنونِ. يَبْقى أدواريّاً أَوْ يَسْتَشْري فَيُطْبِقُ. مِفْتاحُ تَغْييبِ العَقْلِ -الجُنون - كَسْرُ الحُرْمَةِ.

تَمَسُّ الحاجَةُ – إِذاً - إِلى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ حُرُمٍ، وَإِلى إِحْرامِ شَهْرِ رَمَضانَ – وَلَيْلَةِ القَدْرِ خاصَّةً - وَإِحْرامِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وَلَيْلَةِ الجُمُعَةِ - لَيْلَةِ قَدْرِ الأُسْبوعِ - وَإِحْرامِ العَهْدِ وَاليَمينِ وَالنَّذْرِ، وَإِحْرامِ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ .. و﴿..لِيُنْذِرُوا﴾.. كُلُّ ذَلِكَ لِتَعْزيزِ ثَقافَةِ رِعايَةِ الحُرُماتِ وَجِهادِها الأَكْبَرِ، مَنْعاً لِتَسَلُّقِ شَوارِعِ الغَرائِزِ أَسْوارَ مَدْرَسَةِ العَقْلِ.

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ التّوبة:36.

* في (جَواباتِ أَهْلِ المَوْصِلِ) قالَ الشَّيْخُ المُفيدُ:

«إنَّ رَسولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله قالَ: إِنَّ السَّنَةَ اثْنا عَشَرَ شَهْراً، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: رَجَبٌ، وَذو القَعْدَةِ، وَذو الحِجَّةِ، وَمُحَرَّمٌ، ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ مُتوالِياتٌ، وواحِدٌ فَرْدٌ. وَشَهْرُ رَمَضانَ مِنْها [من الاثنَي عشر] مَفْروضٌ فيهِ الصِّيامُ، فَصوموا لِلْرُّؤْيَةِ، وَأَفْطِروا لِلْرُّؤْيَةِ، فَإِذا خَفِيَ الشَّهْرُ فَأَتِمّوا ثَلاثينَ يَوْماً».

***

كَسْرُ الحُرْمَةِ في عالَمِ المَعْنى وَالمَلَكوتِ، هُوَ الأَخْطَرُ. لَيْسَ دَوِيُّ المَدافِعِ، وَهديرُ الطّائِراتِ - فَضْلاً عَنْ تَشَظّي الأَجْسادِ، وَلَعْلَعَةِ الرَّصاصِ - إِلّا مُنَبِّهاً شَرْطِيّاً لِلْبَحْثِ عَمّا دَقَّ مِنَ الحُرْمَةِ، وَشَفَّ.

قَدْ يُؤَدّي التَّنَبُّهُ وَالتَّدْقيقُ إِلى أَنَّ هَذِهِ المَعْرَكَةَ الضَّروسَ لِصالِحِ حِفْظِ الحُرُماتِ.

وَقَدْ يَكونُ المُنَبِّهُ الشَّرْطِيُّ كَلِمَةً. يوصِلُ تَدَبُّرُها إِلى أَنَّ عالَمَ المَعْنى شَهِدَ بِسَبَبِها مَجْزَرَةً حَقيقِيَّةً في اجْتِياحِ الحُدودِ وَكَسْرِ الحُرُماتِ.

في الحَديثِ القُدْسِيِّ: «مَنْ أَهانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ أَرْصَدَ لِمُحارَبَتي». في الحَديثِ الشَّريفِ: «المُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الكَعْبَةِ».

قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: «إِيّاكُمْ وَالغِيبَةَ فَإِنَّ الغِيبَةَ أَشَدُّ مِنَ الزِّنا؛ إِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَزْني فَيَتوبُ، فَيَتوبُ اللهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ صاحِبَ الغِيبَةِ لا يُغْفَرُ لَهُ حَتّى يَغْفِرَ لَهُ صاحِبُهُ».

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ إبراهيم:24-26.

***

لَيْسَتْ حَرَكَةُ عالَمِ المُلْكِ وَالظّاهِرِ مِلاكَ كَسْرِ الحُرْمَةِ أَوْ عَدَمه. لَيْسَتْ – أَيْضاً - مِلاكَ دَرَجَةِ خُطورَةِ هَذا الكَسْرِ أَوْ عَدَمه. عالَمُ المِلاكِ عالَمُ المَعْنى لا عالَم الظّاهِرِ. المِلاكُ، الجُرْأَةُ عَلى الحَقِّ. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ لقمان:30.

قالَ سَيِّدُ العُلَماءِ المُراقِبينَ، السَّيِّدُ ابْنُ طاوس:

«وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِذا كانَتِ الأَشْهُرُ الحُرُمُ قَدِ اقْتَضَتْ في الجاهِلِيَّةِ وَالإسْلامِ تَرْكَ الحُروبِ وَالسُّكونَ عَنِ الفِعْلِ الحَرامِ، فَكَيْفَ تَحْتَمِلُ هَذِهِ الشُّهورُ أَنْ تَقَعَ مُحارَبَةٌ بَيْنَ العَبْدِ وَمالِكِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأُمورِ، وَكَيْفَ يَعْظُمُ وُقوعُ المَحارمِ بَيْنَ عَبْدٍ وَعَبْدٍ مِثْلِهِ، وَلا يَعْظُمُ أَضْعافُ ذَلِكَ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ مالِكِ أَمْرِهِ كُلِّهِ، فَالحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ التَّهْوينِ بِاللهِ في هَذِهِ الأَوْقاتِ المُحَرَّمَةِ، وَأَنْ يَهْتِكَ العَبْدُ شَيْئاً مِنْ شُهورِها المُعَظَّمَةِ».

الفِقْهُ، وَالعِلْمُ، ثَقافَةُ قانونِ حِفْظِ الحُرُماتِ، وَالضَّلالُ البَعيدُ، تَجاوُزُ حُدودِ هَذِهِ الحُرُماتِ.

الأَشْهُرُ الحُرُمُ، مَوْسِمُ هَذِهِ الثَّقافَةِ الأَبْرَزُ. لَيْسَ لِأَحَدٍ حَقُّ اسْتِبْدالِ حَتّى التَّوْقيت، وَلَوْ بِتَأْخيرِ بَعْضِ هَذِهِ المَفاصِلِ الأَرْبَعَةِ.

﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ التّوبة:37. [تأخير بعض الأشهر الحرم إلى غيرها من الشّهور]

 

اخبار مرتبطة

  ملحق شعائر 14

ملحق شعائر 14

  دوريّات

دوريّات

25/04/2014

دوريّات

نفحات