فكر ونظر

فكر ونظر

06/04/2016

الإمام عليّ عليه السلام كما عرَّفَه أهل بيت النبوّة عليهم السلام

 

الإمام عليّ عليه السلام كما عرَّفَه أهل بيت النبوّة عليهم السلام

ولايتُه كمال الدين وتمامُ النعمة

_____ المرجع الديني الشيخ جوادي آملي _____

تتناول هذه المقالة واحدة من أبرز القضايا العقائدية في الفكر الإسلامي منذ البعثة الشريفة وإلى الأزمنة المتعاقبة راهناً ومستقبلاً. عنينا بها المنزلة الرفيعة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في الوحي الإلهي كما في الدوحة النبوية المقدّسة. ولعلّ أهمية هذه المقاربة على وجه التعيين هي تركيزها على أفضل الطرق وأشرفها لمعرفة شخصية الإمام، وهي طريق العترة الطاهرة من أهل بيت النبوّة عليهم السلام.

نشير إلى أن هذا المقال مختصر من أحد فصول كتاب (الحياة العرفانية للإمام عليّ عليه السلام) للشيخ جوادي آملي.

 

تتحقّق أفضل معرفة لشخص ما أو شيء محدّد عبر تعريفه بأفضل معرِّف. وليس هناك أفضل من القرآن ومن المعصومين عليهم السلام للتعريف بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. وما نحن بصدده ههنا هو تعريف الرسول الأكرم والمعصومين صلوات الله عليهم أجمعين؛ باعتبار أنّهم قد عرفوا أمير المؤمنين عليه السلام، مثلما أنّه عليه السلام قد عرف هذه الذوات النورانية.

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «يَا عَلِيُّ مَا عَرَفَ اللهَ إِلّا أَنَا وَأَنْتَ، وَمَا عَرَفَنِي إِلّا اللهُ وَأَنْتَ، وَمَا عَرَفَكَ إِلّا اللهُ وَأَنَا». (المجلسي الأول، روضة المتّقين: 5/492)

تعريف الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله

أقوال الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله، حول جامعيّة أمير المؤمنين عليه السلام، هي كالتالي:

* «مَن أرادَ أن ينظرَ إلى آدمَ في علمِه، وإلى نوحٍ في فَهمِه، وإلى إبراهيمَ في حِلمه، وإلى يَحيى بنِ زكريّا في زُهدِه، وإلى موسى في بَطشِه، فليَنظُر إلى عليّ بن أبي طالب». (النيسابوري، روضة الواعظين: ص 128) وقد ورد مضمون هذه الرواية في جملة من الأخبار تضمّنت أسماء بعض الأنبياء أُولي العزم.

* وقال صلّى الله عليه وآله: «عَلِيٌّ مِنِّي بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَبِّي». (الطبري، ذخائر العقبى: ص64)

* وقال صلّى الله عليه وآله حول كون عليّ عليه السلام من نفسه: «ذَاكَ نَفْسِي» (الشيخ المفيد، الاختصاص: ص 223)، ممّا يعطي معنًى دقيقاً لمنزلة أمير المؤمنين عليه السلام. كما سيتّضح تناظُر عليٍّ عليه السلام مع الكعبة (انظر: العمدة لابن البطريق: ص 285)، ومع سفينة نوح (انظر: خصال الصدوق: ص 573، ح 1)، وهو ناظرٌ إلى الدرجات النازلة والمتوسّطة لعليٍّ عليه السلام، لا إلى درجته الرفيعة.

وممّا يعبّر أيضاً عن المقام العلويّ الأسمى وصفُه عليه السلام بأنه: «عَمودُ الدّين» (مناقب ابن شهراشوب: 3/76)، و«قَسِيمُ الجنّة والنّار» (الخصال: ص 496، ح 5)، إلى جانب وصفه عليه السلام بأنّه «بابُ مدينةِ العلم»، و«بابُ مدينة الحِكمة»، كما أطلق عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله تسمية «الجنّة»، حيث قال: «أنا مدينةُ الحِكمة - وهي الجنّة - وأنتَ يا عليّ بابُها، فكيفَ يَهتدي المُهتدي إلى الجنّة، ولا يُهتَدى إليها إلّا من بابِها؟». (أمالي الصدوق: ص 472)

وبما أنّ عليّاً عليه السلام، هو باب مدينة الحكمة، والحكمة هي الجنّة، لذا، فإنّه عليه السلام يكون في الجنّة. رُوي عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله قوله: «عليٌّ في الجنّة»، أي إنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام حاليّاً هو في الجنّة، لا أنّه لا يَرِدُ الجنّة إلّا يوم القيامة.

إنّ ما أوردناه عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، حول أمير المؤمنين عليه السلام، قليلٌ من كثير وجمٌّ من غفيرٍ من الأخبار المأثورة عنه صلّى الله عليه وآله، ويُمكن للمتتبّع الماهر أن يحيط بها بحيث يتيسّر له أن يعمل بمقتضاها.

