ملحق شعائر 14

ملحق شعائر 14

29/04/2014

الاقتصادُ المقاوم

ملحق شعائر 14

دوري يصدر عن مجلّة «شعائر»

 

 

الاقتصادُ المقاوم

الإيمان، الثّقافة، سيادة الشّعب، والاقتدار

خطاب الإمام الخامنئيّ دام ظلّه في بداية السّنة الإيرانيّة الجديدة

1393 هجري شمسي – 21/03/2014

 

 

 

إصدار المركز الإسلامي

بيروت – لبنان

1435 هـ - 2014 م

 

 

 

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

تقديم

حين قَدِمَ سماحةُ السّيّد القائدُ الإمامُ الخامنئيّ إلى الحَرَمِ الرّضويِّ الشّريف ليخاطبَ الشّعبَ والأُمّةَ في اليوم الأوّل من السّنة الإيرانيّة الجديدة، كانت الحشودُ التي حضرت واستمعت، على يقينٍ من أنّ المُخاطبةَ من هذا المقام الطّاهرِ بالذّات لها معنى خاصّ في مضامينها ودلالاتها وغاياتها. فالخِطابُ الذي ألقاه سماحتُه جاءَ شاملاً ومَفْصليّاً، لجهةِ تناولِهِ عُمْقَ القضايا الكبرى التي تَعيشُها إيرانُ والأمّةُ الإسلاميّةُ في الحقبة الرّاهنة. ولَئِنْ كان تركيزُه على تظهير مَقولةِ الاقتصادِ المُقاوِم كنهجٍ ضروريٍّ لمُواجَهة التّحدّيات، فما ذلك إلّا ليبيّنَ أنّ المُقاومةَ الاقتصاديّةَ هي حلقةٌ مركزيّةٌ في سلسلةِ الحلقاتِ التي تضمنُ صُمودَ الجمهوريّةِ الاسلاميّةِ الإيرانيّة، واقْتِدارَها أمامَ العواصفِ الإقليميّةِ والدّوليّةِ العاتية.

 تأسيساً على هذه المَقاصدِ، يؤكّدُ الخطابُ جُملةَ حقائقَ تعكسُ الإنجازاتِ التي حقّقتْها الجمهوريّةُ الإسلاميّةُ على الصّعيد الوطنيّ، وأثرَ هذه الإنجازاتِ في إظهارِ مَكانتِها المِحوريّةِ على الصّعيدَيْن الإقليميّ والعالميّ.

وإذا كان لنا أن نَسْتَقْرِئَ العناصرَ الأساسيّةَ لمضمونِ الخِطابِ أمكنَ أن نُجملَها بأربعةِ مُرتكَزاتٍ هي: مُرتكَزُ الثّقافة، ومُرتكَزُ العلم، ومُرتكَزُ السّيادةِ والاقتدار، ومُرتكَزُ الاقتصادِ المُقاوم.

هنا قراءةٌ مُجملةٌ لكلّ منها على التّوالي:

أوّلاً: المُرتكَزُ الثّقافيُّ: فلو مَضَيْنا في بيان ما يقصده السّيّد القائد من مُصطلحِ الثّقافة، لوجدناه ينطوي على دلالاتٍ أبعد مدًى ممّا يُنظر إليه في العادة. فالثّقافة في خطاب سماحته، هي المُنطلقُ المعرفيُّ الذي قامت عليها الثّورةُ الإسلاميّةُ بأبعادها الإيمانيّة والعباديّة والأخلاقيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة. وهي أبعادٌ غيرُ مُنفصلةٍ أبداً عن همِّ بناءِ الدّولة والمجتمعِ في سياقِ النّهضةِ الحضاريّة المُتكاملة للأُمّة. وإذا كانت هذه هي الأبعاد المقصودة من الثّقافة كمُرتكَزٍ لمواجهةِ تحدّيات النّهوض والبناء، فإنّ لهذا المُرتكَزِ أهميّةً حاسمةً وعميقةً في التّجربةِ التي يخوضها الشّعبُ الإيرانيُّ في مرحلةٍ شديدةِ التّعقيدِ كهذه المرحلة.

على أنّ مُرادَ السّيّد القائد من تظهير خاصِّيّة الثّقافة بالأبعاد التي مرَّ ذِكْرُها، إنّما ليستحضرَ أصالةَ فكرِ الثّورة الإسلاميّة الذي أرسى الإمامُ الخمينيُّ، قدّس سرّه، أُسسَه العميقَة، ثم ليذكِّرَ بقدرةِ هذا الفكرِ على الوصلِ الوطيد بين قِيَم الدّينِ وموجباتِ بناء الدّولة وإحياءِ الحضارة الإسلاميّةِ الجديدة. ولو تأمّلنا رُؤاه في هذا الصّدد، لتبيّنَ لنا ذلك من خلالِ تحويلِ منظومةِ القِيَم التي يختزنُها الشّعبُ المسلمُ في إيرانَ إلى طاقةٍ حيويّةٍ عظمى في إعادة تأسيسِ الدّولةِ والمُجتمعِ والمؤسّسات على نِصابِ النّمو والتّكامل. ثمّ لوجدنا ذلك أيضاً وأساساً من خلال الجمعِ الخلّاق بين الإيمانِ الدّينيّ والتّدبيرِ السّياسيّ وصناعةِ الاستراتيجيّات الوطنيّةِ في عالمٍ مُمْتَلِئٍ بعواملِ الاحْتدام. وما دُمْنا في معرضِ رؤيةِ السّيّد القائد إلى دولةِ الإيمان والعلم والقُدرة، كَسِمَةٍ فارِقَةٍ للجمهوريّة الإسلاميّة، فإنّ مُجملَ صفاتِها المُتعدّدة تعودُ إلى أنّها جمهوريّةٌ مؤمنةٌ بقِيَمِ الإسلامِ المُحمّديّ الأصيل. فلَئِنْ كانت نظريّةُ الدّولة في منطق العلوم الحديثة تَطوي في أعماقها بُعْداً وجوديّاً بالنّسبة إلى مواطنيها، فهي في نظرِ الإمام الخامنئيّ أُطروحةٌ تستمدُّ من القرآن والإسلام وتوجيهاتِ آل العصمةِ الأطهار، ما يُسدِّدُ نُموَّها وتَطوُّرَها واقتدارَها في المُواجهات الكبرى. فالقيادةُ الاستراتيجيّة التي حدّدَ السّيّد القائد مواصفاتِها هي تلك التي تُخْتَبرُ في المَيادينِ وتنتصرُ. وما ذاك إلّا لأنّها موصولةٌ بالعُرْوَةِ الوُثْقى لثقافة الوحي. ومثلُ هذه القيادةِ عندما تجدُ نفسَها أمامَ أحد خِيارَيْنِ: الوجود واللّاوجود، الحياة والموت، السّيادة واللّاسيادة، فإنّ معاييرَ الرّؤية وقواعدَ النّظر سوف تتبدّل على الجملة لتستويَ على نصابٍ فوق عاديّ. فالمسألةُ النّوويّة مثلاً - وهي المسألةُ الأكثر تهديداً لمصير البشريّة - لا تتوقّفُ عند حدود السّياسة المحكومة بموازينِ العلاقات الدّوليّة وقوانينِها وحسب، بل كذلك وبصورةٍ أعمقَ وأشملَ على الإيمانِ الدّينيّ وبُعْدِهِ الإلهيّ. من أجل هذا رأينا كيف وازنت القيادةُ الإيرانيّةُ بين حقّانيّةِ امتلاك التّكنولوجيا النّوويّة السّلميّة وتحريم السّلاح النّوويّ كمصدر دَمارٍ وإفناء للإنسانيّة.

إنّ مثلَ هذه الأبعادِ من نشاط الفكرِ الاستراتيجيّ تبدو ضروريّةً في معرض الكلام على الأبعاد المعنويّة والاستراتيجيّة لخطاب الإمام الخامنئيّ. وما ذاك إلّا لأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة باتت اليوم واقعاً إقليميّاً ودوليّاً استثنائيّاً، تُدْرِكُ القيادة الثّوريّة الإسلاميّة ضرورةَ تحويل هذا الواقع إلى نموذجٍ وطنيٍّ وجيو - استراتيجيٍّ وحضاريٍّ في الآنِ عينه.

ثانياً: مُرتكَزُ العلمِ والمعرفة: وهو أحد أبرز الأُسس المعرفيّة لثقافة الثّورة الإسلاميّة. ويقوم على إيلاء البحوث العلميّة أهميّة استثنائيّة. وبفضل هذه المنزلة التي يحتلّها البحثُ العلميّ، استطاعت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وعلى رغم الحصار المديد طيلةَ ثُلث قرن مضى، أنّ تُحقّقَ مُنجزاتٍ ضخمةً في مجال التّصنيع والطّاقة وعلوم النّانو، ناهيك عمّا يؤدّيه البرنامج النّوويّ السّلميّ من نقلات حضاريّةٍ نوعيّةٍ تضعُ إيرانَ في مَصافّ الدّولِ المُتقدّمة.

