الملف

الملف

منذ 4 أيام

..وثبّت لي عندك قدم صدقٍ مع الحسين وأصحاب الحسين

..وثبّت لي عندك قدم صدقٍ مع الحسين وأصحاب الحسين

وينتهي بنا المطاف تلقائيّاً إلى تحديد بداية التولّي الذي هو صِدق الانتماء إلى رسول الله، وبدايته لكلّ مسلم، بالهجرة المحمّدية إلى الحسين عليه السلام، للوصول بهَدْي رسول الله إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، بما يجسّده هذا الوصول من طاعة الله تعالى.

ويكون البدء بامتياز ببناء العلاقة بأصحاب سيّد الشهداء، ليمكن التأسيس الحقيقي بذلك لبذل المهجة، الذي لا مجال للدخول في الحرم المحمّديّ إلا به.

قال الحسين عليه السلام: «مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطِّناً على لقاء الله نفسه فليرحل (معنا)، فإنّي راحلٌ مصْبحاً إن شاء الله».

ويشير إلى ذلك بوضوح ما ورد في زيارة عاشوراء المرويّة عن الصادقَين عليهما السلام:

«وثبّت لي عندك قدم صدقٍ مع الحسين وأصحاب الحسين، الذين بذلوا مُهَجَهم دون الحسين عليه السلام».

وما ينبغي التركيز عليه في هذا المجال، هو أنّ العلاقة بأصحاب الحسين عليه السلام، ترتبط بصميم تهذيب النفس ارتباطاً جذرياً، يستحيل معه الفصل بينهما استحالة الفصل بين تهذيب النفس وحبّ رسول الله صلّى الله عليه وآله، ذلك أنّ هذه العلاقة بالأصحاب في جوهرها ليست إلّا الحب الموصِل إلى مَن هو مِن رسول الله، ورسول الله صلّى الله عليه وآله منه. «حسين منّي وأنا من حسين».

وبناءً عليه، فإنّ خسارتنا فادحة جداً، حين يقتصر فهمنا للعلاقة بأصحاب سيّد الشهداء عليه السلام على استلهام دروس الجهاد، وحبّ لقاء الله تعالى بفيض دم الشهادة، فإنّ ذلك -على عظيم بلائه- ليس إلا ثمرة الشجرة المباركة التي تؤتي أُكُلها كلّ حينٍ بإذن ربها، الشجرة المحمّديّة: القرب العظيم: ﴿..وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ..﴾ الأنفال:17. و«الخُلق العظيم». و«الفعل العظيم». ﴿..لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ..﴾ آل عمران:81. ﴿..رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء:107.

لقد وجد يعقوب ريح يوسف لمّا فصلت العِير، ولمّا جيء بقميصه ارتدّ بصيراً، أفلا يجد المحمّديّ الصادق ريح المصطفى الحبيب في أصحاب الحسين عليه السلام؟!

وكما هو الفرق بين أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله، وبين الأبرار من الصحابة، كذلك هو الفرق بين أصحاب سيّد الشهداء وأهل بيته، كما تقدّم.

إنْ أدرك القلب فيهم هذه المحمّدية البيضاء بمراتبها، أمكنه أن يبصر بهم، فيهتدي الطريق إلى مكارم الأخلاق المحمّديّة.

الطريق إلى قدم الصدق

لا تتلخّص العلاقة بأصحاب الحسين عليه السلام -إذاً- باستلهام الدروس والعِبر، فهي كلماتٌ عامّة يمكن انطباقها على كلّ مَن يلفت موقفه القلب، فيجد نفسه مشدوداً إلى جميل فعله، بل يشكّل هذا الاستلهام بداية العلاقة بالأصحاب، ليتنقل القلب في هدى العقل بعد ذلك في مدارج ولايتهم، باعتبار أنّهم من سادة الموالين لسيّد الرسل وآله الأطهار صلّى الله عليه وعليهم.

* ويتّضح لنا ذلك بما لا مزيد عليه حين نقف عند الأسس التالية:

1) الإيمان رهن الحبّ: ليس الإيمان بالله تعالى إلا صدق حبّه عزّ وجلّ، ولا يكون الحب لله تعالى صادقاً إلا بحبّ رسول الله، من هنا فإن الإيمان رهن الحبَ لرسول الله صلّى الله عليه وآله، لا يجوز لغير المحبّ ادّعاؤه، وهو صريح القرآن الكريم: ﴿..أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ..﴾ التوبة:24.

وقد قال صلّى الله عليه وآله: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه».

