صاحب الأمر

صاحب الأمر

منذ أسبوع

الحاجة إلى الإمام، وحقيقة الغَيبة


من أجوبة الشيخ المفيد قدّس سرّه:
الحاجة إلى الإمام، وحقيقة الغَيبة
_______ إعداد: أسرة التحرير _______

(المسائلُ العَشر في الغَيبة) للشيخ المفيد رضوان الله عليه (ت: 413 للهجرة) يتضمّنُ دَفْعَاً لأهمّ الشُّبُهات التي كانت واردةً في أواخر عصره على موضوع «غَيبة الإمام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف»، وهو عبارةٌ عن أجوبةٍ على عشر مسائل -في هذا الباب- تقدّم بها بعضُ خواصّه رضوان الله عليه، كما يصرّح بذلك في مقدّمته.
ما يلي، ردٌّ محكَمٌ من الشيخ المفيد على اثنتَين من هذه الشُبَه، الأولى في زَعْمِ أنّ استتارَ الإمام عليه السلام يُبطِلُ الحاجة إليه، والثانية في أنّ القولَ بغَيبتِه نظيرُ قول الفِرَق الضّالّة -كالسّبائيّة- بغَيبة أئمّتِها.
 
 

".." فأمَّا قولُ الخصوم: أنَّه إذا استمرّت غيبةُ الإمام على الوجه الذي تعتقدُه الإماميّة -فلم يظهَر له شخصٌ، ولا تولَّى إقامةَ حدٍّ، ولا إنفاذَ حُكم، ولا دعوةً إلى حقّ، ولا جهادَ العدوّ- بَطَلت الحاجةُ إليه في حفظِ الشَّرع والمِلَّة، وكان وُجودُه في العالَم كَعَدمِه.
فإنّا نقولُ فيه: إنَّ الأمرَ بخلافِ ما ظنُّوه، وذلك أنَّ غَيْبَتَه لا تُخِلُّ بما صَدَقَت الحاجةُ إليه [فيه] من حِفْظِ الشَّرع والمِلَّة، واستيداعِها [استيداع المِلّة] له، وتكليفِه التَّعرُّف في كلِّ وقتٍ لأحوال الأُمّة، وتمسُّكِها بالدّيانة أو فراقِها لذلك إنْ فارَقَتْهُ، وهو الشَّيءُ الذي يَنفردُ به دون غيره [من] كافّة رعيَّته. [أي أنّ العَناوين السّالفة من مختصّات المعصوم عليه السلام، لا يقومُ بها أحدٌ من رعيّته، بخلاف الآتي من العناوين]
ألا ترى أنَّ الدَّعوة إليه إنَّما يتولَّاها شيعتُه، وتقومُ الحُجَّةُ بهم في ذلك، ولا يحتاجُ هو إلى تَولِّي ذلك بنفسِه، كما كانت دعوةُ الأنبياء عليهم السلام تُظهر نايباً عنهم (في) أَتباعِهم والمُقِرِّين بحقِّهم، وينقطعُ العذرُ بها ".." ولا يحتاجون [الأنبياء] إلى قَطْع المسافات لذلك بأنفسِهم، وقد قامت [أقامت] أيضاً نايباً عنهم (بأتباعهم) بعد وفاتهم، وتثبتُ الحُجَّة لهم في نبوّتِهم ".." في حياتِهم وبعد موتِهم.
وكذلك إقامةُ الحدود وتنفيذُ الأحكام، وقد يتولَّاها أمراءُ الأئمّة وعمَّالُهم دونَهم، كما كان يتولَّى ذلك أمراءُ الأنبياء عليهم السلام وَولاتُهم، ولا يَحوجونهم إلى تولِّي ذلك بأنفسِهم.
وكذلك القولُ في الجهاد، ألا ترى أنَّه يقوم به الوُلاة من قِبَلِ الأنبياء والأئمَّة دونَهم، ويستغنون [ويستَغني الأنبياءُ والأئمّة عليهم السلام] بذلك عن تولِّيه بأنفسِهم.
فَعُلم بما ذكرناه أنَّ الذي أَحْوَجَ إلى وجود الإمام، ومَنَع من عَدَمِه، [هو] ما اختُصَّ به [الإمام] من حفظِ الشَّرعِ الذي لا يجوزُ ائتمانُ غيرِه عليه، ومراعاةِ الخَلْقِ في أداءِ ما كُلِّفوه من أدائه (آدابه).
فمَن وُجِدَ منهم [من الأئمّة أو الأنبياء] قائماً بذلك [أي قائماً بما اختُصَّ به من حفظ الشّرع، ومراعاة الخَلق] فهو في سَعَةٍ من الاستتار والصُّموت، ومتى وَجَدَهم قد أطبقوا على تَرْكِه، وضلُّوا عن طريق الحقِّ في ما كُلِّفوه من نَقلِه، ظَهَر لتَوَلِّي ذلك بنفسِه، ولم يَسَعه إهمالُ القيام به.
فلذلك، ما وَجَب في حُجَّة العقل [هو] وجودُه [وجودُ المعصوم]، وفَسَدَ منها [من حجّة العقل] عدمُه المباينُ لوجودِه، أو موتُه المانعُ له من مراعاةِ الدِّين وحِفْظِه. وهذا بَيِّنٌ لمَن تَدَبَّره.
وشيءٌ آخر، وهو: أنّه إذا غابَ الإمامُ للخوفِ على نفسِه من القومِ الظّالمين، فضَاعتْ لذلك الحدودُ، وانهَمَلت به الأحكام، ووقعَ به في الأرض الفساد، فكان السَّببُ لذلك فِعْلُ الظّالمين دون الله عزَّ اسمُه، وكانوا المَأخوذين بذلك المطالَبين به دونَه [تعالى].
فلو أَماته اللهُ تعالى وأعدمَ ذاتَه، فوقعَ لذلك الفسادُ، وارتفعَ بذلك الصّلاح، كان سببَه فعلُ الله دون العباد، ولن يَجوز من الله تعالى سببُ الفساد [أي لا يجوز نسبة الفساد إليه تعالى]، ولا رَفْعُ ما يرفعُ الصَّلاح.
فوَضح بذلك الفرقُ بين [موت] الإمام، وغَيبتِه واسْتِتارِه ".." وسَقطَ ما اعترضَ المستضعفون [عقلاً] فيه من الشُّبهات، والمِنَّةُ لله تعالى.
القولُ بوجودِه عليه السلام، لا يتضمّنُ إنكارَ المحسوس