وتأسيساً على مُرتكَزِ العلم والمعرفة سنقرأ كيف أكّدَ السّيّدُ القائدُ في خطبتِه ضرورةَ تَوجُّهِ طلَبة العلم إلى التّخصّصات الدّقيقةِ لتحقيقِ الاكتفاءِ الذّاتيّ في مُجملِ الميادينِ العلميّة، تعزيزاً لمكانةِ البلاد ووضعِها في خدمةِ المُجتمعات الإسلاميّة وتطوّرها.

ثالثاً: مُرتكَزُ القُدرةِ والتّخطيطِ الاستراتيجيِّ: وهو يجمع بين الثّقافة والعلم والمعرفة، ويقوم على حسن توظيف القوى والقدرات الكامنة في المجتمع والدّولة. ومن هذا الجانب يشدّد السّيّد القائد على الأهميّة العظمى لثقة الشّعب الإيرانيّ بما لديه من قدرات تجعله قادراً على تحقيق نهوضه الحضاريّ.

أمّا عواملُ القدرةِ التي أشار إليها سماحتُه فهي كثيرةٌ في إيران.. ويمكنُ إجمالُها بما يلي:

 أ) العامل الحضاريّ والدّينيّ والتّاريخيّ.

 ب) العامل الاقتصاديّ بشطرَيه النّفطيّ والمائيّ.

 ج) العامل الجيو - بشريّ، وغِنى التّنوع الدّيمغرافيّ.

 د) العامل الجيو - استراتيجيّ وأثره في موازين العلاقات الدّوليّة.

 هـ) العامل السّياسيّ، وما ينطوي عليه من حيويّة خاصّة لجهة ما حقّقته الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة من ترسيخ نظام المؤسّسات والفصل بين السّلطات وتداول السّلطة. ولعلّ الإشارات المُتكرّرة إلى إقبال الشّعب الإيرانيّ على العمليّات الانتخابيّة إنّما يدلّ على أصالة التّجربة الخاصّة في مجال الدّيموقراطيّة الدّينيّة التي انفردت بها إيران عن سواها من دول العالم.

ولذا فالمَسارُ الذي تحفره دولةُ الثّقافةِ والعلمِ والمعرفةِ والقُدرةِ على صَعيدَيِ الحُكْمِ والمُجتمع، هو مسارٌ ديمقراطيٌّ تراحميٌّ، تتلاقى فيه إرادةُ الحرصِ على الوحدة الوطنيّة والعدالة الاجتماعيّة، بإرادةِ الاعترافِ والمُسامَحة في مقامِ العمل السّياسيّ وتدبير الشّأن العامّ.

وبقدر ما يشكّلُ مُرتكَزُ القُدرة والتّخطيط الاستراتيجيّ عاملاً حاسماً في جعل إيرانَ دولةً وأُمّةً مُحترمةً على صعيدِ العالم، فهو يُؤَسّسُ في الوقت نفسه لانطلاقاتٍ حضاريّةٍ تتجاوزُ النّطاقَيْنَ الوطنيَّ والإقليميَّ إلى العالَمِ كُلِّه.

رابعاً: الاقتصاد المقاوم: وهو حاصل المُرتكَزات جميعاً، فإنّ التزامَ الشّعب الإيرانيّ بثقافة الثّورة الإسلاميّة، وبطريق العلم والمعرفة، وبمراكمة قدراته في سبيل كرامته واستقلاله الوطنيّ وسيادته، هو العامل المركزيّ في التّأسيس لمقولة الاقتصاد المقاوم.

وفي هذا المجال أعطى السّيّد القائد مِساحةً واسعةً من خطابه لشرح مفهوم الاقتصاد المقاوم والأسسِ النّظريّة والعمليّة التي ينبني عليها. ولنا هنا أن نشيرَ إلى بعضها على سبيل التّكثيف والاختصار على النّحو التّالي:

1- إنّه اقتصادٌ يقاوِمُ الاهتزازاتِ العالميّةَ ويحصّنُ نفسَه في وجهِ الضّغوطات الأميركيّة والغربيّة.

2- إنّه اقتصادٌ ذاتِيُّ التّدفُّق. أي أنّه ينمو ويتطوّرُ ويتدفَّقُ من صميم إمكانات البلاد وجهود الشّعب.

3- إنّه اقتصادٌ علميٌّ. أي أنّه يقوم على التّخطيط الواعي والمُتدبِّر. بعيداً من فوضى الاضطرابات التي تعصف بالاقتصاد العالميّ.

4- إنّه اقتصادٌ عادلٌ. أي أنّه لا يَركن إلى مؤشّرات الاقتصاد العالميّ والبنك الدّوليّ بقدر ما يُؤسّس نفسه على الاستقلال والعدالة في توزيع الثّروة الوطنيّة انطلاقاً من المعايير الوطنيّة السّياديّة.

5- إنّه اقتصادٌ راسخٌ ودائمٌ في إطار التّكاملِ مع مُجملِ القُدراتِ والمُرتكَزاتِ التي تقومُ عليها المصالحُ الوطنيّةُ العليا للشّعب الإيرانيّ.

إنّ الأهميّةَ الاستراتيجيّةَ لهذه المُرتكَزاتِ الأربعَةِ هي أنّها رُؤيةٌ تأسيسيّةٌ مُتَجدّدةٌ حول آفاق التّقدّم ومساراته، وحولَ مواجهة التّحدّيات المصيريّة الرّاهنة والمُقبلة.

إنّ ما تَحْمِلُهُ الإدارةُ الاعتنائيّةُ للدّولة والمُجتمع – كما حدَّدَ سِماتها سماحةُ السّيّدُ القائدُ في خطابِه - هي إدارةٌ تستندُ بشكلٍ عميقٍ على الثّقة العالية بقُدرات الأُمّة، وخصوصاً لجهة البناء الوطنيّ والحضور العالميّ، والقُدرةِ على‌ تحويلِ هذا الحضورِ إلى مُؤَثِّرٍ إقليميٍّ وقارّيٍّ ودوليٍّ وازنٍ في أنظمة الأمن والسّياسة والاقتصاد، وبالتّالي كشريكٍ في التّنمية الحضاريّة لعالَم القرن الحادي والعشرين.

جديرٌ ذِكرُه، أنّ هذا النَّصَّ مقاربةٌ كليّةٌ مبسّطة، شاءَ سماحتُه أن يقدّمَها إلى عموم الشّعب كتقريرٍ يوضحُ ما توفّرت الجهودُ الكبيرةُ والطّويلةُ الأَمَد عليه منذ سنينَ عديدةٍ خَلَت، حينَ طرحَ السّيّدُ القائدُ للمرّة الأولى أطروحةَ الاقتصاد المقاوم، ثمّ أتْبعَ ذلك باستنفارِ جميعِ الطّاقاتِ التّخصّصيّةِ للتّعمّقِ في الأبعادِ المتعدّدةِ لهذه الأطروحة وبَلْوَرَتِها، وصياغتِها كمشروعِ قانون، ثمّ تَقْنينها بالتّشاورِ مع «مجمَع تشخيص المصلحة» بناءً على الأصل 110 من القانون الأساسيّ (الدستور)، وإبلاغها كتابةً إلى رؤساء القوى الثّلاث، ورئيس «مجمع تشخيص المصلحة» بتاريخ 29 بهمن 1392 (2013م)، وممّا جاء في كتاب هذا الإبلاغ:

«بعدما يَلزم من التّدقيق، وبعدَ التّشاور مع "مجمع تشخيص مصلحة النّظام"، يتمُّ إبلاغُ السّياساتِ الكلّيّة للاقتصادِ المقاوم التي تأتي استكمالاً للسّياسات السّابقة، وخصوصاً السّياسات الكليّة للأصل 44 من القانون الأساسي..».

وقد أُرفقتْ بهذا الإبلاغ «السّياسات الكليّة للاقتصاد المقاوم» في أربعةٍ وعشرين بنداً، لتُبادرَ السّلطاتُ المختلفةُ إلى العملِ على تنفيذِها، وإعدادِ القوانين والمقرّرات، والخُططِ اللّازمةِ «ضمنَ مُهَلٍ زمنيّةٍ محدّدة».

*****

إذ يسرّ هيئةُ تحرير مجلّة «شعائر» أن تقدّمَ نَصّ خطابِ السّيّد القائد الإمام الخامنئيّ، إلى القارئ العزيز، كلّها أمل أن يشكّلَ مَضمونُ هذا الخطابِ مادّةً ثريّةً للنّقاشِ حول راهنِ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران ومُقبِلها، ومَوْقِعِها النَّهْضَوِيّ في الحضارة الإسلاميّة العالميّة المُعاصرة.

«شعائر»

بيروت في 21 نيسان 2014

 

الاقتصادُ المقاوم

خطابُ الإمام السّيّد علي الخامنئي دام ظلّه

بمناسبة السّنة الإيرانيّة الجديدة

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمّد، وعلى آله الطّيّبين الطّاهرين، المنتجبين، الهداة المهديّين، المعصومين، لا سيّما بقيّة الله في الأرضين. أللّهمّ صلّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها. أللّهمّ صلِّ على وليّك عليّ بن موسى عددَ ما أحاط به علمك، صلاةً دائمةً بدوامِ عظمتك وكبريائك، وسلّم عليه عددَ ما في علمك، سلاماً دائماً بدوام مجدك وعظمتك وكبريائك.

