حوارات

حوارات

منذ أسبوع

في حوار مع الشّيخ حبيب الكاظمي


في حوار مع الشّيخ حبيب الكاظمي:
البُعد المعنوي في حياة شيخ الفقهاء العارفين، الشّيخ بهجت قدّس سرُّه
* خلاصةُ مدرسة السيّد القاضي: «الصّلاة أوّل الوقت»
* سُئِلَ عن الأوراد، فقال: «عليكم بمفاتيح الجنان»

______إعداد: «شعائر»_____


   «هناك أسرارٌ في شخصيّةِ الشّيخ رحمَه الله، وله أمورٌ قد يصعبُ على البعضِ استيعابُها، فَرَبُّ العالمين له عبادٌ وأولياء، يُعطيهم شيئاً من الأسرار الرّبّانيّة..».
ما يلي، أهمّ ما ورد في المقابلة التي أجرَتها قناة «المعارف» الفضائيّة مع سماحة الشّيخ حبيب الكاظمي، تحدَّث فيها عن البُعد المعنوي في حياة شيخ الفقهاء العارفين، المقدّس الشّيخ محمّد تقي بهجت، كما تحدَّث عن توجيهاتِه قدّس سرُّه في مجالاتٍ عدّة، تمسُّ الحاجة إليها.
المقابلة نقلاً عن موقع «السراج» الإلكتروني، بتصرّف يسير.
* كانت صلاةُ سماحة الشَّيخ الفقيد رحمه الله صلاةً متميِّزة، تؤثِّر على المؤتمِّين به، ما هي التّوصيات في هذا المجال؟
إنَّ الشّيخ المبرور، رحمَه الله وحَشَره مع أوليائه، كان يُوجِد التّأثيرَ الكبيرَ في نفوسِ المؤتمّين به، فالصَّلاة هي قمّةُ اللِّقاء مع الله عزَّ وجلَّ، والصَّلاة الخاشعة ﴿..وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ البقرة:45، حيث إنَّ الإنسان يحاول جاهداً أن يخشعَ في صلاتِه، ولكن بعد أن يبدأ بالصَّلاة، وإذا بنفسه تَخونُه، ويذهب يميناً وشمالاً. سألتُ سماحتَه رحمه الله: كيف يصلِّي الإنسان صلاة خاشعة؟
فكانَ جوابُه: «إنَّ الخواطر على قسمَين: خواطر تأتي أثناء الصَّلاة قَهْراً، وخواطر تأتي اختياراً». الخواطرُ القهريّة: هي التي تهجمُ على المصلِّي، دون تعمُّدٍ منه، وأمّا الخواطر الاختياريّة فهي متابعةُ المصلّي للخواطرِ القهريّة. فالنّفسُ أو الشّيطان -أحدُهما- يذكِّرُ المصلِّي بحادثة: إمّا مثيرة للغَضب، أو للشّهوة. فالخواطر إمّا وهميّة: لا قيمةَ لها لا سلباً ولا إيجاباً، وإمّا تُثيرُ الغضب: كتذكُّر مشكلة قديمة، وإمّا تُثير الشّهوة: كتذكُّر منظرٍ شهويٍّ، أو صُوَر محرَّمة.
إذاً، فإنّ متابعةَ الخاطرة أمرٌ اختياريّ، والخطوة الأولى التي هي من الشّيطان، لم يكن للمصلِّي دورٌ فيها، ولكن عليه ألَّا يتابع. ربُّ العالمين لا يؤاخِذ بالخواطرِ اللا اختياريّة. إذا طبَّقنا هذه النّظريّة لسماحتِه على صلواتنا، فسوف ننتقل -على الأقلّ- إلى مرحلة الصّلاة الخاشعة ذهنيّاً، بمعنى أنَّ الذهن يصفو، ولا يَشرُد. أمَّا مسألة الخشوع القلبيّ، والحركة المعراجيّة، فهذا يحتاجُ إلى معرفة، والذي كان يصلِّي خلفَه رحمه الله، يعلمُ شيئاً من الأجواء التي كان يعيشُها سماحتُه.