وصف عليّ عليه السلام نقلاً عن لسانه

ما ننقله من أقوال أمير المؤمنين عليه السلام عن نفسه، فإنّه إمّا يحكي بجميعه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عن اتّحاده عليه السلام مع القرآن الكريم ومع الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله - بعد استثناء مقام النبوّة التشريعي ومزايا الشريعة المنبثقة عن الرسالة التشريعية - من قبيل: «أنا القرآنُ الناطق» (ينابيع المودة للقندوزي: 1/214)، و«ما لله نَبَأٌ أعظم مِنِّي» (تفسير فرات الكوفي: ص 534)، و«ما لله آيةٌ أكبر مِنِّي» (مناقب ابن شهراشوب: 2/294)، أي أنّ أكبر خبر ذُكر في عالم الكون الإلهيّ وأكبر آية وعلامة إلهيّة هي عليّ عليه السلام. لكن سوف يتّضح، إثر قرينة خضوع عليّ عليه السلام في ساحة القدس النبويّ، كون حصر هذا النحو من الأحاديث أمراً إضافياً. ".."

كلام آخر نقله أمير المؤمنين عليه السلام، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، قال: «يَا عَلِيّ، مَثَلُكَ فِي أُمّتِي مَثَلُ (قل هو الله أحد)، فمَن أحبَّك بقلبه فكأنّما قرأَ ثُلُثَ القرآن، ومَن أحبّكَ بقَلبِه وأعانَك بلسانِه فكأنّما قرأَ ثُلثَي القرآن، ومَن أحبّكَ بقلبِه وأعانَك بلسانِه ونصرَك بيدِه فكأنّما قرأَ القرآنَ كلّه». (خصال الصدوق: ص 580)

تقدّم أنّ أفضل تناظر وتقييم للإنسان الكامل إنّما هو تماهيه مع القرآن الكريم. وما ورد في هذا الحديث النبوي المرويّ من طريق عليٍّ عليه السلام نفسه، هو أنّ ولاية عليّ عليه السلام هي عِدلُ الوحي الإلهي. إنّ سورة (التوحيد) هي بمنزلة ثُلث القرآن الكريم، وقد وردت الإشارة إلى هذا السرّ في المباحث التفسيرية والعلوم القرآنية. كلّ مَن تلا هذه السورة مرّة واحدة، فكأنّه قد تلا ثُلُث القرآن الكريم، وكلّ مَن تلاها مرّتين أو ثلاث مرّات فكأنّما تلا ثلثَي القرآن المجيد أو كلّه. ".." إنّ مَن يذوب بتمام وجوده في الآية العلويّة، ومَن يبادر بالدفاع عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بقلبه ولسانه وتمام جوارحه، ويكون ولائيّاً من جميع الجهات، فكأنّما هو في خدمة جميع ما في القرآن الكريم، ويكون مؤمناً بجميع مضامينه، وممتثلاً لتمام أوامره ونواهيه. أمّا مَن لا يتحرّك بتمام وجوده حول محور الولاية بحيث يعمل بالتبعيض في هذا المجال، فإنّه يجيز العمل بالتبعيض في مجال الأحكام، والإحاطة بالحكم، والاعتقاد بأصول ومباني القرآن المجيد، بحيث يقبل ببعض هذه الأحكام، ويُحرَم من اتّباع البعض الآخر. ".."

كما يُلحظ أنّ الولاية خلافة إلهيّة تامّة، أي أنّ الإنسان الكامل سوف يكون دوماً شرطاً للورود في حصن التوحيد وسُوْر الاعتقاد المستحكَم بألوهيّة الله سبحانه؛ مثلما يستظهَر من الحديث المعروف بـ«سلسلة الذهب». وعلى هذا الأساس، وقع كلامٌ حول تنظير ولاية الإنسان الكامل من آية سورة (التوحيد) أي سورة الإخلاص، لا من آيات السور الأخرى، رغم أنّ القرآن المجيد كلّه وحي ونور إلهي خاصّ.

عليّ عليه السلام من منظور الصدّيقة الكبرى وسائر أهل البيت عليهم السلام

 وردت أخبار كثيرة عن الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، حول عليٍّ عليه السلام. هناك عبارة وردت عن سيّدة نساء العالمين صلوات الله عليها حول الشهود العلمي العَلوي مفادها أنّه وإنْ كان الوحي التشريعي من مختصّات الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله لا يشاركه فيه أحد، إلّا أنّه يمكن تصوّر الوحي الإنبائي والتسديدي والتعريفي و... بالنسبة إلى الإنسان الكامل المعصوم. كما إنّه لا إشكال في نزول الملَك الأمين على القلب العلَويّ المطهَّر.