أشكر الله تعالى وأحمده أن تفضّل علينا بالحياة، فاستطعنا الحضور هذا العام أيضاً إلى جوار هذا المرقد السّماويّ النّيّر، ووسط هذه الحشود المتحابّة المتحمّسة، والتّحدث معكم أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء.

بدايةً، أرى لزاماً عليّ أن أهنّئكم أيّها الحاضرون، وأهنِّئَ شعب إيران بالنّيروز وحلول العام الجديد، وأسأل الله تعالى للشّعب الإيرانيّ ولكلّ المسلمين في العالم سنةً مباركة وحياةً تغمرها السّعادة، وأرجو من الله تعالى أن تكون السّنةُ الّتي بدأت اليوم، سنةً تليق بالشّعب الإيرانيّ الكبير، وزاخرةً بالخيرات والبركات والفضل الإلهيّ وعناية ربّ العالمين.

سأذكر نقطة تتعلّق بالعام 92 [1392 هـ. ش = 2013م] الّذي انتهى أمس؛ لقد أشرتُ - في النّداء - بمناسبة بداية هذا العام إلى أنّ شعب إيران صنع ما كان متوقّعاً منه في العام المنصرم، إذ صنع ملحمةً سياسيّةً تجلّت في خطوتين كبيرتين ومهمّتين للشّعب الإيرانيّ:

الخطوة الأولى: هي الانتخابات في النّصف الأوّل من السّنة.

والخطوة الثّانية: هي تظاهرات الشّعب العامّة العظيمة في النّصف الثّاني من السّنة. لقد تحدّثنا كثيراً عن الانتخابات، سواء هذه الانتخابات، أو كلّ الانتخابات المتعدّدة الّتي جرت منذ بداية الثّورة وإلى اليوم. وكذلك تحدّثتُ - وتحدّث غيري - عن التّظاهرات الكبرى العامّة في الثّاني والعشرين من بهمن [11 شباط]، وذكرنا الكثير من النّقاط، ولا نريد تكرارها، ولكنّ ثمّة نقطتان حول هاتين الحادِثَتَيْن، فكلّ حادثة كانت بمنزلة وسيلة إعلام شاملة عامّة عكست وضع بلادنا وشعبنا مقابل التّضليل والتّشويه المغرض للإعلام العالميّ، لذا سأتطرّق إليهما، قبل الانتقال إلى الحديث في النّقاط ذات الصّلة بالعام الجديد.

دلالات المشاركة الشّعبيّة العارمة في الانتخابات

النّقطة الأولى تتعلّق بالانتخابات؛ لاحظوا أيّها الإخوة والأخوات أنّ مستوى مشاركة الشّعب في الانتخابات، منذ بداية الثّورة وإلى اليوم، لم ينخفض ولم يهبط، وهذا الأمر على جانب كبير من الأهميّة. في الانتخابات الأخيرة الّتي توجّه فيها شعب إيران إلى صناديق الاقتراع - أعني انتخابات رئاسة الجمهوريّة الحادية عشرة - كانت مشاركة الشّعب بنسبة 72 بالمائة، وهذا الرّقم عالٍ بين الانتخابات الّتي تجري في العالم ويمثّل مستوى مميّزاً، وكذلك هو من أعلى الأرقام بين الانتخابات الّتي أقيمت في البلاد منذ بداية الثّورة وإلى اليوم، فما معنى هذا؟ معنى هذه المشاركة الواسعة للشّعب في الانتخابات أنّ السّيادة الشّعبيّة الدّينيّة تكرّست وترسّخت في البلاد. معناها أنّ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة نجح في مأسسة سيادة الشّعب في البلاد وجعلها ظاهرة مؤسّساتيّة راسخة، وهذا ليس بالشّيء القليل.

البلدُ الّذي أمضى قروناً متماديةً مع الحكّام المستبدّين والدّيكتاتوريّين، قد عرف وتآلف إلى هذا الحدّ مع سيادة الشّعب، والمشاركة في انتخاب أصحاب النّفوذ (المسؤولين) بحيث إنّ الشّعب بعد مرور خمسة وثلاثين عاماً على هيجانات بداية الثّورة ما تزال مشاركتُه في الانتخابات تسجّل نسبة 72%. هذا أمر تجب معرفة قيمته.

أقول لكم أيّها الشّباب، ولكلّ أصحاب الرّأي والفكر في كلّ أرجاء البلاد: لا نكفر بهذه النّعمة العظيمة، كما كفرَ البعض عام 88 [هـ. ش] بهذه النّعمة الإلهيّة، وكما يُسمع أحياناً من الطّعن في سلامة الانتخابات، أي يكرّرون كلام أعداء الشّعب الإيرانيّ. هذا أيضاً كفرانُ النّعمة.

الطّعن في سلامة الانتخابات، تكرارٌ لكلام

أعداء الشّعب الإيرانيّ.

لقد تحوّلت سيادة الشّعب في البلاد إلى سياق عاديّ، لذلك يرى أبناء الشّعب الإيرانيّ في كلّ أنحاء البلاد – في القُرى، في المُدُن - أنّهم تجاه صندوق الاقتراع أمام واجب، فيتوجّهون إلى صناديق الاقتراع وتكون مشاركتهم بنسبة 72%. هذا الأمر بالغُ الأهميّة، وهو على المستوى العالميّ من الأرقام المرتفعة.

غِيرة الشّعب الإيرانيّ على الجمهوريّة الإسلاميّة

النّقطة الثّانية الّتي ينبغي أن يتنبّه لها، إخوتي وأخواتي الأعزّاء، هي بخصوص تظاهرات الثّاني والعشرين من بهمن. هناك من يحسب ويقيس الجموع والحشود بالمحاسبة، أو بالكاميرات، وبالوسائل المختلفة، ليُخمّن عدد الجموع. وكلّ الّذين نشطوا – هذه السّنة - في هذا المجال ورصدوا – بدقّة - تلك التّظاهرات، رفعوا لنا تقارير تقول إنّ حشود المتظاهرين في طهران والمدن الكبرى والمعروفة كانت أكثر من السّنوات الماضية، وكذلك أشدّ حماساً. أي إنّ شعارات الشّعب كانت شعارات عميقة وذات مغزى، وعلى قدر عال من الحماسة [للثّورة]، فما السّبب في ذلك؟

إنّ سبب ذلك، بحسب فَهْم المحلّلين الّذين يدرسون مختلف القضايا والشّؤون – والحقّ معهم - هو ارتفاع اللّهجة غير المؤدّبة للمؤثّرين في السّياسات الاستكباريّة تجاه شعب إيران، في هذا العام. فعندما جرت مفاوضات حول القضايا النّوويّة، صرّح السّاسة الأميركيّون بأن الشّعب الإيرانيّ تراجع عن مواقفه، وتخلّى عن أصوله ومبادئه! وبهذا، فقد كان لحنُ حديثهم عن الشّعب الإيراني غير مؤدّب ومُهين، وقد سمع الشّعبُ ذلك، ووعاه. وحينما يواجه العدوُّ وهو يُسفر عن وجهه الحقيقيّ – أو ما يقرب منه – فستظهر لدى الشّعب حوافز أكبر وهمّة أعلى للمشاركة، وبما أنّه رأى الأميركيّين يُسيئون الأدب معه، ويزعمون أنّه انفصل عن النّظام، أراد أن يبرهن في الثّاني والعشرين من بهمن أنّه يعشق النّظام الإسلاميّ، والجمهوريّة الإسلاميّة، ورايةَ الإسلام الخفّاقة في أعماق وجوده. وهذا دليلٌ على غيرة الشّعب الإيرانيّ وحسّاسيّته حيال الأعداء، وتجاه شرور أعداء الجمهوريّة الإسلاميّة، وأعداء إيران.

الاقتدارُ الوطنيّ

أمّا في ما يتعلّق بهذه السّنة، فقد سجّلت هنا بعض النّقاط، ولديّ ما أقوله، وأحاول أن ألخّص وأختصر - ضمن هذا المجال المتاح لنا اليوم، فاليوم هو يوم الجمعة ووقتنا في النّهاية محدودٌ بصلاة الجمعة - فأقول ما عندي إن شاء الله ضمنَ هذا الوقت. وإذا بقيت نقطة لم تذكَر، فأتمنّى أن يوضّحها للرّأي العامّ أصحاب الخبرة والعلماء في المجتمع الّذين يدركون سياسات الجمهوريّة الإسلاميّة وطبيعتها ومجريات الأمور في الوقت الحاضر، والفترة الحاليّة.

 أقول، باختصار وإجمال، إنّ شعب إيران يجب أن يقوّي نفسه؛ فكلامي هو عن الاقتدار الوطنيّ. أقول لشعبنا العزيز إنّه إذا لم يكن أيُّ شعب، شعباً قويّاً، وكان ضعيفاً، فسيَسمع منطقَ القوّة، ويتعامل معه المبتزّون بالقوّة. وإذا تمكّنوا فسوف يُهينونه ويسحقونه بالأقدام. هذه هي طبيعة العالم الّذي يُدار بأفكار ماديّة: كلّ مَن يشعر بالقوّة والقدرة سوف يظلم الّذين يشعر بأنّ فيهم ضعفاً، سواء كان ذلك تجاه فرد أو تجاه شعب. يقول الشّاعر:

الموتُ أمرٌ طبيعيٌّ للضّعيف، كلّ قويّ ضعفَ أوّلاً ثمّ مات

يقال إنّهم جاؤوا بفرّوج مشويّ إلى شخص [أبي العلاء المعريّ] لا يأكل الدّجاج ولا لحوم الحيوانات، فنظر إليه، و«ذرف الدّموع من عينيه» وقال:

«استضعفوكَ فوصفوكَ، هلّا وصفوا شبل الأسد».