* كان شيخنا الفقيد رحمه الله يؤكِّد على مسألة الصَّلاة على النّبيِّ وآله صلّى الله عليه وآله، فما هو وجهُ هذا التّأكيد برأيكم؟
يبدو من نظرة الشّيخ رحمه الله أنَّ قضيّة الصَّلاة على النّبيّ وآله صلّى الله عليه وآله، فوق مستوى الذِّكر المجرَّد؛ فهي جلبٌ لِنظرة النّبيّ وآله صلّى الله عليه وآله، طبعاً الصّلاة التي تَصِل إليهم، لأنَّ هناك صلاةً صادرة، وصلاةً واصلة. فالصَّلاةُ دعاء، وهذا الدُّعاءُ قد يُستجابُ وقد لا يُستجاب -كأيِّ دعاء- للأسباب المانعة: لغفلةٍ، أو لكَوْنه لقلقةَ لسان، أو لوجودِ الذُّنوبِ المانعةِ من الإجابة. هذا الدُّعاء إذا استُجيب، فمَعنى ذلك أنَّ هناك التفاتةً من النّبيّ وآله صلّى الله عليه وآله للمصلِّي.
سألتُ سماحة الشيخ رحمه الله: إنَّ الإنسان يتحيَّر بين اختيار طريقَين: فهو لا يعلم هل يمشي في هذا الطّريق أم ذاك الطّريق؟ وطَلَبةُ العلم إجمالاً يعيشون هذه الحَيرة بين الخطابة أو التّحقيق، وبين البحث العلميّ المعمَّق أو التّأليف، فالوديان العلميّة كثيرة ومتشعِّبة، فأيُّ طريقٍ يجب أن يسلكَه الإنسان كي يُرضي صاحب الأمر عجّل الله تعالى فرجه الشريف؟ فكان جوابُه رحمه الله: «أَكثِر من الصَّلاة على النّبيّ وآله، تُكشَف لك الحُجُب». معنى كلامه أنَّ الإنسان عندما يُكثِر من الصَّلاة على النَّبيِّ وآله صلّى الله عليه وآله تُصبح له التفاتة من عالم الغيب، أي من النّبيّ وآله صلّى الله عليه وآله.
أحد العلماء له تعبيرٌ جميل، يقول: «فرقٌ بين إنسانٍ تحتَ الرِّعاية مع الالتفات، وتحت الرِّعاية بلا التفات».
تارةً يكون الإنسان في رعاية ربِّ العالمين، وهو ملتفتٌ لهذه الرِّعاية، من خلال منامٍ صادق، أو ما يُسمَّى بالمكاشفة، وتارةً لا يعلم هذه الأمور، ولكنْ في مقام العمل هو إنسانٌ مسدَّد، وكأنَّ هناك يداً غيبيّةً ترعاه يميناً وشمالاً، مثلُه مثلُ الجدول: بعض الأوقات الماءُ هو الذي يرسمُ الجدول، أي يشقُّ طريقَه أثناء جَريانِه، وبعض الأوقات يكون الجدول مرسوماً، فالماء يجري في ما هو موجود، وينساب باتِّجاهه. فَرَبُّ العالّمين كأنَّه جَدْوَلَ حياةِ البعض، بحيث تجري حياتُهم في قنواتٍ مرسومةٍ سَلَفاً.

