ملحق شعائر 10

ملحق شعائر 10

منذ ساعة

مفهومُ الحريّة في البُعد الإلهي مطالعة الإمام الخامنئي في المُلتقى الرّابع للأفكار الإستراتيجيّة


مفهومُ الحريّة في البُعد الإلهي
مطالعة الإمام الخامنئي
في المُلتقى الرّابع للأفكار الإستراتيجيّة


طهران - 13/11/2012


 

تقديم

ليس شأناً عاديّاً أن نقرأ نصّاً للسيّد القائد الإمام الخامنئي يدعونا فيه إلى سَفرٍ معرفيٍّ في عالَم الأفكار. بل إلى التّفكُّر في ما غابَ عن مشاغلِ النُّخبِ من أسئلةٍ ومطارحات ذات سِمَة مصيريّة، خصوصاً منها، ما يكادُ أن يُطوى في النّسيان، بسببٍ من التّحوّلات الهائلة التي عصفت بأنظمةِ القِيم، وأنساقِ المعرفة، وفوضَى المفاهيم.
سيكون لدعوةٍ كهذه قيمةٌ استثنائيّةٌ متى كانت قضيّة الحريّة هي محوَر هذا السَّفَر المعرفيّ وغايته. سوى أنّ ما يضاعفُ من أهميّة النّصِّ الذي نستودعُه القارئ الكريم، لا يتعلّق فقط بما يعود إلى البُعد الإنساني العميق الذي تنطوي عليه القضيّة المطروحة، وإنّما أساساً وأيضاً إلى مقام المتكلِّم -أي إلى صاحبِ النّصّ- كوليٍّ فقيه، ومرجعيّة دينيّة وعلميّة وسياسيّة لها حاضريّتُها على مساحة العالم الإسلامي وسائر العالم.
ولمّا أن جاءت هذه المرافعة الفكريّة في فضاء «الملتقى الرابع للأفكار الإستراتيجية» الذي انعقدَ في طهران في الشهر الحادي ‌عشر من العام 2012، فذلك ما يمنحُها معاني ودلالاتٍ وأبعاداً تترجمُ عنايةَ ‌السيّد القائد بتفعيلِ واحدٍ من أبرز مكوّناتِ النّهضة الحضاريّة المعاصرة.
وإذاً، فالدعوة إلى التّفكير وإنتاج النظريّات في الحقول المختلفة للإجتماع الإنساني، إنّما هي دعوةٌ تستجيبُ لضرورات تاريخيّة وحضاريّة لا مناصَّ منها لإحياء الأمّة، وتجديد هويّتها الفكريّة في مطلع القرن الحادي‌ والعشرين.
لَئن كان من معاينة إجماليّة للأفكار التي تضمّنتها كلمةُ السيّد القائد أمام هذا الجمع الكبير من المفكّرين والعلماء والباحثين في الإستراتيجيّات السياسيّة، لَتَبيّنتْ لنا مجموعة من الأطروحات:
أوّلُها: الحثُّ على ضرورة تَثوير عالم الأفكار في المجتمعات الإسلاميّة، وذلك عبر إحياء العناوين الأساسيّة المصيريّة المتّصلة بالمجال الإستراتيجي والمتعلّق بحاضر الأمّة ومستقبلها. وهو ما نلاحظُه من خلال دعوة الإمام النُّخبَ المفكّرة على اختلافها وتنوّعِها إلى التّحرّك بوساطة الفكر المنفَتح، والنّظير المعرفيّ المسدَّد بالحريّة.
ثانيها: النّظر إلى‌ الحريّة كقيمة تأسيسيّة وكقاعدة عمليّة‌ لتوليد الفكر الإستراتيجي. ومثل هذا النّظر يعكس المنزلة العليا التي تحظى بها الحريّة في عقل وضمير وَوجدان السيّد القائد في سياق التّحدّيات التي تواجهها نُخَب الأمّة ومفكِّروها.
ثالثها: السّعي إلى وضع منظومة نشاط للنّخب العاملة في ميدان البحث والتفكير وتقدير الأوضاع،‌ إذ من شأن هذه المنظومة أن تجعل الأفكار تتحرّك كنهرٍ جارٍ لا يتوقّفُ عند حدّ.
وما من ريبٍ فإنّ مسعًى كالذي تدعو إليه كلمةُ الإمام، في هذا المقام، إنّما يُشكِّل الشّرطَ الضروريّ لصَحوة العقل الذي ينبغي للنُّخب أن تشقَّ مجراه تحقيقاً لمَهمّتِها العظمى في الإحياء الحضاريّ الشامل.
رابعها: دعوة المفكّرين العاملين في ميدان التّخطيط الإستراتيجي إلى إجراء بحوث ودراسات مقارنة ومعمّقة بين الفكر الإسلامي ومعارف الغرب. ولعلّ من أبرز الاجراءات الفكريّة المطلوبة في هذا الميدان، هو ممارسة النّقد العقلاني لمنجَزات الفكر الغربي التي بلغتْ مآلاتٍ حَدَتْ بكثيرين من فلاسفتِه المعاصرين إلى مراجعتِها، والتّشكيكِ بجدواها، والإعراضِ عن الاستمرار في تبنِّيها كقواعدَ مفاهيميّة يُمكنها استنقاذُ نظام القِيَم الغربيّة من التّصدّع والاختلال.
حتّى أن عدداً من المفكّرين الغربيّين راحوا يرفعون الصّوتَ بالدّعوة إلى إطلاقِ مساجلاتٍ‌ جادّة حولَ قِيَم وأفكار يُمكن الكفاح من أجلها لِدَرءِ الفساد الذي يضربُ عمقَ مجتمعاتهم. في حين سيمضي عددٌ آخر إلى استعادة صورة «البداوة العمياء» التي اجتاحت أوروبا في القرون الوسطى، مبدياً تشاؤمَه من عودة هذه الصّورة لتجتاحَ عصرَ ما بعد الحداثة الذي يعيشُه المجتمعُ الغربيُّ اليوم.
خامسها: لعلّ الأطروحة الأبرز التي يركِّز عليها السيّدُ القائد في مطالعته الفكريّة، هي المقارنة التي أجراها بين معنى الحريّة في الغرب ومعناها في دين الإسلام.
في هذا المحلِّ المعرفيِّ بالذّات بيَّن الإمام محدوديّةَ وتناهي مقولة الحريّة في الفكر الغربي، بحيث انحصرتْ في المساحة التي تجعلُها أداةً لمعاداة الدِّين والبُعد الرّوحي والمعنوي للإنسان، وذلك تسهيلاً لتراكم رأس المال وبناء المجتمع التّقني بما ينطوي عليه من قِيَم الماديّة الصمّاء التي تدفعُ بالإنسان إلى جحيمِها المحتوم، ثمّ تُحيلُه إلى كائنٍ بلا روح.
أمّا الحريّة في بُعدها القرآني فهي لا تتناهى عند الحدود الماديّة لحاجات الإنسان، ولا تتوقّفُ على مجرّد نقد الأفكار الخاطئة. وإنّما هي حريّةٌ تقصدُ المعنى الرّوحيَّ الذي يقوم عليه حضورُ الإنسان في الوجود. حريّةٌ قِوامُها التعلّقُ بخالق الموجودات، وبالسّلوك إليه، والتّقرُّبِ من حضرتِه المقدّسة، وكلُّ ذلك من خلال التّحرُّر من العوامل التي تُعيقُ وصولَ الإنسان إلى درجة الكمالِ المعنويّ، لِيصيرَ خليفةَ الله تعالى في الأرض.

***


لقد تحدّث السيّدُ القائد عن اختلافاتٍ جوهريّة بين معنى الحريّة في بُعدها الماديّ المحدود ومعناها في بُعدها الإلهي اللّامتناهي. فإذا كانت حقيقةُ الحريّة في الفكر الغربيّ تكمنُ في مركزيّة الإنسان في الكون، فإنّ حقيقتَها في الإسلام تتأسَّسُ على القيوميّة الإلهيّة، وعلى كرامة الإنسان، وكذلك على إدراكه لحقيقة الاستخلاف عن طريق إيمانه بالتّوحيد كشرطٍ بديهيٍّ للفوز بجوهر الحريّة، وتحقيق إنسانيّتِه وسموِّه في الوجود.
لقد لاحظَ السيّدُ في مطالعته الفكريّة عمقَ المأزق القِيمي والأخلاقي الذي يعصفُ بثقافة الغرب الرّاهنة.
وقد عرضَ لمفاصلَ أساسيّة في هذا المأزق، وأهمُّها المفصَل المتعلّق بإقصاء الدِّين بما يضمُّه من أبعاد روحيّة ومعنويّة وأخلاقيّة، وهكذا أشار بوضوح في سياق كلامِه عن المنحدرات المعنويّة التي مرّت بها تجربةُ النّهضة في أوروبا ابتداءً من القرن الرّابع عشر وصولاً إلى ما سُمِّيَ بـ «ثورة الأنوار».
صحيحٌ أنّ الثورة الفرنسيّة لم تنتصر إلّا بدحرِ الكنيسة، لكنّ أهل الثوّار أنفسهم، ما لبثوا أن أدركوا أنّ انتصارَ الثّورة كان أشبهَ بانتصارِ فرنسا على نصفِها الآخر.. أي على الجانبِ المُتسامي المعنوي والرّوحي والأخلاقي للإنسان الأوروبي.