قال [للفرّوج المشويّ]: لو كنتَ تستطيع الدّفاع عن نفسك، وعندك قوّة واقتدار، لما تجرّأوا على قطع رأسك هكذا. أنا لا أؤمن بذلك الشّاعر، ولا بأبي العلاء المعرّي الّذي نُقل عنه هذا القول. لكنّني أعتقد أنّ موت الضّعيف أمر طبيعيّ في عالم يُدار بالأفكار المادّيّة. هذا شيء أعتقده. إذا لم يلتفت هذا الشّعب إلى نفسه، ولم يقوّ نفسه، فسوف يتعسّف الآخرون معه.

أقول لشعبنا إنّه يجب أن يكون قويّاً، فطبيعةُ

العالَم الّذي يُدار بأفكار مادّيّة، هي أنّ القويّ

يظلم الضّعيف متى أُتيح له ذلك.

بعض الشّعوب تفصلها مسافات عن القوّة والاستقواء، ولا أمل لها بأن يكون لها من نفسها قوّة تستطيع بها مواجهة العتاة والمتغطرسين في العالم. لكنّ شعبنا ليس من هذا القبيل. فأوّلاً لدينا القابليّة الكبيرة لنكون أقوياء، ولدينا الكثير من الإمكانات والطّاقات، وقد تحرّك شعبنا نحو الاقتدار الوطنيّ وقطع أشواطاً طويلة. وعلى هذا الأساس أرى أنّ الخارطة العامّة لسنة 93 في هذين العنصرين - الّذين ذكرتهما في نداء بداية السّنة: الاقتصاد والثّقافة بعزيمة وطنيّة وإدارة جهاديّة. 

 

 

ملامحُ الاقتصاد المقاوم

 

لا تكمن قوّة شعب في امتلاكه أسلحة حربيّة متطوّرة؛ طبعاً الأسلحة ضروريّة بدورها، ولكن بالأسلحة وحدها لا يُصبح أيّ شعب قويّاً. حينما أنظر أجد ثلاثة عناصر، اثنان منها هما العنصران اللّذان ذكرتهما في نداء بداية العام، إذا جرى الاهتمام بهذه العناصر الثّلاثة سيتمكّن الشّعب من أن يكون قويّاً: العنصر الأوّل هو الاقتصاد، والثّاني هو الثّقافة، والثّالث هو العلم والمعرفة.

حول العلم قيل الكثير على مدى السّنوات الاثنتي عشرة الماضية، وقد كان هذا الكلام مؤثّراً والحمد لله. إنّنا في الوقت الرّاهن نتقدّم على صعيد العلوم - وقد أعود وأشير إلى هذا الجانب - ولكن حول الاقتصاد والثّقافة ينبغي إبداء اهتمام أكثر من الحدّ المألوف لنستطيع جعْل اقتصاد البلاد بالشّكل الّذي لا يستطيع أحدٌ في ذلك الطّرف من العالم بقراراته أو اجتماعاته التّأثير في اقتصاد بلادنا وفي معيشة شعبنا. هذا شيء في أيدينا نحن، ويجب أن نفعله. وهذا هو الاقتصاد المقاوم الّذي تمّ إبلاغ سياساته في شهر إسفند [موافق لشهر آذار] الماضي. وقد كانت لي اجتماعات مع المسؤولين والمدراء الكبار في البلاد، وتحدّثنا بالتّفصيل حول هذا الشّأن، وقد أبدوا كلّ اهتمام، بمعنى أنّ مسؤولي السّلطات الثّلاث كانوا هم أنفسهم مؤثّرين ومشاركين في إعداد هذه السّياسات، ورحّبوا بها، وقالوا إنّنا سوف نقوم بهذا الشّيء وننهض بأعبائه. أريد اليوم أن أتحدّث قليلاً لشعبنا العزيز عن الاقتصاد المقاوم، وأن يسمع النّاس منّي ما أودُّ ذِكرَه حول هذا الموضوع.

الاقتصاد المقاوم هو ذلك الاقتصاد الّذي يستطيع مقاومة الاهتزازات والتّحريكات العالميّة، ولا يتقلّب بحسب سياسات أميركا وغير أميركا. إنّه اقتصاد يعتمد على الشّعب.

الشّعب هو ركيزة الاقتصاد.

يجب أن يُبنى اقتصادنا بحيث لا تؤثّر فيه

القرارات المتّخذة في الطّرف الآخر من العالم.

هناك ثلاثة أسئلة حول الاقتصاد المقاوم سوف أطرحها.

السّؤال الأوّل: ما هو الاقتصاد المقاوم، وماذا يجب أن يكون وماذا يجب أن لا يكون؟ ما هي خصوصيّاته الإيجابيّة وما هي خصوصيّاته السّلبيّة؟

والسّؤال الثّاني: هل الاقتصاد المقاوم الّذي نرفع شعاره ممكن التّحقيق، أي هل هو ممكن، أم إنّه محض خيال ساذج؟

والسّؤال الثّالث: إذا كان تحقيق الاقتصاد المقاوم ممكناً فما هي متطلّبات ذلك، وما الّذي يتعيّن القيام به من أجل ذلك؟

سوف أجيب اليوم عن هذه الأسئلة الثّلاثة في ما يتعلّق بالشّأن الاقتصاديّ. وبعد ذلك سأذكر نقاطاً عن الشّأن الثّقافيّ الّذي اعتقد أنّه على جانب كبير من الأهميّة.

ماهيّة الاقتصاد المقاوم

السّؤال الأوّل: ما هو الاقتصاد المقاوم، وما يجب أن يكون وما يجب أن لا يكون؟

أوّلاً: إنّه نموذج علميّ مناسب لاحتياجات بلادنا - وهذا هو الجانب الإيجابيّ من القضيّة - لكنّه لا ينحصر ببلادنا، فالكثير من البلدان اليوم، وبالنّظر إلى الاهتزازات الاجتماعيّة والتّقلبّات الاقتصاديّة الّتي وقعت طوال هذه الأعوام العشرين أو الثّلاثين الأخيرة، فكّرت في مثل هذا المشروع بما يتناسب وظروفها؛ إذاً النّقطة الأولى هي أنّ ما نقوم به يمثّل في الوقت نفسه هموم البلدان الأخرى، وليس شيئاً خاصّاً بنا.

ثانياً: قلنا إنّ هذا الاقتصاد ذاتيّ التّدفّق. فما معنى أنّه ذاتيّ التّدفّق؟ معناه أنّه يتدفّق وينمو من صميم إمكانات البلد ذاته وإمكانات الشّعب وطاقاته. نموّ هذه الغرسة أو الشّجرة يعتمد على إمكانيّات بلادنا نفسها. هذا هو معنى التّدفّق الذّاتيّ. لكنّه في الوقت نفسه ليس منكفئاً على نفسه. فليس معنى هذا الاقتصاد المقاوم أن نحصر اقتصادنا ببلادنا ولا نخرج عن حدودها، لا.. إنّه ذاتيّ التّدفّق، لكنّه في الوقت نفسه خارجيّ التّطلّعات، وله تواصله وتعامله مع الاقتصادات العالميّة، ويواجه اقتصادات البلدان الأخرى باقتدار. إذاً، فهو ذاتيّ التّدفّق لكنّه ليس داخليّ التّطلّعات. نقول هذا لأنّ الأقلام والألسن والعقول المغرضة حالياً تعمل على كافّة الأصعدة لتوحي بالقول: «نعم.. إنّهم يريدون تحديد اقتصاد البلاد وحصره في الدّاخل». يمارسون مختلف أنواع التّحليل من أجل صرف الشّعب والمسؤولين عن هذا الطّريق وهو طريق السّعادة. لذلك أذكر هذه النّقاط لتتّضح الأمور للرّأي العامّ.

النّقطة الثّالثة: هي أنّ الاقتصاد الّذي يُطرح على أنّه اقتصاد مقاوم له أساس شعبيّ، بمعنى أنّه لا يدور حول محور الحكومة وليس اقتصاداً حكوميّاً، بل هو اقتصاد شعبيّ يتحقّق بإرادة الشّعب ورساميلِه ومشاركتِه. وكونُه غير حكوميّ لا يعني طبعاً أنّ الحكومة لا تتحمّل مسؤولياتٍ حيالَه، بلى، تتحمّل الحكومة مسؤوليّات البرمجة وتمهيد الأرضيّات، وصناعة الإمكانيّات والتّوجيه والمساعدة. العمل والنّشاط الاقتصاديّ بيد النّاس وللنّاس، لكنّ الدّولة - باعتبارها مسؤولاً عامّاً - تشرف وتوجّه وتساعد، وتمنع وتصدّ الّذين يريدون الاستغلال والفساد الاقتصاديّ، وإذا احتاج أحدٌ إلى مساعدةٍ تساعده. إذاً، تمهيد الظّروف، والأرضيّات، وتسهيل الأمور من واجبات الحكومة.