* ذكرتُم أنّ للصَّلاة على النّبيِّ وآله صلّى الله عليه وآله شروطاً، فَما هي هذه الشُّروط؟
الصَّلاة هي «أللَّهُمَّ»، وأصلُها: «يا الله». فعندما يقول الإنسان: يا الله، لا بدَّ أن يَستحضرَ المخاطَب. عندما يُحاور إنسانٌ إنساناً آخر، فإنَّه يلتفتُ إليه، وعينُه تكون باتِّجاهه، ويستحضرُ وجودَه معه، كذلك الذي يحبُّ أن يناجي ربَّه، لا بدَّ أن يعيشَ هذا المعنى، وهذا طبعاً شيءٌ يُثير الأسفَ، [أي] أن نقول: عامِلوا ربَّ العالَمين -على الأقلّ- كمعاملتِكم للمخلوقين. فإذاً، إنَّ الصَّلاة على النّبيِّ وآله عبارة عن دعاء، وهذا الدُّعاء له شرائط، وإلَّا لا يُعقَل أنَّ الإنسان يُلقلِق بلسانِه، فيُعطى آثارَ الذِّكر القلبيّ، أللَّهُمَّ إلَّا من باب التّفضُّل.
قد يتساءل البعض: هل نتوقَّف عن الذِّكر اللّفظيّ لأنَّه ليس فيه أيّ توجُّه، فهو مجرَّد لَقْلَقة لسان؟
[والجواب]: أوَّلاً: هذا خيرٌ من العَدَم، فَشَغْلُ الفَمِ بالذِّكر خيرٌ من شَغلِه بالكلام الباطل، أو بالطّعام مثلاً.
ثانياً: القضيّة كقضيّةِ سنابل القمح، قد يمتلك الإنسان آلافَ السّنابل الفارغة، ولكن قد يتَّفق وجود حبّة في هذه السّنابل، وكذلك بالنّسبة للإنسان: فقد يصلّي مائة مرّة وهو لاهٍ، ولكنّه يتوجَّه مرَّةً واحدة، وهنا بيتُ القصيد! ".."

عليكم بـ (مفاتيح الجنان)

 * ذكرتُم أنَّ الله سبحانه وتعالى قد يُعطي المؤمن بعضَ المكاشفات، هل بالإمكان أن نعوِّل عليها؟
لا يُعَوَّل عليها، ونحن عادةً نتحاشى الحديثَ في هذا المجال، لأنَّه قد يفتحُ بابَ الوَهْم. كان سماحتُه رحمه الله من أنصارِ الكتاب والسُّنّة والعِترة، ولا يخوضُ بما وراءَ ذلك. البعض -مع الأسف- أنشأَ مدارسَ موهومة، وجَمَعَ مُريدين واصطلاحات، وكأنَّ الحركة التّكامليّة، والسَّير إلى الله عزَّ وجلَّ أشبَه بحركة حزبيّة.
وُجِّه لسماحتِه رحمه الله سؤالٌ عن الأوراد، فقال: «عليكم بـ (مفاتيح الجنان)، هذا كتابُ دعاء، ادعوا اللهَ عزَّ وجلَّ بهذا الموجود»، وكان يقول: «الإنسان على المائدة المعنويّة، عليه أن ينظر إلى طعامِه». فالبعض ينظرُ إلى [طعام] الآخرين، ولكنْ عليك بما رزقَك اللهُ عزَّ وجلَّ من طعامٍ معنويٍّ في هذا المجال، ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ..﴾ الحجر:88 إلى الغير.


* لماذا يتراجع معظم النّاس عندما يسمعون كلمة «العرفان»؟
هذا له سَبب، وذلك لكثرة المزيّفين طوالَ التّاريخ. فالّذين كانوا في قبال أهل البيت عليهم السلام، كان لهم هوًى في هذا التّوجُّه، لأنَّ هذا يشغلُ النّاس عن خطِّ أهل البيت عليهم السلام، وأهلُ البيت كانوا في رأسِ المقاومة لهذه الوجودات التي كانت غاصبةً للحقِّ الطّبيعيّ. وبالتّالي، فالّذي كان يدعو في زمانهم إلى العبادة، والصَّومَعَة، والرَّهبَنة، وحياة الاعتكاف، كان يلاقي هوًى في نفوس الظّالمين. وعليه، يجب أن نبتعد عن الاصطلاحات في هذا المجال. علينا أن نعيش جوَّ العبوديّة، والعبوديّة تتمثَّل في الرّسالة العمليّة. كان رحمه الله يؤكِّد في كتاباته على أنَّ: «الرّسالة العمليّة، هذا هو الفقهُ الظّاهري، وإن أردْتَ شيئاً في هذا المجال، عليك ببابِ جهاد النّفس من كتاب (الوسائل)»، يكفيك أن تقرأ هذا الباب «جهاد النفس» من كتاب (الوسائل) مع الرِّسالة العمليّة، هذا هو الدِّين، وتيسيرُه لهذه الحركة، هي من مزايا شيخِنا الفقيد رحمه الله.