***


تلك بعضُ الإشارات التي أمكنَ لنا إيرادُها في هذه العجالة. غير أنّ ما يحملُه النصُّ الذي بين أيدينا من عناصر معرفيّة، سوف يشكِّلُ ميداناً لنقاشٍ واسعٍ وعميقٍ حولَ الصِّلةِ الوطيدةٍ بين أطروحةِ الحريّة واستراتيجيّةِ إنتاجِ الأفكار..
وبعد..
إنّنا في «شعائر» إذ نُعيد نشرَ كلمة السيّد القائد ضمنَ هذا الكرّاس، فَلِأنّنا على رجاءِ أن نكونَ قد أضأنا على جانبٍ عظيمِ الأهميّة في مشاغل واهتماماتِ الوليّ الفقية في هذه الحِقبة من تاريخ العالم، ومجتمعاتنا على وجهِ الخصوص..

«شعائر»




بسم الله الرّحمن الرّحيم


بدايةً، أنا مسرورٌ جدّاً، وفي الحقيقة ممتنٌّ جدّاً لآحاد الحضور، لا سيّما الأخوة والأخوات الذين تجشّموا العناء، فأَجروا البحوث، وأعدّوا المقالات، ومن ثمّ جهدوا في تلخيصها -كان ذلك جليّاً، فالمقالات كانت ملخّصة بالكامل- ويبقى أن يوفّقنا الله تعالى لنحظَى بالوقت فنطّلع على المقالات الأمّ التي طُبعت وأصبحت في المتناول.
الآن، وبما أنّني (أنا العبد) أستبعدُ حظوةَ أن يتّسعَ وقتي لذلك، أستحسنُ أن يرجعَ الأحبّاء إلى المقالات الأساسيّة ويُمعنوا النّظر فيها، لأنّ لنا شُغلاً مع هذه «المقولة».
كذلك، أتوجّه بالشّكر من «مدير الجلسة» المحترم، عزيزنا الدكتور واعظ زاده، الذي أوضح -كالعادة- مسائلَ كثيرة بموجزٍ من القول، والذي يحملُ معه -بدعمٍ يسير- إلى هذه النّاحية وتلك عوائقَ كثيرة تعترضُ العمل. الحقّ أنّه ومعاونيه تعبوا كثيراً، أعرف ذلك. من الضروريّ أيضاً أن نتوجّه بشكرٍ خاصٍّ إلى كلّ مَن ساهم في هذا العمل.
حسناً. تشاهدون هذه الأيّام -وعلى التّوالي- المماحكات التي يفتعلُها الاستكبارُ العالميّ -الذي هو في الواقع العدوّ رقم واحد للحريّة- مع بلدِنا ومع الجمهوريّة الإسلاميّة. [أقصد] المسائل الاقتصاديّة وآثارَها على أداء الدولة كَكلّ، وفي حياة النّاس.
ثمّة هواجس عامّة في الجوّ السياسي في بلدنا، أي أنّه لا أحدَ منّا فارغُ البال من هذا الأمر. لكن، وفي الوقت نفسه، لم يتوقّف هذا العمل الأساسي وبعيد المدى ولم ينقَطع. أي أنّ هذا اللّقاء قد تمّ -تقريباً بنحوٍ دقيق- وفقاً للتّخطيط المسبَق، وفي زمانه المقرّر، هذا الأمر، يسرّني (أنا العبد) ويجعلني ممتنّاً لكلّ مَن له يدٌ في ذلك.


حول ملتَقيات الأفكار الإستراتيجيّة


للجمهوريّة الإسلاميّة عدّة أهداف أساسيّة من وراء إقامة «ملتَقيات الأفكار الإستراتيجيّة»، ونحن لا نريد أن ننسى هذه الأهداف، ولا أن نغفلَ عنها. أحدُها، أنّ البلد يحتاجُ بشدّة -في المقولات التّأسيسيّة- إلى الفكر، واستثارة التّفكير. ثمّة الكثير من المقولات الأساسيّة، وما نطرحُه هنا هو الرّابع منها، ونرى أنّنا بحاجة إلى أن نُعملَ فيها الفكر ونستثيرَه.
لقد أشرتُ (أنا العبد) في أحد اللّقاءات الرّمضانيّة في هذه الحسينيّة مع جمعٍ من الجامعيّين -لا أذكر إذا كانوا طلبة أم أساتذة- إلى ما كان قاله أحدُ المتكلّمين في جلسة السّنة السابقة من اللّقاء نفسه، فقد خاطَبني: بأنّكم في هذه السنوات الأخيرة تعتمدون إلى حدٍّ كبير على القضايا العلميّة، وعلى التقدّم والتفتُّح العلميَّين، فَلْتعتمدوا أيضاً على «الفكر».
فكّرتُ في ما قاله، فإذا هو كلامٌ مهمّ. وعليه، قرّرنا أن نفكّر في «التفكير»، وفي استثارة التفكير. طبعاً، هذه قضايا لها شرُوطُها، وتسلتزمُ أرضيّةً وإمكانات، نمتلكُ بعضَها، ونفتقرُ إلى بعضها الآخر. هذا واحدٌ من التحدّيات الأساسيّة لشعبٍ كشعبنا لم يركد في موضعِه كمستنقَع، بل يتدفّقُ مثلَ نهرٍ هادر.
نحن هكذا، في حالة تدفُّق، ونتقدّم. نواجه العوائق، ونرتطم يمنةً ويسرة، لكنّ التقدّم لا يتوقّف. نحن شعبٌ من هذا السِّنخ، لذا نحتاجُ إلى التفكير في هذه القضيّة. وعليه، فإنّ حاجة البلد الماسّة إلى الفكر، لا سيّما في المقولات التأسيسيّة، هي أحدُ أهداف هذه اللّقاءات.
ثمّة هدفٌ آخر، هو أهميّة التّواصل المباشر مع النُّخب. يُمكنني أن أتناول كتابَكم وأقرأه، لكنّ هذا يختلف عن أن أسمعَ كلامَكم منكم، ولو بنحو الإيجاز. وهذا الحكم يصدقُ على جميع الحاضرين هنا. أي أن يتخاطبوا ويسمع بعضُهم كلامَ بعض من غير واسطة، هذه أيضاً نقطة هامّة.
النّقطة الثّالثة -وهي الأخرى هامّة جدّاً- هي تعبيدُ الأرضية العلميّة للوقوف على أجوبةٍ للأسئلة المهمّة في القضايا البنيويّة. نحن نواجه أسئلة -مثلَما أشار بعضُ الأصدقاء- وهذه الأسئلة لا بدّ أن يُجابَ عنها.
هذه الأسئلة ليست من باب اختلاقِ الشُّبُهات، لا تقتصرُ على طرح الشُّبُهات والعُقَد الذهنيّة، وإنّما هي طرحٌ للمسائل الأساسيّة في حياتنا الاجتماعيّة.
بلحاظِ أنّنا ندّعي ونقول إنّنا جمهوريّة إسلاميّة، ونظام إسلامي، فإنّ هذه طروحاتٌ لقضايا أساسيّة، ولا بدّ من بيانها والإجابة عليها. هل حُلَّت هذه المسألة؟ هل بانَ لها جوابٌ واضحٌ أم لا؟ نحن بحاجة إلى العمل في هذا المضمار. هذه هي أهدافُ هذا الاجتماع.