النّقطة الرّابعة: هي أنّ هذا الاقتصاد، كما قلنا، اقتصادٌ علميّ المحور، بمعنى أنّه يستفيد من التّقدّم العلميّ ويعتمد عليه، ويدور حول محور العلم، غير أنّ هذا لا يعني أنّه اقتصادٌ مقتصرٌ على العلماء، ولا يمكن إلّا للعلماء أن يؤدّوا دوراً في هذا الاقتصاد المقاوم. كلّا، التّجارب والمهارات، أي تجارب أصحاب الصّناعات والعمّالِ ذوي التّجارب والمهارات المتنوّعة، يمكنها أن تؤثّر وتمارس دوراً في هذا الاقتصاد. حين يقال إنّه اقتصاد علميّ المحور، فليس معنى هذا أنّ العناصر ذات التّجارب من صناعيّين وفلاحيّن أنجزوا على مدى الأعوام الطّويلة الكثير من الأعمال الكبرى اعتماداً على تجاربهم، لن يكون لهم دورٌ فيه، كلّا، بل يقع على كواهلهم دورٌ مهمٌّ جدّاً.

خامساً: يدور هذا الاقتصاد حول محور العدالة، أي إنّه لا يكتفي بمؤشّرات الاقتصاد الرّأسماليّ من قبيل النّموّ الوطنيّ والنّاتج الإجماليّ القوميّ. ليست القضيّة أن نقول إنّ النّموّ الوطنيّ ازداد بهذا المقدار أو الإنتاج القوميّ الإجماليّ ارتفع بهذه النّسبة، كما هو المشهود في المؤشّرات العالميّة وفي الاقتصاد الرّأسماليّ. فقد يرتفع النّاتج القوميّ الإجماليّ في بلدٍ من البلدان ارتفاعاً كبيراً، ومع ذلك يموت بعض أبناء ذلك البلد من الجوع! هذا شيء لا نقبله ولا نريده. وعليه فمؤشّر العدالة - العدالة الاقتصاديّة والعدالة الاجتماعيّة - من المؤشّرات المهمّة في الاقتصاد المقاوم، بيد أنّ هذا لا يعني إهمال المؤشّرات العلميّة الموجودة في العالم، كلّا، تلك المؤشّرات أيضاً يجري الاهتمام بها وأخذها بعين الاعتبار، ولكنّ العمل يدور في الوقت نفسه حول محور العدالة. العدالة في هذه الخطّة وفي هذا الكلام ليست بمعنى توزيع الفقر، بل بمعنى إنتاج الثّروة وزيادة الثّروة الوطنيّة.

سادساً: لا شكّ في أنّ الاقتصاد المقاوم هو أفضل الطّرق لمعالجة مشكلات البلاد الاقتصاديّة، لكن هذا لا يعني أنّ الهدف هو معالجة مشكلات البلاد الحاليّة - والّتي يعود السّبب فيها بمقدار معيّن إلى الحَظر، وإلى خطأ هذه الخطّة أو ذلك البرنامج بمقدار معيّن - لا ، إنّما هو مشروع دائميّ مستمرّ. الاقتصاد المقاوم معناه جَعْل الاقتصاد مقاوماً وتقوية أركانه وأُسسه. مثل هذا الاقتصاد سوف يزدهر وينمو ويساعد النّاس، سواء في ظروف الحظر أو في ظروف عدم وجود حظر. هذا هو الكلام المتعلّق بالسّؤال الأوّل.

إمكانيّة تحقُّق الاقتصاد المقاوم، ومتطلّباتُه

والسّؤال الثّاني هو: هل هذا البرنامج الاقتصاديّ الّذي تُسمّونه اقتصاداً مقاوماً أمرٌ خياليّ وهميّ وأمنية تحلمون بتحقّقها، أم أنّه عمليّة ممكنة على أرض الواقع؟

الجواب: كلّا، إنّه عمليٌّ تماماً، وممكنٌ حتماً، لماذا؟ بسبب الإمكانات والظّروف، إنّ لهذا البلد الكثير من الطّاقات الاستثنائيّة. وسوف أعرض بعض هذه الإمكانات الّتي يتمتّع بها البلد. وهي ليست بالأمور الّتي تحتاج إلى إحصائيّات عجيبة وغريبة، بل هي أشياء قائمة أمام أعيننا والجميع يراها.

من إمكاناتنا المهمّة، الطّاقات والكوادر البشريّة في البلد. الطّاقات الإنسانيّة في بلادنا من أضخم إمكانات بلادنا، وتمثّل فرصة كبيرة. وقد قلنا إنّ الشّباب في البلاد - من عمر الخامسة عشرة إلى الثّلاثين - يشكّلون حجماً هائلاً من شعب إيران، وهذا بحدّ ذاته إمكانيّة. ولدينا عشرة ملايين خرّيج جامعة، فقد تخرّج طوال هذه الأعوام عشرة ملايين من شبابنا من الجامعات. ويدرس في الجامعات الآن أكثر من أربعة ملايين طالب جامعيّ سوف يتخرّجون على مدى الأعوام القليلة القادمة. ليعلم الشّباب الأعزّاء أنّ هؤلاء الملايين الأربعة الّذين نتحدّث عنهم يعادلون 25 ضعفاً بالقياس إلى عدد الطّلبة الجامعيّين في نهاية عهد الطّاغوت [الشّاه]، وعدد سكّان البلاد، بالقياس إلى تلك الفترة، ازداد ضعفاً واحداً فقط، لكنّ عدد الطّلَبة الجامعيّين مقارنة بذلك الوقت ازداد 25 ضعفاً. لدينا في الوقت الحاليّ هذا العدد من الطّلبة الجامعيّين والخرّيجين. إضافة إلى ذلك لدينا الملايين من الكوادر الماهرة وصاحبة التّجربة. ولاحِظوا أنّ هؤلاء هم الّذين أمدّوا القوات المسلّحة بما تحتاج إليه خلال فترة الحرب.

من مشكلاتنا خلال فترة الحرب المفروضة أعطال الأجهزة، وقصف مراكزنا المختلفة، وخلوّ أيدي قوّاتنا المسلّحة من المعدّات اللّازمة من قبيل وسائط النّقل. فهبّ عدد من الصّناعيّين المهرة أصحاب التّجربة من طهران والمدن الأخرى - وقد شهدتُ ذلك بنفسي في بدايات الحرب، وكنت أراهم، وقد وفّقت في الآونة الأخيرة أيضاً، والحمد لله، فكان لي لقاء بجماعة منهم، وقد كانوا في ذلك الحين شباباً لكنّهم اليوم كهول، ومع ذلك ما زالوا يحملون الحماس نفسه والتّحفّز - وخاضوا غمار ساحات الحرب في الخطوط الأماميّة، وقد استُشهد بعضهم، وقاموا بالتّصليحات والصّيانة اللّازمة، وصنَّعوا وأنتجوا، وكان من صناعاتهم الجسور العجيبة الغريبة الّتي تنفع القوات المسلّحة في الحرب، وغير ذلك من المعدّات ووسائط النّقل والطّرق.. هذه الكوادر الماهرة صاحبة التّجربة هي الّتي قامت بهذا، وهم موجودون اليوم وعددهم كبير في البلاد، ما شاء الله، وهم ليسوا من الخرّيجين، لكنهم أصحاب مهارة وتجربة، وقد يكونون في بعض الحالات أفضل وأنفع من الخرّيجين. هذه أيضاً من إمكاناتنا الإنسانيّة.. ولدينا مثل هذه الطّاقات والكوادر في مجال الزّراعة أيضاً وفي المجال الصّناعيّ.

ومن الإمكانات المهمّة في بلادنا، المصادر الطّبيعيّة. تحدّثت هنا، في العام الماضي، عن النّفط والغاز، وقلت إنّ مجموع النّفط والغاز في إيران هو الأوّل عالمياً. أي لا يوجد بلد في العالم يملك ما تملكه إيران من مجموع النّفط والغاز. نفطنا وغازنا معاً أكثر ممّا يمتلكه أي بلد من بلدان العالم شرقاً وغرباً. وفي هذه السّنة، حيث أتحدّث لكم الآن، جرى أكثر من اكتشاف لاحتياطيّات الغاز يشير إلى ارتفاع احتياطيِّنا ومصادرنا من الغاز عمّا كانت عليه في العام الماضي. هذا هو وضع النّفط والغاز في بلادنا. أكبر ذخائر الطّاقة - الّتي يحتاج إليها العالم لضيائه وتدفئته وصناعته وازدهاره - موجودة في بلادنا. بالإضافة إلى ذلك هناك مناجم الذّهب والمعادن النّادرة المنتشرة في كلّ أنحاء البلاد، فالحديد والأحجار الثّمينة وأنواع الفلزّات والمعادن الأساسيّة اللّازمة - والّتي تعتبر أمّ الصّناعات وأساسها - موجودة في إيران. وهذه أيضاً من الإمكانات الكبرى.

