مؤهّلات أطراف الحوار

مؤهّلات أطراف الحوار

22/02/2012

مؤهّلات أطراف الحوار

«..خاطِبنا بمثلِ خطابِه»
مؤهّلات أطراف الحوار

______الشيخ محمّد علي التسخيري*______

التساوي في الرغبة، والتكافؤ في حريّة الطرح، والتسلّح بالعلم والمعرفة، والتحلّي بسلوكيّة لائقة، من المؤهّلات الشخصيّة الواجب توافرها عند كلٍّ من المتحاورَين.
في ما يلي تعرض «شعائر» القسم الأخير من محاضرة للشيخ محمّد علي التسخيري بعنوان: «التنمية الثقافية في العالم الإسلامي، وتحدّيات المستقبل».

ينبغي توفُّر مجموعة من المؤهّلات في شخصيّة المُتحاوِرين على الصُّعُد الذاتيّة والموضوعيّة، تكفل لنجاح الحوار مدخله الأساسي. ومن أهمّ هذه المؤهّلات:

1- التساوي في الرغبة، والتكافؤ في حريّة الطرح، فلا يجوز أن يكون أحد أطراف الحوار مُقحَماً فيه، أو مجبَراً عليه، أو مضطراً إليه تحت ضغط أيِّ صِنفٍ من أصناف التهديد.
فمِثلُ هذا الحوار -مهما كانت نتائجه- ليست له قيمة علميّة أو دينيّة أو أخلاقيّة؛ لأنّه مجرّدٌ من أبسط أُسُسه وآدابه. كيف وأطرافُه غير متكافئة في القدرة والحريّة، فبعضُها يحاور من موقع القوّة، والآخر من موقع الضعف.
وعليه، لا يصحُّ الحديث عن حوارٍ بين الغازي والمتصدّي للغزو، سواءً كان غزواً عسكريّاً أم سياسيّاً أم ثقافيّاً. والحوار الثقافي والحضاري المنشود، هو ذلك الذي يدور في إطار الإحتكاك أو التبادل الثقافي. نعم، يجوز -أحياناً- أن يجري الحوار أثناء المعارك العسكريّة، فضلاً عن المعارك الفكريّة والسياسيّة، بهدف إلقاء الحجّة على الخصم، لكنّ ذلك مشروطٌ بضمان عنصر التَّكافؤ في حريّة إبداء الرأي، وإلّا يكون حواراً من طرف واحد.
وفي السيرة والتاريخ الإسلاميّين نماذجُ فذّة من مواقف الحوار أثناء الحرب، لإقناع الخصم ومحاجَجتِه في محاولةٍ لتجنُّب ويلات الحرب، ولِيُكفى المسلمون شرَّها.

2- التسلُّح بالعلم والمعرفة في موضوع الحوار، فهو أساسيٌّ لدخول الحوار وكسبه موضوعيّاً: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم في ما لكم به علم فلم تحاجّون في ما ليس لكم به علم..﴾ آل عمران:66. فالحوار الحقيقي ينبغي أن توضع له مقدِّمات موضوعيّة ويسير وفق أُسُس علميّة، ولا يتحقَّق هذا الجانب دون تخصُّص المتحاورين في موضوع الحوار وإحاطتهم الكافية بحقائقه. ويضرب الله تعالى مثلاً في مَن يحاور في أمر وجود الله ووحدانيّته وهو لا يفقه شيئاً في هذا المجال: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ الحج:8. وحتى لو كان الحقّ مع الطرف الضعيف علميّاً، فإنّ هذا الحقّ سيضيع بين ثنايا الجهل، وقد تترتَّب عليه آثار سلبيّة تؤدِّي إلى ظهور الباطل بمظهر المُنتصر، ممّا يتسبَّب في تزييف الحقيقة وانحراف وجهات نظر عامّة الناس.

3- التحلّي بسلوكيّة لائقة، فالغضب والتشنًّج والتهريج والحقد والرياء والإستكبار عن الحقّ، ستنزع عن الحوار كلّ قِيمة، وستُدخله في دائرة المنازعات والصراع. في المقابل، سترفع الصّفات المضادّة لتلك؛ كالهدوء والتروِّي وضبط النفس واللّين والمرونة، وعموماً التوازن في المشاعر، سترفع من مستوى الحوار إلى دائرة النجاح والتأثير، وتحقيق أفضل النتائج.
وأبرز مثال على ذلك، ما جرى بين بعض الزنادقة وبين المفضّل؛ أحد تلامذة الإمام جعفر الصادق عليه السلام، حيث تشنّج جوّ الحوار بينهما وغضب المفضّل عليه، فقال له الزنديق: «إنْ كنتَ من أصحاب جعفر بن محمّد الصادق فما هكذا يخاطبنا ولا بمثل دليلك يجادل فينا، ولقد سمع من كلامنا أكثر ممّا سمعت، فما أفحش في خطابنا ولا تعدّى في جوابنا، وإنّه الحليم الرّزين، العاقل الرّصين، لا يعتريه خرَق ولا طيش ولا نزَق، يسمع كلامنا ويُصغي إلينا ويتعرّف حجّتنا، حتى إذا استفرغنا ما عندنا وظننّا أنّا قطعناه وغلبناه، دَحَض حجّتنا بكلامٍ يسير وخطاب قصير، يُلزمنا به الحجّةَ ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردّاً، فإنْ كنتَ من أصحابه فخاطِبنا بمثلِ خطابه».

* رئيس «المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية»


اخبار مرتبطة

  قرن الإسلام، وعصرُ الشعوب

قرن الإسلام، وعصرُ الشعوب

  المُشايَعة والمتابَعة

المُشايَعة والمتابَعة

  دوريات

دوريات

22/02/2012

دوريات

نفحات