ويدور الإيمان بعد ذلك ومعه مدار حبّ أهل البيت عليهم السلام، كما هو صريح الأمر بالمودّة في القربى، والمرويّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، ومنه: «...وتكون عترتي أحبَّ إليه من عترته، ويكون أهلي أحبَّ إليه من أهله...».

2) حبّ مُحبّهم: والسبب فيه أنّ صدق حبّ المصطفى وآله، صلّى الله عليه وآله، يدور مدار حبّ مَن يحبّهم ومعاداة مَن يعاديهم.

3) الولاية لسادة المحبّين الموالين: من أوضح تجلّيات حبّ الله تعالى، حبُّ رسول الله وأهل بيته صلّى الله عليه وعليهم، باعتبار أنّهم أقرب الخلق إليه وسادة المحبّين له تقدّست آلاؤه، ومن الواضح أنّ حبّه عزّ وجلّ لا يكتمل في قلب إنسان إلّا بولاية الله تعالى، التي تعني الانقطاع إليه عمّا سواه، فالولاية هي ثمرة الحب وعلامتها الاتّباع، ولكلٍّ مولاه، الذي يكشف عنه سلوكه الناظم لمفردات الاتّباع.

وكما لا يكتمل حبّه سبحانه إلّا بالولاية، فكذلك هو الحال في كلّ حبّ يتفرّع عليه، فلا يكتمل حبّ رسول الله وآله صلّى الله عليه وعليهم، إلّا بولايتهم، كذلك لا يكتمل حبّ الموالين لهم إلّا بولاية هؤلاء الموالين، ولا فرق بين السابق منهم في ذرى الحبّ واللاحق له في ما دونها من الرتب، إلّا بمرتبة الولاء.

نعم، ثمّة فرق بين السابقين إلى قمم الحبّ المحمّديّ، ومَن عداهم، هو فارق التشخّص، وإمكانية التعيّين، أي أنّه يمكن أن يقال عنهم: إنّهم سادة الموالين لرسول الله وأهل بيته، صلّى الله عليه وآله.

وقد ورد الحثّ على ولاية سادة الموالين هؤلاء، في سياق الحثّ على ولاية المصطفى الحبيب وعترته، والبراءة من أعدائهم.

روي عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال:

«حبّ أولياء الله واجب، والولاية لهم واجبة، والبراءة من أعدائهم واجبة، ومن الذين ظلموا آل محمّد صلّى الله عليهم وهتكوا حجابه، وأخذوا من فاطمة عليها السلام (فدك)، ومنعوها ميراثها، وغصبوها وزوجها حقوقهما، وهمّوا بإحراق بيتها، وأسّسوا الظلم، وغيّروا سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. والبراءةُ من الناكثين والقاسطين والمارقين واجبة، والبراءةُ من الأنصاب والأزلام أئمّة الضلال وقادة الجَور كلّهم أوّلهم وآخرهم واجبة، والبراءةُ من أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود قاتل أمير المؤمنين عليه السلام واجبة، والبراءةُ من جميع قتلَة أهل البيت عليهم السلام واجبة. والولاية للمؤمنين الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا بعد نبيهم صلّى الله عليه وآله وسلّم واجبة، مثل سلمان الفارسيّ، وأبي ذر الغفاريّ، والمقداد بن الأسود الكنديّ، وعمّار بن ياسر، و جابر بن عبد الله الأنصاريّ، وحذيفة بن اليمان، وأبي الهيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وأبي أيوب الأنصاريّ، وعبد الله بن الصامت، وعبادة بن الصامت، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وأبي سعيد الخدريّ، ومَن نحا نحوهم وفعل مثل فعلهم، والولايةُ لأتباعهم والمقتدين بهم وبهداهم واجبة».

ولا شكّ أنّ أصحاب الحسين عليه السلام، في طليعة مَن نحا نحو البررة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله، ورضوان الله تعالى عليهم، فتكون ولايتُهم ولايتَهم، والبراءةُ من أعدائهم، البراءةَ من أعدائهم.

4) أين حواريّو الحسين؟ والعنصر الرابع من عناصر ترقّي القلب في خّط العقل في مدارج ولاية أصحاب الحسين عليه السلام، هو أنّهم حواريّو سيّد الشهداء، كما كان الحواريّون أنصار النبيّ عيسى عليه السلام.

روي عن الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليهما السلام:

«إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين حواريُّو محمّد بن عبد الله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، الذين لم ينقضوا العهد ومضوا عليه؟ فيقوم سلمان والمقداد وأبو ذرّ.