اللّقاء الأوّل كان حول «النّموذج الإيراني الإسلامي للتقدّم».
اللّقاء التّالي، كان حول موضوع «العدالة».
اللّقاء الثّالث كان حول «العائلة»، ولقد تحقّقت إنجازات مهمّة في هذا المجال.
ليس لقاؤنا في هذه اللّيلة، ولم تكن اللّقاءات الثلاثة السابقة، بغرَضِ أن نقولَ فيها الكلمةَ الفصل. فالكلمةُ الفصل ليست عندَكم، ولا عندي (أنا العبد)، نحن هنا لأجل تهيئةِ الأرضيّة، لا غير.
نحن نريدُ لهذه الحركة أن تنطلق. وهذا المسار بمنزلةِ عينٍ فوّارة، نريدُ لها أن تنبعَ حتّى يجري فوارنُها.
العمل الأساسي، يجب أن يبدأ عَقِب هذه الجلسة، وهو سيتحقّق على أيدي المحقّقين والأساتذة من ذَوي الهِمَم والرّأي الحَسن، سواء في الحوزة أم في الجامعة.
حسناً، الإنجازات التي تحقّقت عقب اللّقاء الأوّل -وكان حول الأنموذج الإيراني الإسلامي للتقدّم- كانت إنجازات أساسيّة وجيّدة، وقد بيّنها جنابُ الدكتور واعظ زاده.
اللّقاء التّالي، كان حول موضوع العدالة، وقد عُهِدَ به إلى ذلك «المركز».
اللّقاء الثّالث كان حول «العائلة»، ولقد تحقّقت إنجازات مهمّة في هذا المجال، سواء في «المركز» أم في عددٍ من مؤسّسات الأبحاث والمراكز المتخصّصة.
ها هو العمل يتقدّم، وخلوُّه من «الإعلان» كان مطلبي أنا (كان مطلب هذا العبد). لم نرغب منذ البداية أن نروّجَ لهذا العمل. غرَضُنا أن يتحقّق العمل، فإذا تمّ ذلك، يتحقّق «الإعلان والترويج».
طبعاً، ولأجل أن تظهر وتتحقّق «صناعة التّيار» هذه في الخارج، لا سيّما في مقولة مثيرة للجدل كـ «الحريّة»، قلتُ مؤخّراً للأصدقاء، وطلبتُ من السّادة أن يعتمدوا سياسة ترويجيّة منتظمة لكي يتمكّنَ أصحابُ الرأي، والمهتمّون، والأفرادُ الذين يُبتَلون أحياناً بالخمول في هذه المجالات، أو أنّهم يفتّشون على حافز، من أن يستفيدوا من جلستنا اللّيلة ويلتحقوا بهذا التيّار. لكنّ مبنانا ليس على المعنى المتعارف للتّرويج.

هذا الملتَقى الرّابع

وأمّا في ما يرتبط بجلستنا اللّيلة -أي قضيّة الحريّة- فها هنا بضعُ نقاط.
الكلمات التي ألقاها الأصدقاء، كانت جيّدة جدّاً. أي أنّ المستمع -حقيقةً- يستفيدُ ممّا يسمع، وأنا (العبد) مستمعٌ جيّد وأُنصتُ بدقّة لما يُقال.
لقد استفدتُ -حقيقةً- من كلّ ما قالَه الأصدقاء، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة، فلقد تضمّنت [كلماتهم] نقاطاً مثيرةً للانتباه.
طبعاً، سأقولُ من غير مجاملة، أنّني وقفتُ من مجموع ما تفضّلَ به السّادة على حجم الفراغ الذي نعانيه في هذا المجال. كلماتُكم وأبحاثكم نفسها عزّزت عندي (أنا العبد) هذه القناعة السّابقة، بحيث أدركتُ مقدار النّقص الذي عندنا في هذا المجال، وقضيّة النّقص هي ما سأشير إليه الآن.

هذا اللّقاء الرّابع، وهو حولَ «الحريّة».
مبحثُ الحريّة تبلوَر عند الغربيّين بشكلٍ لا نظيرَ له، في القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، والتي جاء «عصر النّهضة» في سياقها.

الحقيقة، أنّ مبحث الحريّة تبلوَر عند الغربيّين بشكلٍ لا نظير له، في القرون الثلاثة أو الأربعة [الأخيرة] والتي جاءَ «عصر النّهضة» في سياقِها.



في القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، قلّما طُرحت في الغرب قضية مثل قضية الحريّة، سواء في مجال العلوم الفلسفيّة، أم العلوم الاجتماعيّة، أم في مجال الفنون والآداب. وهذه الأمر مردُّه إلى سببٍ كليٍّ عامّ، وإلى أسباب عرَضيّة أيضاً.
السببُ الكليُّ هو أنّ هذه المباحث البنيويّة التأسيسيّة لا بدّ لها في انطلاقتِها من حدَثٍ باعث. عادةً، يحدث طوفان، فيُطلقُ هذه الأبحاث الأساسيّة.
في الأحوال العاديّة، لا تجري بحوثٌ معمّقة ومثيرة للجدل، حول هذه المقولات الأساسيّة. لا بدّ من وقوع حادثة تكون أرضيّة لذلك.
طبعاً، قلت إنّ هذا -ما أقوله الآن- إشارة إلى العامل الأساسي، وهناك عوامل جانبيّة أيضاً.

عصرُ النّهضة، والثّورة الفرنسيّة

كانت تلك الحادثة -بالدرجة الأولى- «عصر النّهضة». النّهضة في مجمَل الدّول الأوروبيّة، بدءاً من منشئها في إيطاليا، ومن ثمّ إنكلترا، وفرنسا، والأماكن الأخرى. بعد ذلك كانت قضيّة الثورة الصناعيّة، التي حدثت في إنكلترا أواخر القرن السابع عشر، وبدايات القرن الثامن عشر.
الثورة الصّناعية نفسها، كانت حدثاً يُشبُه الانفجار، ويُرغِمُ البشر والمفكّرين على التفكير. لاحقاً، وفي منتصف القرن الثامن عشر توفّرت مقدّماتُ الثورة الفرنسيّة الكبرى في فرنسا -والتي كانت الأرضيّة الاجتماعيّة لتحقُّق ثورة عظيمة- في منطقة لم تكن شهدتْ من قبل هكذا ثورات. طبعاً، كان قد حدثَ نظيرُ ذلك -وبصورة أصغر- في القرن أو القرنَين السابقَين في إنكلترا، لكنّه لا يُقارن بما حدث في الثورة الفرنسيّة. مقدمات الثورة الفرنسيّة، كانت ذلك الاستعداد الكامن في الجماعة، ما كان يراه المفكّرون راقداً تحت جلد [جسد] المجتمع.
أقول لكم، إنّ ما أفاد منه أمثال «مونتسكيو» و«روسّو» من حقائق المجتمع الفرنسي في استلهام الفكر، كان أكثر ممّا أفادت منه حقائقُ المجتمع الفرنسي من فكر هؤلاء. رؤيةُ هذا الأمر متاحةٌ لكلِّ مَن تأمّل. تعرفون أنّ «مونتسكيو» نفسَه كان خارجَ فرنسا.
كان ثمّة وقائع. قبل أن يحدثَ هذا الانفجار الكبير سنة 1789م -كان انفجاراً عظيماً، ما أكثر الخسائر والدّمار اللّذين تسبّب بهما- كان يقعُ من الحوادث تحتَ جِلد المجتمع وفي المدينة والبلد ما يدلِّل على أنّ حدثاً ما في طَور التكوّن.
وفي ما يتّصل بالحريّة، طرحوا مبحثَ العقل. أنا أقول لكم: قد يكون هناك أربعة متنوّرين في الثورة الفرنسيّة الكبرى تكلّموا بهذا النّحو، ولكن ما كان مغيّباً في ساحة العمل، وعلى الأرض، هو قضيّة العقل والعقلانيّة.
أبداً، إنّ الذي كان مطروحاً هناك هو قضيّة الحريّة فحسب. الحريّة من قيد التّسلُّط والسّلطة المستبدّة المتسلِّطة من قرونٍ خَلَتْ، أي سلطة سلالة «البوربون» المهيمنة على جميع مناحي حياة النّاس. ولم يقتصر الأمر [حينها] على جهاز البلاط، بل كان كلُّ واحدٍ من نبلاء فرنسا ملكاً.
ما سمعتموه عن سجن «الباستيل» ونزلائه لم يقتصر على بضعة أيّام، ربما عاد تاريخُه إلى قرونٍ خَلَتْ، و«الباستيل» على حاله. أي أنّ الوضع كان مضطرباً.
حسناً، كان هناك أشخاص ذَوو رأي مثل «فولتير»، و«روسّو»، و«مونتسكيو» يعاينون هذه الحال، وكانت لديهم قابليّة التفكير، فأدركوا أموراً، وعبّروا عنها، لكنّ كلامهم لم ينَل الاهتمام على أرض الواقع، ولا في سياق العمل الذي جرى في فرنسا.
تأمّلوا في كلمات كبار خطباء تلك الفترة -«ميرابو» وغيره- ترون أنْ لا أحدَ منهم يستحضرُ أفكار «فولتير» و«مونتسكيو» وغيرهما، بل يستحضرون حصراً فسادَ الجهاز، واستبدادَه. هذه هي حقيقة الثورة الفرنسيّة. بمعنًى من المعاني، كانت الثورة الفرنسيّة الكبرى ثورة خائبة.
بعد اثنَتي عشرة سنة -على أقصى تقدير- من الثورة، يظهر إمبراطور مقتدِر هو نابليون، ملِكٌ مطلَق، لم يُتَح حتّى للملوك الذين سبقوا لويس السادس عشر المقتول إبّان الثورة أن يحكموا مثلما حكمَ نابليون!
أراد نابليون أن يتوَّج، فأحضروا «البابا» لكي يتوِّجه، لكنّ نابليون لم يسمح له بذلك، بل تناولَ التّاجَ من يد «البابا» وتوّجَ نفسَه بنفسه. [ما تقدّم] هو على الهامش وبين مزدوجَين.