* ما معنى قوله قدّس سرّه: «إذا وجدْتَ نفسك في حالةِ ذِكْرِ الله عزَّ وجلَّ لدقيقة واحدة، فلا تصرِف نفسَك عن ذلك باختيارِك، ولا تبالِ بالانصراف والغفلة غير الاختياريَّين»؟
إنّها عبارة من العبارات الرائعة! ولعلَّه في كلمةٍ له رحمه الله يشبِّه [هذه الحالة] بالنُّور، فيقول: «إذا وُجِد هذا النّور في قلبك، فوسِّع هذا النّور! اغتَنِم الفرصة!». الذين يعتبون على الزّمان، وعلى عدم وجود الأستاذ، وعلى تكالُبِ الأهواء، معظم هؤلاء ربُّ العالمين أعطاهم منحة، حتّى أصحاب القلوب القاسية، ربُّ العالمين يَمنّ عليهم: في سفرة حجٍّ، أو في عمرة، أو في مشهدٍ من المشاهد، في ساعةٍ من ساعاتِ اللّيل والنّهار، يمنّ عليهم بالتفاتةِ ربوبيّة، ولكن -مع الأسف- هو يصرفُ وجهَه، ربُّ العالمين يُقبِلُ عليه، وهو يُدبِرُ عنه.
مثلاً: صلَّى العبدُ صلاةً كانت في أوَّلها صلاةً خاشعة -خشوع إجمالي- ولكن هو باختيارِه يذهب هنا وهناك. معنى كلامه رحمه الله أنّه ما دام هناك التفاتة وإقبال ولو لدقائق، أنت لا تصرِف وجهَك، دعِ الحالة تذهب تلقائيّاً، لا تُغلق هذه النّافذة باختيارك! أنت بمثابة إنسان في محضرِ المَلِك، فهذا اللّّقاء لا بدَّ أنّه سيَنتهي، لذا عليك استغلال كلّ لحظة، لا أن تذهب -ما دام هناك سَعة من الوقت للجلوس مع المَلِك- لتجلسَ مع الخدَم والحشَم في القصر. فنحن هذا مَثَلُنا!

* هل كان يرى سماحتُه ضرورةَ وجود الأستاذ في رحلة السّير والسُّلوك؟
سُئِلَ سماحتُه رحمه الله عن الأستاذ فكان جوابه: «أستاذُك عِلمُك». تارةً يكون الأستاذ عبارة عن وجودٍ ناطقٍ يتكلَّم ويمشي، وطوراً يكون عبارة عن معلومة. في أواخر حياة سماحتِه رحمه الله كَثُر التّأليفُ حولَه، فهو من الشّخصيّات النّادرة التي كَثُر التّأليف عنها، وعن أقواله، وكلماته؛ وهو حيٌّ يرزق! هناك كتاب من مجلَّدين، ولعلّه بلغَ ثلاثة مجلّدات، يتضمّنُ الكلماتِ الحكميّةَ التي كان يُلقيها أثناء الدّرس، أو غير الدّرس، جمعَها أحدُ تلامذته، فمَن كان يتمنَّى أن يجلسَ معه، فَلْيطَّلع على هذه الكلمات المدوَّنة.
سماحته رحمه الله لم يَصِل إلى هذه المقامات، إلَّا من خلال العمل بكلمات أساتذتِه، والفاصلُ الزَّمني بينه وبين أساتذته في العرفان، قرابة خمسين عاماً، لأنَّه تركهم وانتقل [من النّجف] إلى قمّ، وأثناء إقامتِه فيها، لم يكن له أستاذ، بل هو شقَّ طريقه بنفسِه، فالسّنوات التي كان فيها في محضَر أساتذتِه سنوات قصيرة، قياساً إلى عمرِه المديد. فإذاً، الأستاذ هو العِلم. نعم، إنْ وُجد الأستاذ فنورٌ على نور! ولكن إذا لم يوجد الأستاذ، ليس معنى ذلك أن يقفَ الإنسان حائراً. ".."