قال: ثم ينادي: أين حواريّو عليّ بن أبي طالب وصيّ محمّد بن عبد الله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟

فيقوم عمرو بن الحمق الخزاعيّ، ومحمّد بن أبي بكر، وميثم بن يحيى التمّار مولى بني أسد، وأوَيْس القرني.

قال: ثم ينادي المنادي أين حواريّو الحسن بن علي وابن فاطمة بنت محمّدٍ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ فيقوم سفيان بن أبي ليلى الهمدانيّ، وحذيفة بن أُسَيْد الغفّاريّ.

قال: ثم ينادي أين حواريّو الحسين بن عليّ؟ فيقوم كلّ مَن استُشهد معه ولم يتخلّف عنه...».

فهُم حواريّو الحسين عليه السلام وأنصاره إلى الله، مع فارق أن هؤلاء الحواريّين قدّموا أرواحهم وتشظّي الأجساد فداءً لرسول الله صلّى الله عليه وآله، عبر فداء الحسين عليه السلام، وكان كلّ ذلك منهم على وَجَلٍ من أن يكونوا قصّروا في أداء حقّ المصطفى الحبيب صلّى الله عليه وآله.

عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:

«إنّ حواريّي عيسى عليه السلام كانوا شيعته، وإن شيعتنا حواريّونا، وما كان حواريّ عيسى بأطوع له من حواريّنا لنا، وإنّما قال عيسى عليه السلام للحواريّين: ﴿..مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ..﴾ فلا وَاللهِ ما نصروه من اليهود، ولا قاتلوهم دونه، وشيعتُنا، واللهِ، لم يزالوا منذ قبض اللهُ عزّ ذِكره رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ينصروننا ويقاتلون دوننا ويُحرَقون ويُعذَّبون ويُشَرَّدُون في البلدان، جزاهم الله عنّا خيراً. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: والله لو ضربتُ خيشوم محبّينا بالسيف ما أبغضونا، وواللهِ لو أدنيتُ إلى مبغضينا وحثوت لهم من المال ما أحبّونا».

وإذا كان مَن يصدق في نصرتهم، حواريَّيهم عليهم السلام، ولو لم يُستشهد كما يدلّ عليه قول الصادق عليه السلام: «ويشرّدون في البلدان»، فما هو حال من كان من أهل البصائر تزول الجبال ولا يزول، ويقدم على الشهادة فرحاً بالفوز المبين، مشفقاً من عدم الوفاء لرسول الله صلّى الله عليه وآله، ولسان الحال: أوفيتُ يا ابن رسول الله؟!

لا بدّ، إذاً، في التعامل مع أصحاب الحسين من أن يعي العقل والقلب أنّهم حواريّو سيّد الشهداء، وأنصاره إلى الله، في ما لم يقدِم الحواريون على مثله، وبديهي أن يقود ذلك البصيرة إلى آفاق عظمة حسينية في الأصحاب مترامية الأطراف.

لو كان نزول القرآن الكريم بعد كربلاء، كنا نقرأ فيه ما يخلّد مواقفهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

5) بين الرواة والأصحاب: حين نحطّ الرحال على أعتاب الرواة الذين لم يبدّلوا من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وحواريّي كلّ من أهل بيته المعصومين، نتعامل بيسر مع قمم في العلم واليقين، وهذا طبيعي جداً، إلا أنّ ما ليس طبيعياً أبداً أن نتعامل مع أصحاب الحسين عليه السلام، من خلال البعد الجهادي وحده، أو بإضافة البعد العبادي أحياناً وربما بشكل عابر، ولا نتنبّه إطلاقاً إلى أنّ شهادة الشهيد ثمرة علم يمتاز عن كلّ ألوان العلم التي تنفصل عن العمل، فهو نتاج مخاض شديد في بناء النفس، وكدحٍ إلى الله، وكبَدٍ دائبين دائمين، تبلورت خلالهما معرفة لا انفصام فيها فيؤدّي إلى انفصام الشخصية، ولا فجوات تعتريها فيستلبها هول الفجوة بين النظرية والتطبيق.

ولئن استبدّت بالعظيم الكربلائي الحرّ الرياحي عرواء كالأَفكَل، فإنَما كان ذلك كاشفاً عن وقت إيناع الثمرة، وعن إمكانية طيّ المراحل فيه، لأنّ تعاهد البذرة فالغرسة ثم الشجرة بالرعاية، كان بحيث لا يليق بمثل صاحبه إلا أن تُتاح له فرصة الوصول إلى الحسين عليه السلام، ليكون في عداد خير الأصحاب.