فأمّا قولُ المخالفين: إنّا قد ساوَيْنا بمذهبِنا في غيبةِ صاحبِنا عليه السلام «السّبائيّةَ» في قولِهم إنَّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يُقتَل، وإنَّه حيٌّ موجود، وقَول «الكيسانيّة» في محمّد بن الحَنفيّة، ومذهب «النّاووسيّة» في أنَّ الصَّادق جعفر بن محمّد عليه السلام لم يَمُت، وقَول «المَمطورة» في موسى بن جعفر عليه السلام أنَّه لم يَمُت، وأنَّه حيٌّ إلى أن يخرجَ بالسَّيف، وقول أوائلِ «الإسماعيليّة» وأسلافِها أنَّ إسماعيل بن جعفر هو المنتظَر، وأنَّه حيٌّ لم يَمُت، وقول بعضِهم مثلَ ذلك في محمّد بن إسماعيل، وقول «الزّيديّة» مثلَ ذلك في مَن قُتِل من أئمَّتها، حتّى قالوه في يحيى بن عمر المقتولِ بـ «شاهي [موضعٌ قربَ القادسيّة]». وإذا كانت هذه الأقاويلُ باطلةً عند الإماميّة، وقولُها في غَيْبة صاحبِها نظيرُها، فقد بَطَلت أيضاً، ووضحَ فسادُها.
فإنّا نقول: إنَّ هذا توهُّمٌ من الخصوم لو تيقَّظوا (تفطّنوا) لِفسادِ ما اعتمَدوه في حِجَاجِ أهلِ الحقّ، وظنُّوه نظيراً لمقالِهم.
وذلك أنَّ قَتْلَ مَنْ سمَّوه قد كان محسوساً مُدرَكاً بالعيان، وشَهِدَ به أئمَّةٌ قاموا بعدَهم، ثَبتتْ إمامتُهم بالشّيء الذي به ثَبتتْ إمامةُ مَن تَقَدَّمَهم، والإنكارُ للمَحسوسات باطلٌ عند كافّة العقلاء، وشهادةُ الأئمّةِ المعصومين بصحّةِ موتِ الماضينَ منهم مُزِيلةٌ لكلِّ رِيبة، فبَطلت الشُّبهة فيه (بما) بيَّناه.
وليسَ كذلك قولُ الإماميّة في دعوى وجود صاحبِهم عليه السلام، لأنَّ دعوى وجودِ صاحبِهم عليه السلام لا تتضمَّنُ دفعَ المُشاهَد، ولا له [وليس فيها] إنكارُ المَحسوس، ولا قامَ بعد الثّاني عشر من أئمَّة الهُدى عليهم السلام إمامُ عَدْلٍ معصومٍ يشهدُ بفسادِ دعوى الإماميّة ".." فأيُّ نسبةٍ بين الأمرَين، لولا التَّحريفُ في الكلام، والعملُ على أوَّل خاطرٍ يَخطرُ للإنسان من غير فكرٍ فيه ولا إثبات.
ونحن لم نُنْكِر غَيْبةَ مَنْ سمَّاه الخصومُ لتَطاوُلِ زمانِها، فيكون ذلك حجَّةً علينا في تَطاوُل مدّةِ غَيْبة صاحبِنا، وإنَّما أنكرناها بما ذَكَرناه من المعرفة واليقين بقَتْلِ مَنْ قُتِل منهم، ومَوْتِ مَن ماتَ مِن جُملتِهِم، وحصولِ العلم بذلك من جهة الإدراك بالحواسّ. ولأنَّ في جملة مَن ذَكَروه [أي ابنُ الحنفيّة، وإسماعيل وابنُه، ويحيى بن عمر] مَن لم تَثبُت له إمامةٌ من الجهات التي تَثبتُ لمُستحقِّها على حال، فلا يضرُّ لذلك دعوى من ادُّعيَ له الغَيْبةُ والاستِتار.
ومَن تأمَّلَ ما ذكرناه عرف الحقَّ منه، ووَضح له الفرقُ بينَنا وبين الضّالَّة من المُنتَسبين إلى [تلك الفِرَق]، ولم يَخْفَ الفصلُ -بين مذهبِنا في صاحبِنا عليه السلام، ومذاهبِهم الفاسدةِ- بما قدَّمناه، والمِنَّةُ لله تعالى.

اخبار مرتبطة

  أيّها العزيز

أيّها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ أسبوع

دوريات

نفحات