كلمة سواء

كلمة سواء

13/04/2018

كلّيات في باب الترشيد الاجتماعي

 

كلّيات في باب الترشيد الاجتماعي

الشيخ حسين كوراني*

النفس البشرية شديدة الدقّة، بعيدةُ غَور المسارب، إلى حدّ أن معرفة الإنسان لنفسه ليست يسيرة التناول، فكيف بمعرفة نفس غيره؟ وهو ما يحتّم الصدور في كل مقاربة للنفس وشؤونها من مصدرٍ تخصّصيّ سُمح له بولوج هذا السرّ الإلهيّ (النفْس) وهو أمر منحصر بالمعصوم، وما علينا إنْ أردنا الإبحار في محيطات النفس إلا اعتماد سُفن النجاة. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. (الملك:14)

* للرشد الاجتماعي وصلاح النفس مسار متكامل كما حدّده الإسلام، تتضافر فيه عوامل متعدّدة، علَّها تشكّل المناخ الذي يتكّفل بإيداع بذار الصلاح في تربة النفس العجائبية. ويشمل هذا المسار ما يلي:

أ) الدعاء بصلاح الذرية.

ب) حرص الأبوين على الطاعة خاصّة في جوّ تشكيل الأسرة على أُسس السلامة النفسية كما يريدها الله تعالى.

ج) استقبال الأم تكوُّن جنينها بعناية خاصة، وذلك بمزيد الحرص على الطاعة، والذِّكر، واستقبال الأب هذه المرحلة بمزيد من العناية باللقمة الحلال، والطاعة والذكر أيضاً.

د) مستحبّات مرحلة الولادة. ومن أهمها العقيقة...

هـ) العناية بتحصين البيت ومَن فيه وما فيه بالذكر والأدعية والأحراز الخاصة، ولا سيما تعقيبات الصلاة، خصوصاً ما يرتبط من ذلك بالاستعاذة: «أُعِيذُ نَفْسِي وأَهْلي..». إلخ

و) العناية ببناء العلاقة بخارج البيت على أُسس الرحمة والبذل والإيثار، فإنّ لذلك أثراً بالغاً على السلامة النفسية بمعناها الشمولي، وفي هذا السياق تقع ثقافة الصّدَقة بالابتسامة والكلمة والموقف...

* ممّا نفهمه عادةً في المشاكل النفسية، أن مَن عاش يُتم الحنان، يجب التعويض عليه بفيض الحنان، وممّا يجب أن نفهمه في هَدْي المعصوم أن مَن قصَّر في تحصين نفسه وبيته وأُسرته، فإنّ عليه (أعمّ من الاستحباب والوجوب) أن يعَوِّض ذلك بتخليص ماله من الحرام، أو الشُّبهة، والخروج من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، وكَثرة الاستغفار والذّكر - خصوصاً الاستعاذة - وبالصّدَقة عمّا مضى، وبالعقيقة عن كلّ فرد، أو نيّة ذلك ليقوم به عند الاستطاعة.

* يشكّل المدخل إلى التأسيس لترشيدٍ نفسيّ – اجتماعيّ، الوقوفُ طويلاً وبكلّ موضوعية عند الرؤية التوحيدية في العلاقة بين الطاعة وفلاح التزكية، وبين الذَّنْب وخيبة التدسية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. وسيكون لزاماً  كما هو واضح الوقوف خلال ذلك عند قدرة الفعل الاستراتيجي لعلاقة النفس السليمة بربّها عزّ وجلّ على عظيم التحوّل في النفس والمجتمع بسرعةٍ أين منها سرعة الضوء. (الشمس:9-10)

* ومن الضروريّ التذكير بإلحاح على أن المدخل الطبيعيّ الذي يُتيح هذه الفرصة الإلهية في التحوّل، إدراك أن الدين هو الحبّ: «وهل الدين إلا الحبّ؟»، وأن حبّ الله تعالى للناس هو الأساس، وليس العكس..

* ولايعني ذلك تغييب عامل الخوف في الترشيد، لكنه أبداً خوفٌ من المحبِّ الأكبر والأعظم، مَن وَسِعَتْ رحمتُه كلَّ شيء، الذي يخوِّفنا حناناً منه ورأفة، كما تخوِّف الأمُ وليدها من المخاطر.

على قاعدة الحكمة: «وضعُ الشيء في موضعه»، يجب رفع منسوب التخويف، في الحالات التي يغلب فيها طَيش اللامبالاة، ويجب رفع منسوب الحبّ في الحالات التي يغلب فيها كَمَدُ اليأس المدمّر.

* يجب التنبّه إلى أن الوحدة من أخطر أمراض العصر، فقد أصبح لزاماً على الفرد في الغالب أن يعيش في البيت وحده، فالأم - عادةً - مشغولة أو غير قادرة على تجاذب أطراف الحديث مع ابنها ولا حتّى ابنتها، والأب مشغول دائماً حتّى في البيت بسهراته مع غير أُسرته أو معها على شاشة التلفزيون، والمدرسة ليست غالباً المدرسة، بل هي محلّ لتحصيل الشهادات؛ الفرصة الوحيدة لاعتراف المجتمع بهذا «المخلوق» عبر مجازر نفسية واجتماعية!

هذا الفراغ الذي يعيشه الفرد، خصوصاً في سنّ المراهقة، يفرض عليه أن يشكّل قناعاته مبكراً، ويتصرف على أساسها!

من هنا تبرز أهمية تبادل الحديث مع الناشئة خصوصاً، وإفساح المجال لهم ليتحدّثوا، ويناقشوا، ويُصغوا إلى وجهات نظر متعدّدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فقرات من بحث لسماحته نُشر سنة 2006م تحت عنوان: «من وحي حاجة مؤسّساتنا التعليمية: كلّيات في باب الترشيد الاجتماعي»



اخبار مرتبطة

  أيها العزيز

أيها العزيز

  دوريات

دوريات

13/04/2018

دوريات

  إصدارات أجنبية

إصدارات أجنبية

نفحات