ومع كلّ ومضة من تلك الرعدة العرواء، يُخَيَّل إليك انهيار ردم من السدّ الذي كان يفصل بين النظرية والتطبيق، ليملأ تلك الهوّة التي كانت تشطر العقل عن القلب، وتتسبّب بهذا الفصام الذي جعل القلب الكوفيّ مع الحسين، والسيف عليه.

ومَن لم يجتَزْ تلك المسافة بطيّ المراحل في ساحة المعركة، فقد اجتازها على مشارفها كالشهيد زهير، أو في الطريق الحسينيّ الطويل من بارقة حبّ الشهادة وصولاً إلى ساعة الصفر.

ليس الشهيد صِفْرَ اليدين من المعرفة، كما قد يحلو للتنظير الجاهل أن يتقوَّل.

وليست مشكلة غير الجاهل أن يحلّ المعضلة التي أوقعه الجهل في طخيائها، فأوثق نفسه بشِباك الحيرة في تفسير الفعل الاستراتيجي للشهيد.

صفر اليدين من المعرفة هو أعمى العقل وأعشى القلب، الذي يظنّ أنّ الفكر والثقافة والعلم والمعرفة قدرة سبك وجودة بيان ومخزن معلومات.

لو كان الأمر كذلك لكانت رفوف الكتب هي الأعلم، ولكان الحاسوب الآليّ سيّد العلماء.

المثقّف هو العامل بما يصقل النفس ويُمكِّن حدّها من الجري وقرارها من الفري، والعالم هو الذي ينفّذ أكثر ممّا يلقّن، وربّ عالم بذَّ العلماء أجمعين، وهو لا يكاد يبين حديثاً.

قال الصادق عليه السلام: «تجد الرجل لا يخطئ بلامٍ ولا واو، خطيباً مِصْقَعاً ولَقلبُه أشدّ ظلمة من الليل المظلم، وتجد الرجل لا يستطيع يعبّر عما في قلبه بلسانه، وقلبُه يُزهِر كما يُزهِر المصباح».

وهل يزهر هذا القلب إلاّ لاجتنابه ما كبر مقتاً عند الله تعالى؟

وقال عليه السلام: «لا يقبل الله عملاً إلّا بمعرفة، ولا معرفة إلّا بعمل، فَمن عرف دلّته المعرفة على العمل، ومَن لم يعمل فلا معرفة له. ألا إنّ الإيمان بعضُه من بعض».

هذا التماهي بين العلم والعمل هو بالتحديد نقطة الامتياز في كلّ من الرواة الحواريّين، والشهداء الحواريّين مع سبق للشهداء ساحته الميدان والوسام الشهادة.

لا يهدف ما تقدّم إلى التقليل من سموّ منزلة الرواة الأبدال، ولكنه يهدف بوضوح إلى توكيد نوعية العلم الذي كان الشهداء في كربلاء حملته والرواة، لتصغي كل الأجيال في مدرستهم إلى فريدة التماهي بين العلم والعمل.

ولئن كان المُخبِتون من الرواة الأبدال «أمناء الله على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوّة واندرست»، فما هي مرتبة الأصحاب الذين صدَقوا ما عاهدوا الله عليه كالرواة النجباء، وزادوا عليهم أنّهم قضوا في سبيل ذلك في وقت عزّ فيه النصير، ولو لم تكن إلّا رواية فيض الوريد الممتزج بدم الحسين وأهل البيت عليهم السلام، لكفى.

من الدّقة في مقاربة سيرة أصحاب الحسين عليه السلام، التنبّه إلى أنّ العلماء بالمعنى المبتدَع الذي لا نعرف عادة غيره، مَعْلمٌ كربلائيّ في سيرتهم شديد الوضوح، ولكنّ الغفلة عنه أيضاً شديدة.

وسيتّضح من تراجمهم ما يكشف أنّنا في محرابهم بين يدي وفرة من قمم الصحابة والرواة الشهداء.

6) بين الزوار والباكين، والأصحاب: يفتخر المحمّدي حين يحمله الوفاء لرسول الله صلّى الله عليه وآله، بأجنحة الحبّ إلى حرم الحسين عليه السلام.

كما هو الحنين إلى الشهادة مُنية العمر، كذلك هي زيارة الحسين لدى المحمّديّين، فهو عليه السلام جوهر المحمّديّة البيضاء، وسفينة النجاة من بحر الهوى إلى شاطئ السلامة والإسلام والأمن والإيمان.