الإمكانيّة الأخرى هي موقعنا الجغرافيّ. إنّنا جيران لخمسة عشر بلد، وبيننا وبينهم ذهاب وإياب. النّقل والمواصلات والتّرانزيت من الفرص الكبيرة في بلادنا. هذا شيء متوفّر لبلادنا وهناك إطلالة على البحار الحرّة في الجنوب، وعلى المياه في الشّمال. يعيش في هذه البلدان الجارة لنا نحو 370 مليون نسمة، وهذا العدد من الجيران والتّواصل [في ما بيننا كَدُوَل]، يعدّ فرصة كبيرة لازدهار اقتصاد أيّ بلد من تلك البلدان، هذا فضلاً عن السّوق الدّاخليّة عندنا. إنّها سوق يصل عدد [المستفيدين منها] إلى 75 مليون نسمة، وهذه سوق مهمّة بالنّسبة إلى أيّ اقتصاد.

ومن الإمكانات الأخرى المتوفّرة في إيران البُنى الصّلبة والمَلساء (النّاعمة).. البنى التّحتيّة النّاعمة من قبيل سياسات «المادّة 44»، و«ميثاق الأفق العشرينيّ»، والأعمال الّتي تمّت خلال هذه الأعوام، وهناك أيضاً بنى تحتيّة [صلبة] متنوّعة نظير الطّرق والسّدود والجسور والمعامل. تمثّل هذه كلّها أرضيّة مناسبة جدّاً للتقدّم الاقتصاديّ في البلاد. هذه هي إمكانات البلاد.

حسناً، قد يقول قائل: لو لم يكن هناك حَظرٌ لكان بوسعنا الاستفادة من هذه الإمكانات، ولكنْ، حيث إنّه يوجد حظر فلن نستطيع الانتفاع من هذه الإمكانات. هذا خطأ.. هذا الكلام غير صحيح. فقد توصّلنا في الكثير من المجالات الأخرى إلى محطّات مميّزة جدّاً وراقية، رغم وجود الحَظر. من الأمثلة على ذلك إنتاج العلم، ومن الأمثلة أيضاً الصّناعة والتّقنيّة. لقد فرضوا علينا الحظر في هذه المجالات ولا زالوا يفرضون الحظر. بخصوص العلوم المتطوّرة والعصريّة لا تزال أبواب المراكز العلميّة العصريّة المهمّة في العالم مغلقة بوجه العلماء والطّلبة الجامعيّين الإيرانيّين، ومع ذلك تقدّمنا في مجال [تقنيّة] «النّانو»، وفي المجال النّوويّ، وفي الخلايا الجذعيّة، وفي الصّناعات الدّفاعيّة، وفي صناعة الطّائرات من دون طيّار، والصّواريخ، تقدّمنا في كلّ ذلك على الرّغم من أنف العدوّ، فلماذا لا نستطيع التّقدّم في الاقتصاد، ما دمنا قد حقّقنا كلّ هذه النّجاحات في الميادين والمجالات المختلفة؟! إذاً، لو عقدنا العزيمة وتعاضدنا من أجل التّقدّم في الاقتصاد سنستطيع الوصول إلى الازدهار. يجب أن لا نسمّر أعيننا على العدوّ وما يجود به، ومتى سيرفع عنّا هذا الحظر، ومتى سيوافق على المسألة الفلانيّة.. ليذهب إلى الجحيم..! ينبغي أن ننظر ونرى ما الّذي نستطيع نحن فعله.

ولِأَطرح الآن السّؤال الثّالث وأجيب عنه. كان السّؤال الثّالث هو: ما هي اللّوازم والأعمال المطلوب إنجازها من أجل تحقيق هذه العمليّة الكبرى، أي الاقتصاد المقاوم؟

أقولها باختصار:

أوّلاً: يجب على المسؤولين دعم الإنتاج الوطنيّ. الإنتاج الوطنيّ أساس الازدهار الاقتصاديّ وحلقته الأساسيّة. على المسؤولين دعم الإنتاج الوطنيّ. كيف؟

إذا كانت هناك في موطنٍ من المواطن حاجة إلى قانون معيَّن فيجب أن يدعموا قانونيّاً، وإذا كانت هناك حاجة إلى دعم قضائيّ فيجب أن يقوموا بهذا الدّعم، وإذا كانت هناك في مَوطنٍ ما حاجة إلى دعمٍ تنفيذيّ يجب أن يشجّعوا ويعملوا اللّازم. يجب القيام بهذه الأمور. يجب أن يزدهر الإنتاج الوطنيّ.

ثانياً: يجب على أصحاب الرّساميل والطّاقات العمليّة، وهم المنتجون، أن يهتمّوا بالإنتاج الوطنيّ. بأيّ معنى؟ بمعنى زيادة الاستفادة. الاستفادة [هنا] معناها الانتفاع الأمثل من الإمكانات الموجودة وإلى أقصى حدّ. العامل حينما يعمل يجب أن يعمل بدقّة: «رَحِمَ اللهُ امْرءاً عَمِلَ عَمَلاً فَأَتْقَنَهُ». هذا هو معنى الاستفادة. وهذا الحديث مرويّ عن الرّسول الأكرم صلّى الله عليه وآله. فالّذي يستثمر يجب أن يكون استثماره نافعاً بأعلى حدّ ممكن، بمعنى أن يقلّل تكاليف الإنتاج، فبعض حالات سوء التّدبير والسّياسات الخاطئة من شأنها رفع تكاليف الإنتاج، وبالتّالي تقليل فوائد الاستثمار والعمل.

ثالثاً: ينبغي على أصحاب الرّساميل والأرصدة أن يرجّحوا الأنشطة الإنتاجيّة على غيرها من الأنشطة. لقد شاهدنا أصحاب الرّساميل - الرّساميل الكبيرة أو الصّغيرة - والّذين كان باستطاعتهم أن يوظّفوها في مجالات معيّنة فيكسبوا من خلالها الكثير من الأرباح، لم يفعلوا ذلك، بل وظّفوها في مجال الإنتاج، وقالوا نريد تقوية إنتاج البلاد؛ فهذه حسنة وصَدَقة ومن أفضل الأعمال. أصحاب الرّساميل - سواء كانت هذه الرّساميل قليلة أو ضخمة - فليوظِّفوها في خدمة إنتاج البلاد أكثر.

النّقطة الأخرى هي أن يروّج النّاس للإنتاج الوطنيّ وعلى كلّ المستويات؛ ما معنى هذا؟ معناه القضيّة الّتي ذكرتها - بكلّ إصرار - قبل سنتين أو ثلاث سنوات في هذا المكان، ولِحُسن الحظّ عمل بها بعض النّاس، ولكن ينبغي أن يعمل الجميع، وهي «استهلاك المنتجات الدّاخليّة». أعزّائي.. حينما تشترون بضاعة داخليّة بدل البضاعة الخارجيّة فإنكم توفّرون بنفس المقدار فرص عمل، وتدفعون العامل الإيرانيّ لعرض إبداعاته في السّوق. حينما يجري استهلاك البضاعة الدّاخليّة فإنّ منتج تلك البضاعة وصانعها - وله إبداعاته وابتكاراته - سوف يضاعف يوماً بعد يوم من ابتكاراته. حينما تستهلكون البضاعة الدّاخليّة تزيدون من الثّروة الوطنيّة.

في الماضي، أي في عهد الطّاغوت، كان من التّقليديّ والدّارج ترجيح استهلاك البضاعة الأجنبيّة. حينما كانوا يريدون شراء بضاعة يسألون هل هي داخليّة أم خارجيّة؟ فإذا كانت خارجيّة يرغبون فيها أكثر. يجب أن يتغيّر هذا ويكون العكس هو الدّارج. لا نقول إنّ  شراء البضاعة الخارجيّة حرام، لكنّنا نقول إنّ ابتياع البضاعات الدّاخليّة ضرورة لجعل الاقتصاد مقاوماً، وعمليّة تترك تأثيراتها في كلّ شيءٍ في البلاد. يجب التّنبّه لهذه النّقطة. وهذا من مسؤوليّة الشّعب كلّه.

طبعاً هنا أيضاً، ومثل كلّ المواطنين، يتحمّل المسؤولون ومدراء البلاد مسؤوليّات أكبر من الآخرين. الكثير من حالات الإسراف والتّبذير في سلوك النّاس سببها نظرهم لسلوك الّذين يعتبرونهم «الأكابر». إذا لم يكن هناك إسرافٌ على المستويات العليا فسوف يقلّ الإسراف بين النّاس. إذاً، ترجيح الإنتاج الدّاخليّ من الممارسات المهمّة.

لألخّص هذا الجانب من كلمتي، وأقول: الاقتصاد المقاوم معناه جعل أركان الاقتصاد مقاومة، وهذا من واجباتنا العامّة اليوم، وبوسع الجميع أن يمارسوا دورهم فيه، سواء المسؤولون ومسؤولو السّلطات الثّلاث، أو كلّ أبناء الشّعب، أو أصحاب المهارات، أو أصحاب الرّساميل والأرصدة، أو أصحاب الرّأي والخبرة. طبعاً كان هذا الّذي قلناه خلاصة لما يجب قوله، ويقع على عاتق المختصّين والخبراء عرض التّفاصيل.