* لقد وصفت السيّدة الزهراء أمير المؤمنين عليه السلام كالتالي: «فإنّه قَواعدُ الرسالة، ورَواسِي النّبوّة، ومَهْبِطُ الروح الأمين، والبطينُ بأمرِ الدّين في الدنيا والآخرة..». (أمالي الطوسي: ص 375)

* ويشبه هذا الكلام ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام، حيث قال: «كان عليٌّ عليه السلام يعملُ بكتابِ الله وسُنّة رسولِه، فإذا وردَ عليه الشيءُ الحادثُ الذي ليس في الكتاب ولا في السُّنّة ألهمَه اللهُ الحقّ فيه إلهاماً، وذلك واللهِ من المُعضلات». (بصائر الدرجات للصفّار: ص 254)

إنّ جميع التعابير المذكورة تتضمّن لون العلم الحضوري والاطّلاع الشهودي لعليٍّ عليه السلام، ممّا يستلزم أنّ حياة عليٍّ عليه السلام، هي حياة عرفانيّة وشهوديّة، لا أنّها حياة حكميّة أو كلاميّة.

* بعد ذكره ثلّة من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، أشار الإمام الصادق عليه السلام، إلى أنّ الشخص الذي يكون معروفاً لدى عليٍّ عليه السلام، يكون من أهل الجنّة، ومَن يكون مجهولاً لدى الساحة العلوية يكون من أهل النار. وجواباً لسائلٍ حول ما إذا كان هناك سند قرآنيّ لذلك، قال عليه السلام: «... يقولُ تَباركَ وتَعالى: ﴿.. فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..﴾، هو - واللهِ - عليُّ بنُ أبي طالب». (تفسير العياشي: 2/108)

ومن الواضح أنّ مصداق الآية: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..﴾ التوبة:105، إنّما هو مَن يكون مطّلعاً على أفعال العباد، ومَن يكون له سعة العلم الشهوديّ الذي ينشأ من التعليم الإلهيّ، كما يكون شهوده على أعمال الخَلق من هذا القبيل أيضاً.

كان الإمام الصادق عليه السلام، يعتبر أنّ «الولاية العلَويّة» أعلى وأفضل من «الولادة العلَويّة»، حيث قال في هذا الخصوص: «وِلايتي لعَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن وِلادَتي مِنْهُ، لِأَنَّ وِلايتي لعَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ فَرْضٌ، وَوِلادَتي مِنْهُ فَضْلٌ». (فضائل ابن شاذان: ص 103)

وضمن لحاظ هذه المعارف الشهوديّة العلويّة نفسها، والتي تضمنّها حديث أمير المؤمنين عليه السلام، حين قال: «..عُلِّمْتُ البَلايَا والقَضايا وفَصْلَ الخِطاب». (أمالي الطوسي: ص 206)

* وفي السياق نفسه، أشار الإمام الكاظم عليه السلام، إلى ولايته للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، واعتبرها متمّمة ومكمّلة، بل هي سببٌ لثواب الأعمال الصالحة والزاكية. ورد في (دعاء الاعتقاد) المرويّ عنه عليه السلام: «...اللّهمّ إنّي أُقِرُّ وأَشْهَدُ وَأَعْتَرِفُ ولا أجحَدُ، وأُسِّرُ وأُظْهِرُ وأُعْلِنُ وَأُبْطِنُ بأنّكَ أنتَ اللهُ لَا إِلَهَ إلاّ أنتَ وحدَك لَا شَريكَ لكَ، وأنّ مُحَمَّداً عبدُك ورسولُك، وأنّ عليّاً أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين.. وإمام المُتّقين.. إمامي ومحجّتي، ومَن لا أَثِقُ بالأعمال - وإنْ زَكَتْ وَلَا أراها مُنْجِيَةً لِي وإنْ صَلُحَتْ - إلاّ بِولايتِه، والائتمامِ به، والإقرارِ بفضائلِه، والقبولِ من حَمَلَتِها، والتسليمِ لرُواتِها..». (مهج الدعوات للسيد ابن طاوس)

* وما ورد عن الإمام الهادي عليه السلام، في وصف أمير المؤمنين عليه السلام، من أنّه: «قبلةُ العارفين» (مصباح الزائر للسيد ابن طاوس: ص 477)، وإن لم يكن له ظهورٌ في العلم الشهوديّ والمعرفة الحضوريّة، إلّا أنّها لا تخلو من اعتبار ذلك.

والغرض من ذلك هو أنّ التعبير الرائج لأهل العصمة والطهارة عليهم السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام، من أنّه «عَيْبَةُ عِلْمِ اللهِ» أي مستودع علم الله تعالى وعِلم رسول الله صلّى الله عليه وآله، هو شاهدٌ على العلم الشهودي لعليٍّ عليه السلام، فيما يخصّ المعارف الإلهيّة.

بالنتيجة، يكون إيمان أمير المؤمنين عليٍّ عليه السلام، بأصول الدين وفروعه هو من سِنخ الإيمان بالشهادة، لا من سِنخ الإيمان بالغَيب، وحياتُه عرفانيّة وشُهوديّة.

 

اخبار مرتبطة

  دوريات

دوريات

07/04/2016

دوريات

نفحات