توصية السيّد عليّ القاضي قدّس سرّه

 * السيّد عليّ القاضي رضوان الله عليه من أساتذة المقدّس الشّيخ بهجت رحمه الله، فمَا هي المسائل التي نقلَها عن أستاذِه؟
القضيّة التي كان يكرِّرها أكثر من مرّة، وينقلُها تارةً بالإجمال، وتارةً بالتّفصيل، هي أنَّ السيّد القاضي رحمه الله في أواخر حياتِه، أراد أن يُلخِّص مدرسته الأخلاقيّة في كلماتٍ مختصَرة، فتفاجأ [المقدّس الشيخ بهجت] أنَّ السيّد القاضي قال: «الصَّلاة في أوَّل الوقت»، وكأنَّ هذا العمل مفتاحُ كلّ الكمالات، حتّى أنَّ سماحتَه كان يقول: «لا أتذكَّر أنَّه كان يقيِّدُ الصّلاةَ بكونِها خاشعة»، وكان يقول: «بقيتُ مدّةً من الزّمَن أكتمُ هذا الحديث عن الغير، لعلَّ البعض قد يَستهزئ»، لأنَّه يتوقَّع من السيّد القاضي، أن يفصِّل ويأتي باصطلاحات، ولكنّ المقدّس الشيخ بهجت كان يعلِّق بالقول: «نعم، هذا هو الطّريق، والأمر الواضح». الحقُّ معه، لأنَّ مَن لا يصلِّي في أوَّل الوقت، فهو -في مقام العمل- لا يوقِّر مولاه حقَّ التَّوقير.

* سماحة الفقيد الرّاحل أعلى اللهُ مقامَه، كان كثيرَ الزّيارة للإمام الرِّضا، عليه السلام، ما سببُ ذلك، وما هي توصياتُه في هذا المجال؟
يقول العلَّامة الطّباطبائي زميل المقدّس الشيخ بهجت: «إنَّ ألطاف الإمام الرّضا عليه السلام حسِّيّة» أي يدركُها كلُّ أحدٍ! فرقٌ بين لُطْفٍ غيبيٍّ، وبين لُطْفٍ محسوس. وكان سماحتُه رحمه الله من مُدْمِني زيارة الرّضا عليه السلام، بما لا يُخِلّ بِسَيْر الدّراسة، لقد كان حريصاً أن يكون سفرُه إلى مشهد في أيّام العُطَل الدّراسيّة. هو وأمثاله من العلماء عندما يقفون أمام المشاهد، تكون حالتُهم أرقى من حالة الزّيارة، وكأنّه حديثٌ مع المعصوم عليه السلام. كان سماحتُه رحمه الله عندما يقفُ أمامَ ضريح السيّدة المعصومة، أو أمام ضريح الإمام الرّضا عليهما السلام فكأنّه يحدِّثهما، وكأنَّه يكلِّمهما، وكان يُكثر من «الزّيارة الجامعة»، وله كلمة حِكميّة في هذا المجال: «ليس المهمّ أن تذهب إلى الحَرَم، المهمّ أن يأتيك الحَرَم»، لأنَّ الحَرَم إذا جاء، فسوف يسكنُ قلبَك، أينما تكون. أي لا ينبغي الاكتفاء بالزّيارة الظّاهريّة للمشاهد، بل ينبغي للإنسان أن يعمل صفقة مع المعصوم، بحيث يجلب معه -عندما يرجع إلى بلده- هذه النّفحات التي أُعطيها في ذلك السّفر. ".."