بالمقارنة مع ثورتنا، لا بأس في الالتفات إلى هذه النقطة: أنّ ما منع وقوع مثل هذه الحوادث في ثورتنا - بنحوٍ ما، ولو بشكلٍ مخفَّف- هو وجودُ الإمام الخميني. القائد الذي كان متَّبعاً ونافذاً ومُطاعاً عند الكلّ. هو الذي منعَ ذلك، وإلّا فكونوا على يقين، أنّه كانت لِتقع حوادث، إنْ لم تكن مثل تلك، فما يُشبهُها.
لقد تناوبتْ على السلطة ثلاثُ جماعاتٍ في هذه السنوات الإثنتَي عشرة التي ما بين الثورة، ومجيء نابليون ووصوله إلى السّلطة، وكلّ جماعة كانت تقتل سابقتَها وتُبيدها وتأخذُ بزمام السّلطة، ثمّ تُقتَل وتُباد على يد الجماعة التي تَليها. أمّا الناس فكانوا يعيشون في منتَهى البؤس والتّعاسة. هكذا كانت الثورة الفرنسيّة الكبرى.

لقد منعَ وقوعَ مثل هذه الحوادث في ثورتنا - ولو بشكلٍ مخفّف- وجودُ الإمام الخميني. القائد الذي كان متَّبعاً ونافذاً ومطاعاً عند الكلّ. هو الذي منعَ ذلك، وإلّا لَوَقَعَ ما يُشبه ما حصلَ عقيبَ الثورة الفرنسيّة.

وهكذا أيضاً كانت ثورة أكتوبر الرّوسيّة من جهاتٍ متعدّدة -أي أنّها تُشبه الثورة الفرنسيّة- مع فارقِ أنّها [نشأت] في ظرفٍ خاصٍّ بها، وتوافرت عواملُ متعدّدة أخرى ساهمت في سَوق الناس والسّيطرة عليهم بنحوٍ ما. لا بأس في أن تُؤخَذ هذه العوامل بعين النظر.
ثمّة مراكز (أنا العبد) على صِلة بهم، وللأسف لا أرى التفاتاً إلى الدّقائق الكامنة في هذه الثّورات من قِبَل هذه المراكز، سواء منها التاريخيّة أم الجامعيّة [المتخصّصة في هذا المجال].

تعرفون طبعاً أنّ فرنسا شهدت عدّة ثورات. الثورة الفرنسيّة الكبرى كانت في أواخر القرن الميلادي الثامن عشر. وبعد أربعين سنة تقريباً حدثتْ ثورة أخرى، ومن ثمّ ثورة ثالثة بعد عشرين سنة تقريباً، وكانت ثورة شيوعيّة. أوّل ثورة شيوعيّة في العالم حدثت في فرنسا. وهناك شكّلوا التجمّعات الاشتراكيّة.
لذا، [يمكن القول] إنّ عناصر نموّ هذه الحركة الفكريّة، كانت التالية:
«النّهضة» بالدّرجة الأولى. طبعاً «النّهضة» لم تكن [بنفسها] حدَثاً مولِّداً (دفعيّاً)، لكنّ القرنَين الأوّلَين منها شهدا حوادثَ كثيرة، منها الثورة الصناعيّة، والثورة الفرنسيّة الكبرى.
هذه الأمور طرَحتْ مبحثَ الحريّة، وهذا ما عملوا عليه، فقد كتبَ العديدُ من الفلاسفة آلافَ الأبحاث والمقالات والكُتُب، وشهدت جميعُ الدول الغربيّة مئاتِ المصنّفات في باب الحريّة. وكذلك في أميركا حَذوا حذوَهم بعد أن انتقلَ هذا الفكرُ إليها.
إلى ما قبل الثورة الدستوريّة، نحن لم نحظَ بفرصة مشابهة تُحدث موجةً فكريّة تحثُّنا على التفكير في مقولةٍ مثل «الحريّة». الثورة الدستوريّة كانت فرصةً جيدة جداً.
كانت الثورة الدستوريّة حدَثاً كبيراً، وعلى صِلة مباشرة بموضوع الحريّة، وكان حريّاً بها أن تحرّك بقوّة بحيرةَ فكرنا العلمي الهادىء -سواءً على مستوى التجمّعات الدّينية أم غيرها- وهذا ما حصل.
طُرحت الأفكار المتّصلة بالحريّة، لكنّ خلَلاً كبيراً اعتراها، وحالَ دون أن نهتدي إلى السّبيلِ الصحيحِ في إعمالِ الفكر في هذا المجال، وحالَ دون أن نمضي قُدُماً فيه. وهذا الخَلل مردُّه إلى سنواتٍ سبقتْ الثورة الدستوريّة -ربما قبلَها بعقدَين أو ثلاثة- حيث وجدت الأفكارُ الغربيّة -شيئاً فشيئاً- طريقَها إلى أذهان مجموعةٍ من المتنوّرين (المثقّفين)، عن طريق الأمراء، وأدوات الأرستقراطيّة [طبقة النّبلاء في النّظام المَلكي]، وعناصر البلاط.
عندما نتحدّت عن «المتنوّر» في تلك الحقبة، نقصد به المتنوّر - الأرستقراطي، فلم يكن ثمّة «متنوّر» غير أرستقراطي. الطبقة الأولى من مثقّفينا كانوا رجالَ البلاط والمرتبطين والمتعلّقين بهم، وهؤلاء تعرّفوا -منذ البداية- إلى الفكر الغربي في مجال الحريّة.
لأجل ذلك، عندما تقاربون مقولةَ الحريّة إبّان الثورة الدستوريّة -وهي مقولة مثيرة للجدل والصَّخَب- ترون أنّ النّزعة المعادية للكنيسة في الغرب، وهي من المميّزات الأساسيّة للحريّة [عندهم]، برزت هنا أيضاً تحت عنوان معاداة المسجد، والدّين، وعلماء الدّين. حسناً، [ما قلتُه] هو من باب المقارنة مع ملاحظة الفارق.
تَمَوضُعُ «النّهضة» من الأساس، كان تَموضُعاً معادياً للدّين، وللكنيسة، وعليه، فقد أُسِّس على ركيزة «الأنْسَنة» والـ «أومانيزم‌«. وبعد ذلك، أُقيمت جميع الحركات الغربيّة على أساسٍ من «الأَنسنة»، وحتّى يومنا هذا.
الرّكيزة الأساسيّة هي «الأنسَنة» أو «الأومانيزم»، على الرّغم من جميع الفوارق التي طرَأتْ، أي أنّ الرّكيزة هي الكُفر، والشِّرك، وسأُشير إلى ذلك لاحقاً إذا اتّسعَ المجال. ما حصلَ هناك، انتقلَ إلى هنا، كما هو.

تَمَوضُعُ «النّهضة» في أوروبا كان من الأساس تَموضُعاً معادياً للدّين، وللكنيسة، وأُسِّس على ركيزة أنّ الإنسان هو محور الوجود، أي أنّ الرّكيزة هي الكفر، والشِّرك.


