فكر ونظر

فكر ونظر

28/05/2014

مبادئ الإدراك في منهج السّيّد حيدر الآمليّ


مبادئ الإدراك في منهج الفيلسوف الإلهيّ، السّيّد حيدر الآمليّ

الكشفُ، والتّفكّرُ، والتّعقّل

ـــــ اقتباس وإعداد: هيئة التّحرير ـــــ

 

نقرأ في ما يلي مقاربةَ الحكيم الإلهيّ، والعارف الرّبّانيّ، السّيّد حيدر الآمليّ، لواحدةٍ من أبرز المقولات الّتي شغلت الفلاسفة والمُتكلّمين والفُقهاء المُسلمين منذ القرن الرّابع الهجريّ، وهي مبادئ الإدراك المؤسِّسة للمعرفة البشريّة.

فلئِن كانت هذه المَقولة قد أخذت نصيبَها الوافر من المعاينة والتّنظير والاجتهاد، على امتداد قرونٍ خَلَت، إلّا أنّها لم تزل تكتسب حيويّتها المعرفيّة إلى يومنا هذا. ولعلّ الخاصّيّة المنهجيّة الّتي دأب عليها السّيّد الآمليّ في هذا الميدان، هي تلك المُتَمثّلة بسَعيه إلى تأصيل نظريّةِ معرفةٍ تقيمُ مبادئ الإدراك على ثلاث مرجعيّاتٍ معرفيّةٍ متّصلة ومتكاملةٍ فيما بينها، وهي: الكشف، والتّفكُّر، والتّعقّل. وهي ثلاثيّةٌ تدور مَدار الكلام الإلهيّ لتطوي في أكنافها ما أنجزته علومُ العقل والنّقل والعرفان في فضاء التّعرّف على مقاصد الوحي وحقائق الوجود.

نشير إلى أنّ هذا النّصّ الّذي نقدّمه إلى القارئ العزيز، مُقتطفٌ بتصرّف من تفسير سورة الرّعد المباركة، في كتاب السّيّد الآمليّ: «تفسير المحيط الأعظم والبَحر الخِضَمّ».

«شعائر»

 

قال الله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الرعد:2-4.

***

مبادئُ الإدراك ثلاثة، هي: الكشفُ، والتّفكّرُ، والتّعقّل. فذلك تصريحٌ بمَطلوبنا، وهو أنّ الموجوداتِ كلَّها آياتُ الله الَّتي هي في الكتاب الآفاقيّ. ومع ذلك فيه رعايةُ التّرتيب المذكور من الإدراكات. لأنّ المرتبة الأولى الَّتي هي مرتبةُ أرباب اليقين والكشف والشّهود، ذكرَها في الأولى [أي في الآية الأولى الواردة أعلاها، وهي الثّانية من سورة الرّعد] وخصّصها بالعُلويّات كالعرش، والكرسيّ، والأفلاك، والأجرام، وما يتعلَّق بها من الشّمس والقمر وجريانهما، وقيّد المجموع باللَّقاء والرّؤية والكشف والمشاهدة، لقوله: ﴿..بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ الرعد:2.

ومعلومٌ أنّ اليقين - وخصوصاً عين اليقين أو حقّ اليقين - هو نهايةُ المراتب في الكشف والشّهود، لقوله تعالى في حقّ إبراهيم عليه السّلام: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ الأنعام:75.

ولقول أمير المؤمنين عليه السّلام، حيث كان في هذا المقام: «لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقيناً». 

* والمرتبة الثّانية، مرتبةُ أرباب الفكر والمُتوسّطين من أهل السّلوك، ذكرَها في الوسط [الآية الثّالثة من سورة الرّعد] وخصّصها بالأرض، وما يتعلَّق من الموجودات المُركّبة كالجبال، والبحار، والأنهار، والأشجار، واختلاف اللّيل والنّهار، لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ..﴾ الرّعد:3.