وصيّة المقدّس، وكلمة أخيرة

 * هل كان لسماحته رحمه الله مدرسة أخلاقيّة، وبماذا كان يوصي تلاميذه؟
لم يكن سماحتُه رحمه الله في صدَدِ أن يُنشئ مدرسةً أخلاقيّةً بمعناها الاصطلاحيّ، أي كأنّها قضيّة حزبيّة لها مبادئ، ولها أصول. كان دأبُه الدّعوة إلى العمل بالكتاب، وروايات أهل البيت عليهم السلام، وكان من أشدِّ المروِّجين لمجالس أهل البيت عليهم السلام، فما من مناسبة من مناسباتِهم، ولادة، وَوفاة، إلَّا وكان يُقيم فيها العزاء، حتّى في سَفَرِه. ومجالسُه في مشهد الإمام الرّضا عليه السلام معروفة، هكذا كان يروّج للعمل بالمسلَّمات، كان يقول: «أنتم اعملوا بالواضحاتِ التي عندَكم، وربُّ العالمين يفتحُ لكم الأبواب لاحقاً». فعَلى الإنسان أن يعمل بالمسلّمات الواضحة، كما في الخبر: «مَن عَمِل بما عَلِم، رَزَقه اللهُ عِلْمَ ما لم يكُن يَعلم». ".."

* نريد كلمة موجزة في حقِّ هذا الرّجل العظيم رحمه الله.
ممّا سمعتُه منه رحمه الله في اللّقاءات الأخيرة، تأكيدُه على عدم العمل بما يوجبُ النّدامة. كان يقول: «بعضُهم ذَهَب من الدُّنيا، وإصبَعُه في فمِه»، كنايةً عن الحسرة قبل الموت، فقد وَضَع إصبعه في فمه، وعضَّ على يدِه قبل أن يعضَّ عليها يوم القيامة، ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾ الفرقان:27.

ومن توصياته رحمه الله:
أوَّلاً:
كان يوصي دائماً «بالمحاسبة والمراقبة؛ لئلَّا يُبتلى العبدُ بالنّدامة لاحقاً». هو وأسلافُه من العلماء الأبرار، يعدُّون المراقبة العمودَ الفقريّ للسَّير إلى الله عزَّ وجلَّ. كان يقول رحمه الله ما معناه: «الذي ليست عنده مراقبة، لا يَصِل إلى شيء». طبعاً المراقبة المستمرَّة، وكأنَّ الإنسان من دون هذه المراقبة، لا يحقِّق شيئاً.
ثانياً: كان يوصي بهذا الدّعاء المأثور عند الشدَّة، حتّى كأنَّه عُرِف به: «أللَّهمَّ اجعلنا في دِرْعِكَ الحصينة التي تَجعلُ فيها مَنْ تُريد» ثلاث مرّات صباحاً ومساءً.
ثالثاً: كانت له كلمة حول «صلاة الوحشة»، كان يقول نقلاً عن علمائه السَّلف: «ما المانع من أن يصلِّي الإنسان صلاةَ الوحشة كلّ ليلة، لكلِّ مَن مات ودُفن بذلك اليوم؟». يقول الإنسان: يا ربِّ، هذه اللّيلة آلاف المؤمنين ذهبوا إلى جوارِك، وأنا أصلِّي صلاةَ الوحشة لهم جميعاً.
رابعاً: أيضاً كان يؤكِّد على «دعاء الفرَج ساعة الأذان»، وهذا أيضاً ضمن القواعد، حيث أنَّ السَّماء تُفتح أبوابُها في ساعة الأذان.
كلمة أخيرة: ".." هناك أسرار وَجِهات في شخصيّة الشّيخ رحمه الله، وله أمور قد يصعبُ على البعضِ استيعابُها، فَرَبُّ العالمين له عبادٌ وأولياء، يُعطيهم شيئاً من الأسرار الرّبّانيّة؛ ولعلَّ بعض هذه الأسرار، تنكشفُ بعد وفاتِه.
رحمَه الله، عاش سعيداً، ومات سعيداً، وحَشَره اللهُ مع أوليائه والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، وأرضى عنه إمام زمانه عجّل الله تعالى فرجه الشريف، إذْ كان يمثِّلُ نيابتَه العامَّة. 
 
 

اخبار مرتبطة

  أيّها العزيز

أيّها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ أسبوع

دوريات

نفحات