أنتم ترون أنّ الكُتّاب، والمثقّفين، ورجالَ السياسة، وحتّى رجال الدِّين الذين يُحاكون المثقّفين، يكرّرون -في معرض الكتابة عن الثورة الدستوريّة- كلامَ الغربيّين إيّاه. لا يعدو الأمرُ هذا. ولأجل ذلك لم تتحقّق الولادة [الإبداع].
تأمّلوا، هذه هي ميزة الفكر المقلِّد. لا معنى للإبداع عندما تنسخون عن الآخر ما عنده لتقرأوه وتعملوا بموجبِه. نعم، يتحقّق الإبداع وتُبادرون إلى العمل، عندما لا تأخذون منه العلم، والحافز، والفكر، والمُثُل.
لكنّ هذا لم يحصل، فلم يتحقّق الإبداع. ولم يجدَّ أيُّ جديد -لا قولاً جديداً، ولا فكراً جديداً، ولا منظومة جديدة على غرار منظومات الأفكار عند الغربيّين- في مجالات الحريّة.
ثمّة منظومة فكريّة خاصّة بالحريّة عند كثيرٍ من المفكّرين الغربيّين. النّقد الذي طالَ اللّيبرالية القديمة، والنّقد الذي طالَ لاحقاً النُّسَخ الجديدة من اللّيبرالية، واللّيبرالية الديمقراطية، وما ذكروه -بعد اللّيبرالية- في القرنَين السادس عشر والسابع عشر، كلٌّ منها يُعَدُّ بنفسِه منظومةً فكريّة، لها مَطلع، وختام، وتُجيب عن أسئلة كثيرة.
لكنّنا لم نعمَد إلى إقامةِ واحدةٍ من هذ [المنظومات] في بلادنا، على الرّغم من وفرة مصادرنا، فنحنُ -كما أشار الأعزّاء- لا نفتقرُ إلى المصادر، ويُمكننا -حقّاً- إقامة منظومة فكريّة متكاملة ومدوّنة حول الحريّة، تُجيبُ عن جميع الأسئلة المتعلّقة بها، كبيرِها وصغيرِها. طبعاً هذا العمل يحتاج إلى همّة، وليس عملاً سهلاً. نحن لم نفعل ذلك.
نحن -وعلى الرغم من حيازتنا للمصادر- عمَدنا إلى ما عندهم من منظومات فكريّة واستورَدناها. كلٌّ حسبما أُتيحَ له، فمَن كان على صِلَةٍ بالنّمسا، أخذَ ما قالَه العالم النّمساوي، ومَن كان يُجيد الفرنسيّة، أخذَ عن المتكلِّم في فرنسا، ومَن كان مرتبطاً بأنكلترا أو ألمانيا قلَّد ما قالَه المتكلّم الأنكليزي أو الألماني، فصارَ مقلِّداً.
أمّا المعارضون فعُدّوا معارضين للحريّة، وفي الحقيقة أنّهم لُدِغوا من هذا الجُحر -كِلا الفريقين لُدغوا من جُحرٍ واحد- فالمعارضون انبروا للمواجهة عندما رأوا أنّ ما يُقال معادٍ للدّين ولله تعالى.
نحن اليوم نعاني من نَقص، ومن فراغات كبيرة، والتصدّعات الموجودة كثيرة، فليس لدينا منظومة فكريّة، على الرّغم من حيازتنا للمصادر.
في رأيي، أنّ الدكتور بَرْزِكَر، هو الصّديق الوحيد الذي عرض -إذا لم أكن مُخطئاً- منظومة، في جَمعنا اليوم. قد تَرونَها ناقصة، وقد تكون كذلك، لا كلامَ في هذا.
علينا أن نتجّهَ صوبَ «إقامة المنظومات»، أي أن نرصفَ القطعاتِ المتعدّدة لهذه الأحجيّة في مكانها، وأن نرسمَ صورةً متكاملة، هذا ما نحتاجُه. وهذا العمل ليس عملاً [ضئيلاً]، ولا ينقضي بجلسة أو اثنتَين، بل هو عملٌ جَماعيّ، ويتطلّب تمكُّناً من المصادر الإسلاميّة [إحاطةً بها] وأيضاً من المصادر الغربيّة، وهذا ما سأذكرُه.

الحريّاتُ الفرديّة والاجتماعيّة، غير الحريّة المعنويّة بقسمَيها

سوف أذكر نقطتَين أو ثلاث. النّقطة الأولى هي تحديدُ الموضوع. لاحظوا! الأعزّاء أشاروا هنا إلى «الحريّة المعنويّة».
«الحريّة المعنويّة» بمعناها الوارد في رواياتنا، وبما أشار إليه بعضُ مفكِّرينا مثل المرحوم الشهيد مطهّري هي من أرقى الفضائل الإنسانيّة -لا شكّ في ذلك- لكنّها ليست موضعَ بحثِنا.
ليس بحثُنا عن الحريّة المعنويّة بما هي سلوكٌ إلى الله، والقُرب منه تعالى، والمضيّ قُدُماً في صراط التّوحيد، ما أثمرَ أُناساً مثل المولى حسين قُلي الهمداني، والمرحوم السيّد القاضي، أو المرحوم السيّد الطباطبائي. بحثُنا عن الحريّات الاجتماعيّة والسياسيّة، فالحريّات الفرديّة والاجتماعيّة هي القضيّة المطروحة اليوم في العالَم.
قد يكون عندنا أيضاً مائة مسألة أخرى لا علمَ للغرب بها أبداً، من قبيل السّلوك المعنوي وشِبهه. حسناً، هذه نبحثُها في محلّها.
ما نحن بصدده، هو الحريّة بمعناها المتداول والمعتمَد في أبحاث المؤسّسات الجامعيّة والسياسيّة والثقافيّة المعاصرة. هذا ما نريدُ أن نبحثَ فيه.
الحريّة المعنويّة بما هي سلوك إلى الله، وقرب ونظر وحبّ له تعالى، هي موضوع مختلف ومقرّر في محلّه.
ثمّة حريّة أخرى، ويُمكن اعتبارها - بمعنًى من المعاني- حريّةً معنويّة، وهي التّحرّر من براثن العناصر الذاتيّة التي تَحول دون أن نعملَ بحريّة في المجتمع، أو أن نفكّر بحريّة، مثل الخوف من الموت، والخوف من الجوع، والخوف من الفقر.
القرآن الكريم أشار إلى هذه المخاوف: ﴿ ..فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ .. ﴾ المائدة:44، ﴿..فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ آل عمران:157، ويخاطب رسولَ الله صلّى الله عليه وآله: ﴿..وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ..﴾ الأحزاب:37.
[ومنها]: الخوف من فقدان الامتيازات (المنافع). افرضوا أنّ لنا امتيازاً ما في مؤسّسة ما، لكنّنا سنفقدُه إذا ما تكلّمنا، أو كنّا أحراراً، أو إذا أمرنا بالمعروف ونَهينا عن المنكر.
أو الطّمع. لأنّني أطمع فيكَ أنت بِصفَتِك صاحبَ قدرة، فالطّمع يمنعُني من الإشارة إلى عيوبك، ويحول دون أن أكون حرّاً في تعاملي معك.
أو الحسد، أو التّعصّب الخاطىء وغير المبرّر، أو التحجّر، هذه كلّها عناصر ذاتيّة، يُمكن تسميةُ التحرّرِ منها بـ «الحريّة المعنويّة».
لذا، فإنّنا أمام مصطلحَين في باب «الحريّة المعنويّة». الأوّل هو بمعنى العروج إلى الله، وحبّه والقُرب منه تعالى، ونظائرها، وهذا المعنى ليس داخلاً في بحثنا البتّة، إنّه موضوعٌ آخر.
الثّاني، هو الحريّة المعنويّة بمعنى التحرّر من القيود والمُثبّطات الذّاتية، تلك التي تمنعُني من الخروج إلى الجهاد، تمنعُني من النّضال، تمنعُني من التكلّم بصراحة، والتعبير عن مواقفي بوضوح، فأُبتلى جرّاء ذلك بالنّفاق، والازدواجيّة. هذا هو البحث الذي يُمكن طرحُه في معرض مواجهةِ موانع الحريّة.