 

الثّقافة،

أو الهواءُ الذي نتنفّسه

 

الجانب الثّاني من كلامي هو حول الثّقافة. وأقول بكلمة واحدة: أعزّائي.. الثّقافة أهمّ حتّى من الاقتصاد. لماذا؟ لأنّ الثّقافة تعني الهواء الّذي نتنفّسه. إنّكم مضطرّون لتنفّس الهواء شئتم ذلك أم أبيتُم. فإذا كان هذا الهواء نقيّاً كانت له آثار معيّنة في أجسامكم، وإذا كان هواء ملوّثاً كانت له آثار وتبعات أخرى. ثقافة البلد كالهواء، إذا كانت ثقافةً صحيحةً سليمةً، كانت لها آثار.

كنّا الآن نتحدّث عن الإنتاج الدّاخليّ، وإذا أردنا تحقّق ظاهرة استهلاك المنتجات الدّاخليّة، بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، فيجب تكريس ثقافة استهلاك المنتجات الدّاخليّة في أذهان النّاس، وإذا أردنا للنّاس أن لا يُسرفوا، فيجب أن تكون هذه هي قناعة النّاس، وهذا معناه الثّقافة.

الثّقافة معناها قناعات النّاس ومعتقداتهم وإيمانهم وعاداتهم، والشّيء الّذي يتعاملون معه في حياتهم اليوميّة، ويُلهمهم في تحرّكاتهم وأعمالهم، هذه هي الثّقافة؛ إذاً هي على جانبٍ كبيرٍ من الأهميّة.

على الصّعيد الاجتماعيّ مثلاً تعدّ النّزعةُ القانونيّة وأن يحترم النّاس القانون ثقافةً. والتّعاون الاجتماعيّ ثقافة. وتشكيل العائلة والزّواج يعدّ ثقافة. وتعدّد الأولاد ثقافة. إذا كانت توجّهات النّاس ورؤيتهم في هذه الأمور توجّهات صحيحة، فستكون حياة المجتمع على نحوٍ سليم، وإذا كانت توجّهاتهم خاطئة لا سمح الله فستكون الحياة على شكلٍ آخر، وسنُبتلى، لا سمح الله، بنفس البلاء الّذي نزل حاليّاً بالبلدان الّتي هُدِمَ فيها صرح العائلة، وأُطلق العنان للشّهوات - ﴿...وَاتَّبعوُا الشَّهَواتِ فَسَوفَ يلقَونَ غَيّا سورة مريم:59. إذاً، تركيز الأعداء منصبّ على الثّقافة أكثر من باقي المَواطن. لماذا؟ للدّور والتّأثير الحاسم الّذي تتميّز به الثّقافة. والهدف الّذي يستهدفه الأعداء في تحرّكاتهم على المستوى الثّقافيّ هو إيمان النّاس ومعتقدات الشّعب. على المسؤولين الثّقافيّين أن يراقبوا ويرصدوا الثّغراتِ الثّقافيّة. الثّغراتُ الثّقافيّة خطيرة جدّاً. يجب أن يكونوا حسّاسين ويقظين. لا نريد القول إنّ كلّ الآفات الثّقافيّة هي من فعل الأجانب، لا، فنحن أيضاً مقصّرون.. المسؤولون على اختلافهم.. المسؤولون الثّقافيّون، والمسؤولون غير الثّقافيّين، وقلّة العمل، والأخطاء، هذه كلّها مؤثّرة، ولا نُلقي الذّنب كلّه على الأعداء، لكنّ تواجدَ العدوّ على المستوى الثّقافيّ ممّا لا نستطيع نسيانه. اليوم، ومنذ الأيّام الأولى للثّورة صبّت الأجهزة الإعلاميّة للعدوّ كلّ قدراتها وطاقاتها على زعزعة اعتقاد النّاس بأركان هذه الثّورة ومرتكزاتها. هذا عمل ثقافيّ؟ استهداف إيمان النّاس ومهاجمة معتقداتهم وقناعاتهم القلبيّة.. هذا ممّا لا يُمكن للمرء تجاهله. 

بمقدار ما نستهلك سِلَعاً محليّة الصّنع، بدلاً

من الأجنبيّة، نوفّر فُرَص عمل،

ونساهم في تخفيض نسبة البطالة.

يجب التّرويج لثقافة استهلاك المنتجات المحلّيّة.

 

التّخريب الثّقافي هو بثُّ الشّكّ في نفوس النّاس

هنا قد يُطرح سؤال: حين تقولون إنّ على مسؤولي البلاد أن يكونوا حسّاسين، فبأيّ مقدار يجب أن يكونوا حسّاسين؟ ألا يتنافى هذا مع الحرّيّة، وهي من شعارات الثّورة، ومن أركان الجمهوريّة الإسلاميّة؟ الجواب هو: لا، إنّه لا يتنافى مع الحرّيّة أبداً، فالحرّيّة غير التّحلّل، والحرّيّة غير التّخلّي عن كلّ الضّوابط؛ الحرّيّة - وهي نعمة إلهيّة كبرى - لها ضوابطُها، ولا معنى للحرّيّة من دون ضوابط. إذا كان البعض في داخل البلاد يعملون على استئصال إيمان الشّباب فلا يُمكن التّفرّج عليهم تحت طائلة الحريّة. كما أنّه إذا أراد شخص توزيع الهيرويين وسائر الموادّ المسمّمة لجسم الإنسان والّتي تجلب التّعاسة للعوائل، فلا يمكن القعود وعدم الاكتراث. إذا رأينا البعض يستخدمون الفنّ والبيان، ومختلف الأدوات، ويستخدمون المال لقطع طريق النّاس والهجوم على إيمانهم وخلق الثّغرات في ثقافة النّاس الإسلاميّة والثّوريّة، فهل نقعد ونتفرّج ونقول إنّها حرّيّة؟ مثل هذه الحرّيّة غير موجودة في أيّ مكان من العالم، في أيِّ مكان!

البلدان الّتي تدّعي الحريّة، متشدّدة جدّاً بشأن الخطوط الحُمْر الّتي ترسمُها. لاحظوا أنّ أحداً في البلدان الأوربيّة لا يجرؤ على التّحدّث عن «الهولوكوست» الّتي ليس من المعلوم هل هي صحيحة أصلاً أم لا، وإذا كانت صحيحة فبأيّ شكلٍ كانت. التّصريح حول الهولوكوست والتّشكيك فيها يعدّ من أكبر الذّنوب، وهم يحولون دونه ويمنعونه، ويلقون القبض على مَن يفعله ويسجنونه ويلاحقونه قضائيّاً، ومع ذلك يدّعون الحرّيّة.

ما يُعدّ بالنّسبة إليهم خطّاً أحمر يقفون دون تخطّيه بأسنانهم ومخالبهم وبكلّ قوّة وعصبيّة. فكيف يتوقّعون منّا تجاهل الخطوط الحُمْر العقائديّة والثّوريّة لبلادنا وشبابنا؟

إذا استهدف شخصٌ روحَ الاستقلال الوطنيّ - يوجد الآن أشخاص إذا جرى الكلام عن الاستقلال يستهزئون بالاستقلال ويقولون إنّ هذا تخلّف، وما عسى أن يكون الاستقلال؟ - وأراد التّنظير للتّبعيّة، وسخر من الاستقلال، وزعزع قلوبَ الشّباب حيال الحياة المستقلّة، فلا يمكن عدم فعل شيء تجاهه، بل ينبغي أن يكون هناك ردّ فعل. شخص قد يُوجّه الإهانات لضروريّات المجتمع الأخلاقيّة والدّينيّة، أو يستهزئ باللّغة الفارسيّة، ويُهين الأخلاق الإيرانيّة، وهذه أمور موجودة، وتوجد، في الوقت الحاليّ. البعض يحاول أن يحطّ من قدر روح العزّة الوطنيّة لدى الشّباب الإيرانيّين، ويكرّر دوماً نسبة الأخلاق والطّباع السّلبيّة لهذا وذاك، فيقول: تعلّموا من الأوروبيّين، تعلّموا من الغربيّين، إنّهم يتحمّلون بعضهم، ونحن لا نتحمّل بعضنا! هل هذا هو واقع القضيّة؟ في أحد شوارع عاصمة أوروبيّة - ولا يعود هذا لما قبل عشرين أو خمسين عاماً - مرّت امرأة محجّبة، فتعرّضت لهجوم عددٍ من الشّباب، وضربوها أمام أنظار النّاس وجرحوها وكادوا يقتلونها، ولا يتجرّأ أحدٌ أن يسأل: لماذا!