حقاً ما هو عظيم الثواب لزوّار الحسين؟

بديهيٌّ أن تكون لكلّ نوع من الزوّار مرتبة من الوعي والإخلاص، أو المعرفة الحقيقية، وأن يكون لتلك المرتبة ما يناسبها من الثواب، إلّا أنّ الأدنى في هذا الثواب بالغ الخصوصية.

لغة الروايات في هذا الباب -كما تعلم- صريحة في أنّ للزائر ثوابَ من حجّ واعتمر، وغزا، أو أنّ له المغفرة، أو مَن زار الحسين فله الجنّة، أو ما يشبه هذه العناوين ويتدرّج فيها.

والسؤال هنا: إذا كان زوّار الحسين عليه السلام يبلغون مدارج كلّ هذه العظمة، فكيف هي عظمة مرتبة أصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دونه عليه السلام؟

ينبغي الالتفات دائماً إلى أهمّية الانتقال من ثواب الزوّار، إلى المقارنة بينه وبين ما لا يمكن لعقولنا أن تدركه من سموّ منزلة خير الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

كما ينبغي أن تتمّ هذه النّقلة عندما نسمع أو نقرأ عن ثواب البكاء على الحسين، لتجري أيضاً المقارنة بين ثواب البكاء على سيد الشهداء، وبين ثواب من قدّم دمه وروحه فداء لما يجسّده الحسين من محمّديّةٍ هي فرادة العبوديّة والتوحيد، وهي الهدف الذي مضى في دربه كلّ النبيّين.

7) بين شهداء المقاومة وشهداء كربلاء: ما تقدّم قد يطرح تساؤلاً عن الفرق بين شهداء كربلاء بين يدي إمام زمانهم، وبين كلّ الشهداء في سبيل الله تعالى في الدّرب المحمّديّ الحسينيّ.

ولا بدّ من تثبيت أنّ الفرق بينهم هو الفرق بين مَن كانت كربلاء به كربلاء، وبين مَن وجد أمامه القدوة في الجهاد وحبّ الشهادة، والتضحية والفداء، فحرص على الاقتداء.

يجسّد الحسين عليه السلام في كربلاء الرسالة والرسول، ويجسّد الأصحاب التزام الإيمان والدفاع عنه بأغلى ما يستطاع، وبهذين التجسيدين معاً أتيح للمسلمين النموذج الكربلائي، والنهج المحمّديّ الذي ينبغي أن يسلكوه.

وفي حين كان الإصرار الأمويّ ينصبّ على اغتيال الإمام الحسين، وعدم تمكينه من خوض مواجهة مع النظام، كان الإمام عليه السلام مصراً على المواجهة، لأنّها الخيار الوحيد الذي ترك له لإيصال النداء المحمّديّ إلى الأجيال حول التحريف والتزييف الأمويّين.

وبهؤلاء الأصحاب العظماء تحقّق للإمام الحسين ما أراد، فكانت كربلاء، واكتملت للأجيال القدوة الأمثل في طاعة رسول الله صلّى الله عليه وآله، وحُسن اتّباعه في الوقوف مع الحسين عليه السلام.

لا مجال إذاً للمقارنة بين شهداء كربلاء، وكلّ الشهداء في نفس الدرب في عصر الغيبة الكبرى، إلّا من باب التأمّل في حسن الاقتداء.

إلّا أنّ ما يجدر الوقوف عنده، هو المقارنة بين ما ندركه أو نحسّ به من عظمة الشهداء الذين اقتدوا بشهداء كربلاء، وبين عظمة خير الأصحاب.

ولأنّنا في لبنان عرفنا شهداء المقاومة الإسلامية عن قرب، وقد تركت شهادة كلّ منهم أثرها البالغ في نفوس عارفيه، ومكّنتهم من التفكير في دلالات أنّ هذا المجاهد الذي يعرفون، قد تبيّن أنّه من أمراء الجنة -وما أدراك ما الجنة وما أمراؤها- فإنّ باستطاعتنا أن ننتقل من التفكير بعظيم منزلة هؤلاء الشهداء الأبرار، إلى التفكير بعجزنا عن إدراك عظمة خير الأصحاب الذين نسلّم عليهم كلّما سلّمنا على الحسين عليه السلام.

السلام على الحسين وعلى عليّ بن الحسين

وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.

 

 

اخبار مرتبطة

  أيها العزيز

أيها العزيز

نفحات