معرفةُ رأي الإسلام

النّقطة الثّانية هي أننا نريد الوقوف على رأي الإسلام. لسنا نجاملُ أحداً. لو شِئنا أن نتّبعَ الآراء المجانبة للإسلام -أي ما يختمر وينمو في أذهاننا- فسوف نُبتلى بالاضطراب الذي ابتُلي به المفكّرون الغربيّون في مجالاتٍ متعدّدة، فقد ابتُلوا في الفلسفة، وفي الأدب، والفن، والقضايا الاجتماعيّة. وغالباً لا يكون لهذه الآراء بعدٌ عمليّ. كلا، نحن بصدد أن نقفَ على رأي الإسلام.
لاحظوا أنّنا في معرض البحث عن [مفهوم] الحريّة نرسمُ لأنفسِنا أوّلَ حدّ. ما هو هذا الحدّ؟ إنه عبارة عن تقيُّدنا [حصراً] برأي الإسلام، وبالإطار الإسلامي، لأنّنا بصَدد الوقوف على رأي الإسلام. هذا هو الحدُّ الأوّل. في بحث الحريّة علينا أن لا نخاف من الحدّ.
عندما يُقال حريّة، فإنّها في معناها الأوّلي -الذي يتحدّد بالحَمْل الأوّلي الذّاتي- تعني التحرُّر. ومَن يريد أن يبحثَ في [موضوع] الحريّة، كأنّه يستثقلُ كلَّ ما له أدنى منافاة مع هذا التحرّر، أي أنّه يبحث عن الاستثناء. فالقاعدة [عنده] هي التحرّرُ المطلَق، وهو يبحثُ عن «إلّا ما خرجَ بالدّليل» الخاصّ بهذه القاعدة، ليقولَ لا حريّة في هذا أو ذاك من المجالات، ومتّى تجاوَزنا هذه [الاستثناءات] تتحقّقُ الحريّة. هذا خطأٌ قد يرتكبُه الإنسان في مبحث الحريّة.
أنا أقول لكم إنّ الأمر ليس كذلك. لا فرضيّة مسبَقة -منذ البداية- نُعطَى بموجبها الحريّة المطلَقة. والآن سأذكر ما هو منشأ الحريّة في الإسلام. لا فرضيّة مسبقة عندنا في أنّ الحرية حقٌّ مطلَق للإنسان، خاصّة به، أو أنّها قيمة له. لنُفتّشَ من ثمّ عن الاستثناءات، وعن «إلّا ما خرجَ بالدّليل». كلّا، ليس الأمر كذلك.
علينا أن لا نخشى من الحدّ. كما ذكرت سابقاً، فإنّ أوّل حدٍّ -عندما نبحثُ موضوع الحريّة في الإسلام- هو قولُنا «الإسلام»، أي أنّنا منذ البداية نرسم إطاراً، ونحدُّ البحثَ بحدود، فنسأل ماذا تعني الحريّة في الإسلام؟ هذا حدٌّ بذاته. وبحثُنا -بالأساس- هو هذا.
في الآية المعروفة من سورة الأعراف المباركة، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..﴾ الأعراف:157.
هذه أوضحُ آيةٍ في القرآن الكريم حول الحريّة. أي أنّه صلّى الله عليه وآله ينزعُ «الإصْر». و«الإصر» من «الأواصر» وهي الحبالُ التي تُربَط بقوائم الخيمة كي لا تقتلعَها الرّيح، أي أنها تُثبتها بالأرض. [كما في قوله تعالى]: ﴿..أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ..﴾ الأعراف:176. هذا إخلادٌ إلى الأرض [الرّكون إلى الأرض ظانّاً أنّه يخلَّد فيها]. أواصرُنا نحن، هي الأشياء التي تُثبتنا بالأرض وتمنعُنا من التّحليق. و«الغِلّ» معروف، الأغلال هي الأصفاد، ورسولُ الله صلّى الله عليه وآله جاء لينزعَ الأصفاد والسّلاسل.
في الآية نفسها، وقبل قوله تعالى: ﴿.. وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ..﴾ الأعراف:157، يقول تعالى: ﴿..وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ..﴾ الأعراف:157.
حسناً، ما معنى الحلال والحرام؟ الحلال والحرام ترسيمٌ لحدّ. مَنْعٌ. تُصاحبهما الممنوعيّة. [لذلك] علينا أن لا نأبى وجودَ الحدِّ والمنع في أذهاننا، عندما نبحثُ في موضوع الحريّة.
قال بعضُ السّادة إنّ هناك فروقات جوهريّة بين الرؤية الإسلاميّة والنظرة الإسلاميّة للحريّة وتلك الغربيّة، وخصّصوا الحديثَ عن اللّيبراليّة الغربيّة، طبعاً هناك مدارس أخرى، لكنّها جميعاً تشترك في هذا الجانب.
نعم، صحيح. الفروقات التي تحدّث عنها السّادة موجودة، لكنّ أهمّها هو أنّ نشأة الحريّة -بوصفها حقّاً أو قيمة- عند اللّيبراليين كانت من الفكر ذي النّزعة البشريّة (الأَنْسَنة أو الأومانيزم)، ولا معنى لذلك من دون «الاختيار»، فوجب أن يكون الإنسان مختاراً وحرّاً.
طبعاً، «الاختيار» هنا هو غيره المذكور في «الجبر والاختيار»، وهذا الأخير تحدّث عنه بعض السّادة أيضاً. المقصود من «الاختيار» في «الجبر والاختيار» هو أنّ الإنسان -ذاتاً وتكويناً- «قادرٌ على الاختيار»، لكنّ كلامنا عن «الاختيار» هنا، معناه أن للإنسان «حقّ الاختيار».

لا فرضيّة مسبَقة -منذ البداية- نُعطَى بموجبها الحريّة المطلقة. في الإسلام، التّوحيد هو الرّكيزة الأساسيّة لحريّة الإنسان. الحريّة هي الكفر بالطّاغوت والإيمان بالله تعالى. أي التّحرّر من جميع القيود، ومن ثمّ العبوديّة لله عزّ وجلّ.

لا وجودَ لِتَلازمٍ قطعيٍّ وأكيد بين «القدرة على اختيار الحقّ» و«حقّ الاختيار». طبعاً يُمكننا أن نفترضَ تلازماً ما بينهما، لكنّ ذلك لن يكون مقنعاً بالضّرورة.
إذاً ما يقولونه هو التالي: الإنسان هو المحوَر، وفي الواقع [هم يقولون] إنّه إله عالَم الوجود، ويستحيلُ وجودُه مجرّداً من الإرادة والاختيار، أي أنّه لا يسَعنا تصوّرُ كوْن الإنسان قابضاً على زمام عالَم الوجود من غير أن يُعملَ إرادته فيه، وإعمالُ الإرادة هو معنًى آخر من معاني الحريّة. هذه هي ركيزةُ مبحث الحريّة عندهم، وهذا هو أُسُّ فكر «الأومانيزم» حول الحريّة. في الإسلام، القضيّة تفترق كليّاً.
في الإسلام، التّوحيد هو الرّكيزة الأساسيّة لحريّة الإنسان. طبعاً، ذكر الأعزّاء مواردَ أخرى، وهي كلُّها صحيحة، لكنّ التوحيد هو النقطة الجوهريّة. لا يقتصرُ التوحيد على الاعتقاد بالله، وإنّما هو اعتقادٌ به تعالى، وكفرٌ بالطّاغوت. عبوديّة لله، وعدم العبوديّة لغيره تعالى. ﴿.. تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا..﴾ آل عمران:64. لم يرِد في الآية «لا نشركَ به أحداً» -طبعاً، لفظ «أحداً» ورد في موارد أخرى- لكنّ الكلام هنا أعمّ. يقول تعالى: ﴿.. وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا..﴾ آل عمران:64، أي أن لا نُشركَ أيَّ شيء مع الله تعالى.
أي أنّ اتّباعَكم لعاداتٍ لا دليلَ عليها [على صحّتها] منافٍ للتّوحيد. كذلك هو اتّباعكم للآدميّين، وللنُّظم الاجتماعيّة، ما كان منها غير متّصلٍ بالإرادة الإلهيّة، هذه كلُّها شِركٌ بالله تعالى، والتّوحيد هو الإعراضُ عن هذا الشّرك. ﴿.. فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى..﴾ البقرة:256. ثمّة كفرٌ بالطّاغوت، يليه الإيمانُ بالله تعالى.
حسناً، هذا بمعنى الحريّة التي نبحثها. أي أنّكم متحرّرون من جميع القيود، ما خلا العبوديّة لله تعالى.
(أنا العبد) تحدّثت قبل سنوات في «صلاة جمعة طهران»، في عشرة أو خمس عشرة خطبة عن بحث الحريّة، وأشرتُ هناك إلى فكرة، وقلت إننا -في الإسلام- نعتبرُ أنفسَنا عبيداً لله تعالى، لكنّ أتباع بعض الدّيانات يعدّون أنفسهم أبناء الله. قلت إنّ هذا كلام مجاملة، [يقولون] إنّهم أبناء الله، لكنهم عبيدٌ لآلافٍ من البشر، عبيدٌ لآلافِ الأشياء والأشخاص. الإسلام لا يقولُ ذلك، بل يقول: كُن ابنَ من شئت، ولكن كُنْ عبدَ الله وحدَه، ولا تَكن عبداً لغيرِه تعالى. جلُّ المعارف الإسلاميّة في باب الحريّة تدور حول هذه النقطة.
الحديثُ المعروفُ المَروي عن أمير المؤمنين عليه السلام، ويبدو أنّه رُوي أيضاً عن الإمام السجّاد عليه السلام، وفي ذهني أنّه مرويٌّ أيضاً عن الإمام الهادي عليه السلام، يقول: «أَلَا حُرٌّ يَدَعُ هَذِه اللُّمَاظَةَ لأَهْلِهَا؟». هذه هي الحريّة.
[معنى الحديث]: ألا يُوجد إنسان حرّ يرمي هذا المَتاع الحقير، اللّماظة -وهي السّوائل التي تسيلُ من فَم أو أنف الحيوان الوضيع- أمام أهلِه؟
حسناً، لم يتّضح المعنى حتّى الآن. ما اتّضحَ هو أنّ الحرَّ شخصٌ لا يطلبُ اللّماظة، بل يتركُها ويرميها أمام أهلها. ثمّ يقولُ عليه السلام: «فَلَيْسَ لأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّة، فَلَا تَبِيعُوهَا بغَيرِها». الجنّة وحدَها ثمنُ أنفسكم.
يتّضح الآن أنّهم أرادوا أن يبيعوا اللُّماظة، أي أنّهم يمنحون اللّماظة ويأخذون لقاءَها نفْسَ الإنسان، وكيانَه، وهويّتَه وشخصيّتَه. ثمّة معاملة [تجاريّة] هَهنا، و[الحديث الشريف] ينهى عنها، و[يقول]: إذا كنتم بصددِ المقايضة، فلماذا تمنحون أنفسَكم لقاء هذه اللّماظة؟ لا تمنحوها إلّا لقاء الجنّة والعبوديّة لله تعالى. هذه هي النّقطة المركزيّة. وثمّة نقطة مركزيّة أخرى، هي عبارة عن الكرامة الإنسانيّة، ويُشير إليها قولُه عليه السلام: «فَلَيْسَ لأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّة»، ولن نخوضَ الآن في هذا النقاش.
النّقطة الثّالثة، هي أننا في تمسُّكنا بالمصادر الإسلاميّة -يوجد عدد كبير من المصادر القرآنيّة وغير القرآنيّة والروائيّة كما أشار بعض السّادة، وأنا العبد أيضاً كان أُتيح لي الوقت والفرصة، وكنت بحثت وَوجدت [مجموعة من العناوين]، وكنت أقرأُها في صلاة الجمعة، ضمن سلسة الخطَب التي أشرتُ إليها- لا يجوز أن نقصرَ هدفَنا على إثبات أنّ بحثَ الحريّة ليس هديّةً من الغرب ومن أوروبا لنا.
لأنّنا أحياناً نستفيد من [مصادرنا] في هذا المجال، فنسأل: لماذا يقول المتأثّرون بالغرب إنّنا تعلّمنا هذه المفاهيم من الأوروبيّين؟ [ثمّ نُجيب]: كلا، لقد بحث هذه المسائل كُبراءُ الإسلام قبل طرحِها في أوروبا بقرون. حسناً، هذه فائدة، لكنّها ليست الوحيدة. علينا أن نرجعَ إلى المصادر لكي نتمكّنَ من استلهام تلك المنظومة الفكريّة من مجموعها.