وعِلَّةُ خصوصيّةِ الفكر بأرباب الأوساط دون أهل الكتاب [المقصود هنا أهلُ الكتاب الآفاقيّ، وهم أصحاب الكشف] لأنّ الفكرَ ليس بمذمومٍ في البداية والوسط كما هو في الأخير والنّهاية، حيث إنّ طرْحَ الأفكار وإسقاطَ تصرّف العقول واجبٌ في النّهاية، كما قال النّبيّ صلّى الله عليه وآله: «لا تَتَفَكَّروا في ذاتِ الله، بَلْ تَفَكَّروا في آلاءِ الله»، وكما قال [أمير المؤمنين] عليه السّلام: «عَرفتُ اللهَ بِتَرْكِ الأَفْكار»، وما ذاك إلّا لأنّه كان عارفاً بأنّ الفكر معزولٌ عن تلك الحَضرة، مطروح على [أعتاب] بعض الأبواب.

والمرتبة الثّالثة، الَّتي هي مرتبةُ المُبْتَدئين وأرباب التّعقّل الصِّرف، ووظيفةُ العوامّ وأهلِ الظَّاهر، فقد ذكرَها في الأخير [الآية الرّابعة من سورة الرّعد] لأنّ هؤلاء - بالنّسبة إلى هذا التّرتيب – كالقِشْرةِ بالنّسبة إلى اللّبّ، ولبّ اللّبّ، لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ الرّوم:7.

وهذا ترتيبٌ من العلوّ إلى السُّفل، ومن الأشرف إلى الدّون، وهذا مستحسَنٌ عند الأكثر، بل الوجودُ ترتيبُه على هذا النّسَق، ومِن هذا قال تعالى: ﴿..فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ النّساء:78.

 

 

والتَّفَقُّهُ هو التّفكّرُ في العلوم والحقائق المستخرَجة من الآيات والكلمات، والَّذي أُوردَ من لسانهم في القيامة أيضا دالٌّ على ذلك، وهو قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ الملك:10.

ومعلومٌ أنّهم بحسب الظَّاهر كانوا يسمعون ويعقلون، لكن من حيث الباطن الَّذي هو الفكر والتّصرّف في المعاني، كانوا غافلين عنه محجوبين عن إدراكه، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ محمّد:24.

وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ يوسف:105.

وهذه الآية من جملة البراهين القاطعة على دعوانا بأنّ السّماوات والأرض، وما بينهما، آياتُ الله وكلماته، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، مثل قوله سبحانه:  ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ الرّوم:22-23. ".."

 

نسبةُ المراتب، بعضها إلى بعض

الطَّائفةُ الَّتي هي في طَور إدراكات المحسوسات، فإنّ أهلَها محرومون من إدراكات العقول، كالبهائم بالنّسبة إلى الإنسان، والطائفة الَّتي هي في طَور إدراكات المعقولات، فأهلها محرومون من إدراكات أهل الشّهود، وأربابُ الذّوقِ وأربابُ الشّهود [بالنّسبة] إلى أهل الولاية كذلك، وأهلُ الولاية بالنّسبة إلى النّبوّة كذلك، وأهل النّبوّة بالنّسبة إلى الرّسالة كذلك، ﴿..وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ يوسف:76. لأنّ الأعلى منهم دائماً جامعٌ للأدنى من غير العكس، حتّى الأخير، فإنّه جامعٌ للكلّ.

وقد عرفتَ هذا أيضاً [والكلام للآمليّ] في بحث الرّسالة والنّبوّة والولاية، وخصوصيّة مَشرب كلّ واحدٍ منهم بنفسه دون الغير. فإنّ مشرب الولاية ليس مشربَ النُّبوّة، ولا مَشرب النُّبوّة مَشرب الرّسالة، وكذلك جميع المراتب والأطوار المُشتملة على الإدراكات والمشارب المتناهية بحسب الكلَّيّات غير المتناهية بحسب الجزئيّات، لقوله تعالى: ﴿..يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ..﴾ الرّعد:4. فإنّ هذا إشارةٌ إلى كَثرة المشارب مع أنّها في الحقيقة واحدة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ..﴾ القمر:50.

ولهذا يكون الوليُّ دائماً تابعاً للنّبيّ، والنّبيُّ تابعاً للرّسول، لأنّه ليسَ فوقَ إدراك الرّسالة مدرَك، (إذ الرّسالةُ هي الغاية)، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ العنكبوت:43.

 

اخبار مرتبطة

  دوريّات

دوريّات

29/05/2014

دوريّات

نفحات