وأقدمت مجموعة على إشعال النّار بشخص لأنّه ليس من أهل تلك البلاد! هذا شيء وقع في الآونة الأخيرة، فهل هذا تحمّلٌ للطّرف المعارض؟ قبل أشهر من الآن قام شبّان أشقياء في إحدى مدن بلد أوروبيّ بضرب شخص إيرانيّ ضرباً مبرِّحاً وإراقة الوقود عليه وإشعاله بالنّار، والجيران يقفون يتفرّجون هكذا دون أن يبدوا أيّ ردّ فعل! هل هذا تحمّلٌ للمعارضين؟

هل نقف مكتوفي الأيدي أمام الّذين يستغلّون

الفنّ للنّيل من إيمان النّاس، وإيجاد الثّغرات في

ثقافتهم الإسلاميّة والثّوريّة؟

 

الّذين يوجّهون الإهانات لشعب إيران والوطنيّة الإيرانيّة والأخلاق والطّباع الإيرانيّة، والّذين يزعزعون الرّكائز الإسلاميّة في الأذهان، والّذين يهاجمون الشّعارات الرّئيسيّة للثّورة، والّذين يقلّلون من قيمة المؤسّسة العائليّة ويعتبرون الزّواج بلا معنى - وهذه أمور موجودة اليوم في مجتمعنا، وهناك من يفعل هذا - والّذين يعتبرون طلب اللّذّة شيئاً محبّذاً وقيمة، ويروّجون لأصالة اللّذّة، وهي هديّة الثّقافة الغربيّة، ويدافعون عن كلّ ما يحقّق اللّذّة للإنسان، وهناك بالتّالي شخص تتحقّق له اللّذّة بالإدمان، وآخر بالشّهوات الجنسيّة، وآخر بالانهيال بالضّرب على هذا وذاك.. يعتبرون كلّ ما يحقّق اللّذّة أمراً مباحاً.. لا يمكننا القعود غير مبالين إزاء الّذين يروّجون لهذه الأشياء. البعض يروّجون للإباحيّة، وعلى الأجهزة المختصّة أن تشعر بالمسؤوليّة تجاه ذلك. في عمليّة التّخريب الثّقافيّ، ما يفعله المخرّبون الثّقافيّون هو بثّ التّشكيك والتّردّد بين النّاس بدلاً من إشاعة العزيمة الوطنيّة الرّاسخة. إذا لم تكن لدى الشّعبِ عزيمةٌ راسخةٌ، فلن يستطيع الوصول إلى أيّ مكان. يحاولون زعزعة العزيمة الرّاسخة في الشّعب في ما يتعلّق بالقضايا المهمّة ذات الصّلة بمصير البلاد. ينشرون الشّعور بالدّونيّة والحقارة بدل الشّعور بالعزّة والثّقة بالذّات الوطنيّة، ويبثّون الشّبهات وانعدام العقيدة بدل الإيمان الرّاسخ، وبدل ترويج قِيَم العمل والسّعي والهمّة العالية يروّجون لطلب اللّذّة والشّهوات وما إلى ذلك. هذه أشياء وأمور تحصل، وعلى الأجهزة الثّقافيّة الرّسميّة في البلاد أن تنهض بواجباتها مقابل ذلك. طبعاً بعض الواجبات واجباتٌ إيجابيّة [وقائيّة] وبعضها واجباتٌ دفاعيّة، كِلا النّوعين من الأعمال والواجبات يجب أن يتمّ، سواء الواجبات الإيجابيّة أو الواجبات الدّفاعيّة. الأجهزة الإعلاميّة في بلادنا - سواء منها المرتبطة بالحكومة مباشرة أو غير المرتبطة بالحكومة مباشرة - يجب أن لا تهاب الضّجيج واللّغو الّذي تثيره وسائل الإعلام الأجنبيّة أو وسائل الإعلام الّتي تتحدّث بالنّيابة عن الأجانب، ولا تنظّم تصرّفاتها وفقاً لها، هذا ما يتعلّق بالأجهزة الثّقافيّة الرّسميّة.

لا أحد في البلدان الأوروبّيّة يجرؤ على إنكار

«الهولوكوست»، الّتي ليس معروفاً هل هي

صحيحة أم لا.

 

دورُ الشّباب في عمليّة الصّيانة الثّقافيّة

لكن النّقطة الأهمّ في كلامي هي خطاب للشّباب الّذين يمارسون نشاطات ثقافيّة تلقائيّة في كلّ أنحاء البلاد، وهي والحمد لله نشاطات واسعة جدّاً. أريد أن أقول لهؤلاء الشّباب سواء كانوا في طهران أو في مختلف المدن وفي مختلف المحافظات وفي مشهد نفسها وفي الكثير من المدن الأخرى، ويمارسون أعمالاً ثقافيّة بإرادتهم وبحوافزهم - وقد أنجزوا أعمالاً وإنجازات جيدة جدّاً ونحن على علم ببعضها والحمد لله - أقول لهم وأطلب منهم أن يتابعوا العمل بكلّ جدّيّة. ليعلموا أنّ تنمية هذه الأعمال الثّقافيّة بين الشّباب المؤمن المُتديّن الثّوريّ له دور كبير جدّاً في تقدّم البلاد وفي صمودنا بوجه أعداء هذا الشّعب. أضف إلى ذلك المرجعيّات الثّقافيّة. ما معنى المرجعيّات الثّقافيّة؟ إنّهم علماء الدّين والأساتذة والمثقّفون الثّوريّون والفنانّون الملتزمون، هؤلاء عليهم أن يتابعوا ويواصلوا نظراتهم النّقديّة لأوضاع البلاد الثّقافيّة، وينبّهوا للأخطاء. أنا طبعاً أعتقد في ما يتعلّق بالتّنبيه للأخطاء أنّه يجب عرض الآراء الصّحيحة بمنطق متين وبيان واضح. إنّني لا أوافق على توجيه الاتّهامات وإثارة الضّجيج، ولا أوافق على التّكفير ورشق هذا وذاك بالاتّهامات. ما أعتقده هو أنّ المنظومة الثّوريّة في البلاد - وهي تضمّ والحمد لله الكثير من الشّباب الإيرانيّ وأصحاب الرّأي والاختصاص والأساتذة والشّخصيّات البارزة والخرّيجين في إيران - باستطاعها النّزول إلى السّاحة وممارسة النّقد بمنطقٍ رصين، وعرض نقاط الضّعف والنّقاط السّلبيّة على المسؤولين. أحياناً لا يفطن المسؤول إلى ما يحدث في المجتمع، لكنّ ذلك الشّاب لصيق بالمجتمع ويدرك ما يحدث. تلك العزيمة الوطنيّة والإدارة الجهاديّة الّتي تحدّثنا عنهما تتجلّى بهذه الصّورة على الصّعيد الثّقافيّ.

مخطّطات أميركا في المنطقة قد أَخفقَتْ

في ختام كلمتي ألفتُ انتباهكم إلى نقطة: يا شعب إيران، اِعلموا أنّ واقع المجتمع العالميّ لا يسير طِبْقاً لإرادات أميركا ونواياها؛ ما أراد الاستكبارُ العالميّ وأعداء الشّعب الإيرانيّ المتعنّتون تحقيقَه، لم يتحقّق في السّاحة العالميّة، وسوف لن يتحقّق إن شاء الله. لقد فشلت أميركا في فلسطين، فالخطّة الّتي رسموها لفلسطين وبذلوا الكثير من المساعي لتطبيقها، لم تتحقّق وسوف لن تتحقّق إن شاء الله. لقد أرادوا تحويلَ فلسطين إلى بلد يهوديّ، بمعنى أن لا يستطيع الفلسطينيّون - سواء كانوا من المسلمين أو المسيحيّين - العيشَ في فلسطين، أي إنّهم أرادوا القضاء على فلسطين تماماً. لقد تابعوا هذا الهدف وبذلوا الكثير من الجهود والمساعي طوال هذه الأعوام، لكنّهم لم يستطيعوا.

لقد فشلت أميركا في فلسطين، فالخطّة الّتي

رسموها لفلسطين وبذلوا الكثير من المساعي

لتطبيقها، لم تتحقّق وسوف لن تتحقّق إن شاء الله.

 لم تصل أميركا لغاياتها في فلسطين، ولم تصل لغاياتها في سورية. وكذلك في العراق، وكذلك في أفغانستان وفي باكستان، لم تتحقّق مقاصدها. وفي الآونة الأخيرة تلاحظون وتسمعون أنّ مخطّطات أميركا أَخفقَتْ. ويجب أن نعلم أنّهم فشلوا في بلدنا العزيز أيضاً بعد ثلاثين عاماً من المساعي ضدّ هذه الثّورة وضدّ الشّعب الثّوريّ، والمؤشّر على ذلك هو تواجدُ الجماهير ومشاركتُها في السّاحة. هذا ما قالته الشّخصيّات المؤثّرة في الحكومة الأميركيّة والنّظام الأميركيّ بصراحة. قالوا: لقد فرضنا الحَظر وضاعفناه لنُنزل الشّعب الإيرانيّ إلى الشّوارع ضدّ النّظام. لقد قالوها بصراحة: إنّ  الهدف من الحَظر هو استئصال الثّورة ووضع الشّعب مقابل النّظام الإسلاميّ. فماذا كانت النّتيجة؟ كانت النّتيجة ما قلناه: في سنة 1392 [السّنة الإيرانيّة الماضية] أُقيمت انتخابات بمشاركة شعبيّة عالية، وخرجت في الثّاني والعشرين من بهمن في تلك السّنة تظاهرات أكثر حماساً وضخامةً من تظاهرات الأعوام السّابقة، وهذه هي الفكرة الّتي كرّرتُها مراراً: ليَعلمْ شبابُنا الأعزّاء أنّ المستقبل لكم، وأنّ أعداءكم محكومٌ عليهم بالهزيمة بتوفيقٍ من الله تعالى، ونتمنّى أن يأخذَ اللهُ تعالى بأيديكم جميعاً إلى سُبل السّعادة، ويُرضي عنّا القلبَ المقدّس لإمامنا المهديّ المنتظَر عجّل الله تعالى فرجه الشّريف.

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اخبار مرتبطة

  دوريّات

دوريّات

25/04/2014

دوريّات

  إصدارات أجنبية

إصدارات أجنبية

نفحات