«بحثُ الحريّة» وفقَ أربع رُؤى


النّقطة الرّابعة هي أنّنا نستطيعُ أن نبحثَ موضوع الحريّة وفقَ أربع رُؤى. إحداها بلحاظ كوْن الحريّة «حقّاً». و«الحقّ» هنا بالمصطَلح القرآني، لا بالمصطَلح الفقهي والحقوقي. وسأوضح ذلك بشكلٍ مقتضَب.
والثّانية بلحاظ كونها «حقّاً» بالمصطلح الفقهي والحقوقي. أي الحقّ قبالة المُلك.
الثّالثة بلحاظ كوْنها «تكليفاً»، والرّابعة بلحاظ كوْنها قيمة، وفق النّظام القيَمي [في الإسلام].
وفي رأيي أنّ أهمّ هذه الأبحاث هو الأوّل منها، أي أن نبحث «الحريّة» من منظار «الحقّ» في المصطلح القرآني.
مصطَلح «الحقّ» في القرآن -ربّما تكرّر لفظ «الحقّ» في القرآن الكريم أكثر من مائتَي مرّة. وهذا أمرٌ عجيبٌ جدّاً- له معنًى عميق ومتّسع، ويسعنا القول -بشكل مجمَل وموجز في كلمتَين تُعطيان معنًى سطحيّاً- إنّه يعنى الجهاز المنظّم والهادف.
يشيرُ القرآن الكريم في آياتٍ عديدة إلى أنّ عالَم الوجود خُلِقَ بالحقّ: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ..﴾ الدخان:39، ﴿خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ..﴾ العنكبوت:44. أي أنّ جهاز عالَم الوجود، وجهاز الخِلقة -ومن جملته الوجود الطبيعي للإنسان، بصرف النّظر عن الاختيار والإرادة فيه- هو جهازٌ قائمٌ ومتكاملٌ (مستوفٍ للشروط اللّازمة) ومترابطٌ بعضُه ببعض، ومنظَّم وهادف.
ثمّ يبيّن القرآن الكريم هذا المعنى نفسَه في باب «التّشريع». ".."
يقولُ الله تعالى في التّشريع: ﴿..نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ..﴾ البقرة:176، ﴿..أرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا..﴾ البقرة:119، ﴿..لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ..﴾ الأعراف:43. هذا الحقّ هو عينُ ذاك الحقّ، هذا في عالم التّشريع، وذلك في عالم التّكوين.
هذا معناه أنّ عالَم التّشريع، متطابقٌ -بحكمة الله تعالى- مائة بالمائة مع عالم التّكوين. وإرادةُ الإنسان [وإن كانت] قادرةً على التخريب في جوانبَ منه، ولكن بما أنّه متطابقٌ مع عالم التكوين، ومسراه مَسرى الحقّ -أي أنّ الحكمة الإلهيّة اقتضتْ ما ينبغي أن يكون- فإنّ الغلَبة في النهاية ستكون لتلك الحركة العامّة والكليّة على جميع هذه الأعمال الجزئيّة بما هي تجاوُز وتخلُّف وانحراف عن هذا الطريق. نعم. قد تحدث انحرافات.
هذا عالَم التّكوين، وهذا عالَم التّشريع. إرادةُ الإنسان هي إحدى موادّ هذا العالم، وحريّتُه هي إحدى موادّ هذا التّشريع؛ لذا فإنّ هذا حقّ. من هذا المنظار يجب أن ننظرَ إلى قضيّة الحريّة، أي أنّها حقٌّ في مقابل الباطل.
ونظرة أخرى هي بلحاظ كوْنها «حقّ» بالمصطَلح الحقوقي. قلت إنّ هذا يمنحُ الإنسانَ القدرةَ على المطالبة -أي أنّه مؤهّلٌ بحيث يُمكنُه المطالبة بشيء محدَّد- وهذا يختلف عن حقّ الاختيار في «الجبر والاختيار».
ونظرة أخرى من باب كوْنها تكليفاً. يجب أن ننظرَ إلى الحريّة على أنّها تكليف. ليس لنا أن نقول إنّ الحريّة شيء جيّد وحَسَن، لكنّنا لا نريد هذا الشيء الجيّد. كلّا! لا يصحُّ ذلك. يجبُ على الإنسان أن يسعى إلى الحريّة، سواءً حريّته هو، أم حريّة الآخرين. يجب أن لا يسمحَ بأن يبقى أحدٌ مستضعَفاً، وذليلاً، ومهيَمناً عليه. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «لا تَكُنْ عَبدَ غَيرِكَ وقَد جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً». وفي القرآن الكريم قولُه تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ..﴾ النساء:75. أي أنّكم مأمورون بأن توفّروا الحريّة للآخرين، ولو بالقتال. وهَهنا أبحاث متعدّدة.
النّقطة الرّابعة هي «القيمة». تُعدُّ الحريّة في النّظام القِيمي الإسلامي من مفردات الصفّ الأوّل. طبعاً الحريّة بالمعنى [الذي بحثناه].

الحريّة حقٌّ تكوينيّ وتشريعيّ في مقابل الباطل. وهي تكليفٌ إلهيّ، ويجبُ علينا أن نسعى إلى تحقيق الحريّة لأنفسنا وللآخرين، ولو بالقتال.


موقفُنا من الحريّة في الغرب، ونماذجُ منها


حسناً. فَلْيَكن ختامُ كلامي - ونحن نبحثُ في قضيّة الحرية ونحقِّق ونمضي قُدُماً فيها- حول موقعِنا [وموقفنا] من الآراء الغربيّة. هذه نقطة أساسيّة.
حسناً. الأبحاث التي قدّمها السّادة والسّيدات، تدلُّ كلُّها على أنّ هوّةً عميقةً تفصلُ بين الرّؤية الإسلاميّة وتلك الغربيّة. وهذا صحيح. الأمر كذلك.
منشأُ الخلاف الأساسي -كما قلنا- هو أنّ الملاك والمعيار عندهم هو بحثُ «سيادة الإنسان»، وعندنا بحثُ «سيادة الرّبّ»، العبوديّة لله، توحيده تعالى. هذا مقرّرٌ في موضعه.
تارةً ننظرُ إلى الآراء الغربيّة، فنرى أنّها لم تنتَهِ إلى خلاصات (نهايات) جيّدة. هذا هو واقعُ الأمر لا غير. فقد تكلّم في الحريّة جميعُ مفكّريهم المبرّزين وكبراؤهم -كانط وغيره- وقدّموا مسائلَ فيها، فأين هي الآن؟ أيُّ مكانٍ من عالم الغرب تتطابقُ أفعالُ [أهله] مع ما قالوه هم [المفكّرون] ومع ما أرادوه؟
لا أثرَ للحدود التي رَعاها ولحِظَها أولئك [المفكّرون]. وإذا فرضنا أنّ ما نراه في واقع عالم الغرب، هو عينُ التطبيق العملي لِما أرادَه المفكّرون، فإنّ حالَ المفكّرين كان وخيماً للغاية. لأنّ واقع الغرب اليوم -على مستوى الحريّة- واقعٌ سيّئٌ ومؤسِفٌ للغاية، ولا يحتملُ الدفاعَ عنه بوجهٍ من الوجوه.
الحريّة الاقتصادية في الغرب، هي اليوم على النّحو الذي أشارَ إليه السّادة. في المجال الاقتصادي يُهيمن أشخاصٌ معدودون على المراكز الاقتصاديّة. وإذا استطاعَ أحدُهم أن يُلحقَ نفسه -بالدّهاء أو بالاحتيال أو بأيّ شكلٍ آخر- بنادي المقتَدرين اقتصاديّاً، فسوف يصبح كلُّ شيء ملكاً له.
طبعاً، في الولايات المتّحدة لا يعبَأون بالتاريخ «النّبيل» [الأرستقراطي] للفرد، خلافاً لأوروبا وتقاليدها حيث يُولون هذه المسائل أهميّة ما، وفي الماضي أكثر من الحاضر. [لا اعتبار] في الولايات المتّحدة للسابقة الأرستقراطيّة والعائلية وما شابهَهما. فإذا تمكّن أيٌّ كان -ولو حمّال- من اقتناصِ فرصة والارتقاءِ إلى ذروة الرأسماليّة، فسوف يُصبح في مصافّ الرأسماليّين، ويحظى بالامتيازات الخاصّة بهم.
في «المنشور» الذي أعدّه الأميركيّون، يقول أحدُ كُبرائهم وروّادهم ومؤسِّسي أميركا الحديثة -كان قبل مائتَي سنة، ولا أذكر الآن أيّهم القائل، تقريباً قبل الثورة الفرنسيّة الكبرى بقليل، حيث وقعتْ تلك الحوادث، وتأسّست دولة أميركا- يقول: إنّ إدارة أميركا يجب أن تكون في أيدي القابضين على ثرواتها.
هذا أصلٌ كلّيّ. وهم لا يتورّعون في ذلك. ثروةُ البلاد بيَد هذه الجماعة، يجب -إذاً- أن تحكمَ البلادَ هذه الجماعة. وهذا هو النّقيضُ الصّريح لما يريدُ أخونا العزيز أن يبنيه عن طريق «التّعاونيّات»، بحيث يكون للجميع حقُّ الإدارة، ولو كانوا يمتلكون سَهماً واحداً. حسناً. هذه هي الحريّة الاقتصاديّة عندهم.
في المجال السياسي أنتم تشاهدون «لعبة التّنافس بين حزبَين» وقد احتكرا المشهدَ السياسي. وبالتّأكيد فإنّ أتباعَ هذه الأحزاب [في الدول الغربيّة]، يقلُّ تعدادُهم بكثير عن واحد بالمائة [من مجموعة سكّان الدولة].
أساساً، لا امتدادَ حقيقيّاً وواقعيّاً لهذه الأحزاب في صميم المجتمع. واقعُ الأمر أنّها نوادٍ تجتمعُ فيها مجموعة [من النّاس]. وأولئك الذين يُدلون بأصواتهم، إمّا أنّهم خدَعتهم الشّعارات، أو أنّهم تحت تأثير هيمنة وسائل الإعلام، وهي في الغرب متمكّنة ومتطوّرة جدّاً، لا سيّما في أميركا، وبيننا وبينهم -في واقع الأمر- مثل ما بين الأرض والسّماء لناحية القدرة على التّرويج، وقلْب الحقائق -إرائة الأسود أبيضاً، والأبيض أسوداً- فإنّهم ذَوو خبرة ومتقدّمون جدّاً في هذه المجالات. هذه هي أدواتهم لجرِّ الناس.
وفي مجال القضايا الأخلاقيّة عندهم الشّذوذ الجنسي الذي تحدّثت عنه أختُنا العزيزة، وغيره من المفاسد الموجودة عندهم. طبعاً، ثمّة قيود ما زالت موجودة. لكنّ المرء يخمّن أنّ هذه القيود سرعان ما سوف تتلاشى، أي الزّنا بالمحارم.
وفقَ منطقِهم، لا يجوزُ أن يُمنَع ذلك. فإذا افترَضنا أنّ رغبةَ الإنسان هي الملاك والمجوّز في قضيّة الشذوذ الجنسي، وفي الحياة المشتركة من غير زواج، فماذا لو رغبَ أحدُهم أن يرتكبَ هكذا فجور مع بعض محارمه؟ لِمَ يُمنَع ذلك؟ أقصد أنّه لا منطقَ في المنع [وفق القاعدة التي اعتمدها الغربيّون]. لذا، وَجَرْياً على القاعدة التي عندَهم، فإنّ هذه الموانع سوف ترتفع، سوف يُسلَبون هذه الموانع.
بناءً عليه، فإنّ واقع المجتمع الغربي، واقعٌ رديء، مرير، قبيح، وفي جوانب منه يبعثُ على الاشمئزاز. لا عدالة، لا شيء، [بل] عندهم التّمييز العنصري، ومنطق القوّة.

واقعُ المجتمع الغربي -الذي أكثَرَ فلاسفتُه الكلامَ عن الحريّة- واقعٌ رديء، مَرير، قبيح، وفي جوانب منه يبعثُ على الاشمئزاز. لا عدالةَ فيه، بل تمييزٌ عنصريّ، ومنطق القوّة.
إنّهم يُشعلون الحروب من أجل أن تحقّق مصانعُ الأسلحة أرباحاً، ويُقاربون المفاهيم السّامية بطريقة غير أخلاقيّة.


على مستوى القضايا العالميّة، يُشعلون الحروب من أجل أن تُصيبَ مصانعُ الأسلحة مالاً وربحاً. يُشعلون حرباً بين شعبَين من أجل أن لا يُفلِسَ ذلك المصنع! يعمدون إلى دول الخليج الفارسي فيُخيفونهم من الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة لأَجل أن يبيعوا طائرات الفانتوم والميراج. هذه الأعمال تتمُّ بشكلٍ دائم.
يقاربون المفاهيمَ السّامية -مثل مفهوم حقوق الإنسان، أو مفهوم سيادة الشعب- مقاربةً انتقائيّة. يُقاربون هذه المفاهيم بطريقة سيّئة جدّاً وغير أخلاقيّة. وعليه، فإنّ حالَ الحقائق المعاصرة في حياة الغرب -وهو الغرب الذي أكثَرَ فلاسفتُه الكلامَ في الحريّة- هو في الواقع حالٌ رديءٌ جدّاً.
أحد أساليب التّعامل مع النّظريّات [الغربيّة]، هو أن يطّلعَ الإنسان عليها، ويرفضَها من ثمّ [بالكامل].
أنا العبد أعتقد أنّه يجب ألّا تُعتَمد هذه النّظرة بشكل مطلَق. نعم. هذه الحقائق تدلُّ إلى حدٍّ كبير أنّ أولئك المفكّرين ابتعدوا عن الله تعالى، واستَغنوا عن الهداية الإلهيّة، واعتمدوا على أنفسهم لا غير، فابتُلوا [نتيجة ذلك] بالضّلال، أضلّوا أنفسهم، وأضلّوا أقوامَهم أيضاً، حوّلوا أنفسَهم إلى جهنميّين، وكذلك فعلوا بأقوامهم. لا شكّ في ذلك.
لكنني أفكّر على النّحو التّالي: إنّ اطّلاعنا على آراء المفكّرين الغربيّين -بتضارب الآراء في ما بينهم، وبسَبقهم الزّمني في مجال طرح الأفكار، والمنظومات، وتصنيف الموضوعات جنباً إلى جنب- سيكون مفيداً لمفكّرينا، ولكن بشرطٍ واحد، وذلك الشّرط هو عدمُ التّقليد. لأنّ التّقليدَ مُنافٍ للحريّة. يجب أن لا يكون هناك تقليد، ولكن أسلوب عملِهم يُمكن أن يكونَ مساعداً لكم.
كنتُ دوّنتُ كلماتٍ أخرى، لكنْ تأخّرَ الوقتُ كثيراً، لا سيّما بالنسبةِ لي أنا العبد، فلا أبقى بحسب العادة مستيقظاً إلى هذا الوقت. لكنّ حضور السّادة المحترمين، والأخوات والأصدقاء الأعزّاء يبعثُ في الإنسان نشاطاً يدفع عنه النّوم. قال [الشاعر]: «سوف تَصل إلى الحبيب عندما تهجر نومَك وطعامَك». ما حصل هو أنّ «نومك» قد تأخّر اللّيلة، وأمّا «طعامك» فنحن في خدمة السّادة، إنْ شاء الله تعالى

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخبار مرتبطة

  شعائر العدد الرابع و الثلاثون-شهر ربيع الأول 1433 -كانون الثاني/ شباط 2013

شعائر العدد الرابع و الثلاثون-شهر ربيع الأول 1433 -كانون الثاني/ شباط 2013

نفحات