صاحب الأمر

صاحب الأمر

منذ أسبوع

الغيبة الصغرى، دليلٌ قطعيٌّ على وجود الإمامعليه السلام


روايةُ البخاريّ عن الأئمّة الاثنَي عشر، سبقت اكتمالَ مضمونِها
الغَيبة الصّغرى، دليلٌ قطعيٌّ على وجودِ الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف
ـــــ الشّهيد السّيّد محمّد باقر الصّدر قدّس سرُّه ـــــ

يؤكّد الشّهيد السيّد محمّد باقر الصّدر أنَّ فكرة «المهديّ» بِوَصفه القائد المُنتَظَر لتغيير العالَم، هي من المسلّمات التي لا يرقى إليها الشّكّ، فالأخبارُ الواردةُ في هذا الباب من طُرُق المسلمين السُّنّة والشّيعة تجاوزت السّتّة آلاف رواية، وهو رقمٌ لا يتوفُّر نظيرُه في كثيرٍ من قضايا الإسلام البديهيّة.
وأمّا تجسيدُ هذه الفكرة في الإمام الثّاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهم السلام، فيُمكن الاستدلال عليها بطريقَين -يقول الشّهيد الصّدر- أحدُهما «إسلاميّ»، والآخر «تاريخيّ»، يريدُ به الوقائعَ والحوادثَ التي لا سبيلَ لنُكران وقوعِها.
هذا المقال، من دراسةٍ له قدّس سرّه نُشرت سنة 1416 للهجرة، في كتابٍ حمل عنوان (بحثٌ حول الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وهي في الأصل مقدّمة لـ (موسوعة الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف) من تأليف آية الله السيّد محمّد الصّدر رحمه الله.


..بالدّليل الإسلاميّ نُثبتُ وجودَ القائدِ المُنتَظَر. وبالدَّليلِ التّاريخيّ نُبرهنُ على أنَّ «المهديَّ» ليس مجرَّد أسطورةٍ وافتراض، بل هو حقيقةٌ ثَبتَ وجودُها بالتّجربة التّاريخيّة.
أمّا الدَّليل الإسلاميّ: فيَتمثَّل في مئات الرِّوايات الواردة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله والأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، والَّتي تدلّ على تعيين «المهديّ» وكَوْنِه من أهل البيت، ومِن وُلْدِ فاطمة عليها السلام، ومن ذُرِّيَّة الحسين عليه السلام، وأنَّه التّاسع من وُلْدِه صلوات الله عليه، وأنَّ الخلفاء اثنا عشر.
هذه الرِّوايات تُحدِّد تلك الفكرة العامّة، وتشخيصها في الإمام الثّاني عشر من أئمَّة أهل البيت عليهم السلام، وهي رواياتٌ بَلَغَت درجةً كبيرةً من الكثرة والانتشار، على الرُّغم من تحفُّظِ الأئمَّة عليهم السلام واحتياطِهم في طَرْح ذلك على المستوى العامّ، وقايةً لِلخَلَفِ الصَّالح من الاغتيال أو الإجهاز السَّريع على حياته عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وليست الكثرة العدديّة للرِّوايات هي الأساسُ الوحيدُ لِقَبولِها، بل هناك إضافةً إلى ذلك، مَزايا وقَرائن تُبرهِنُ على صحَّتها، [منها] الحديثُ النّبويُّ الشّريف عن الأئمَّة أو الخلفاء أو الأمراء بعده، وأنّهم اثنا عشرَ إماماً أو خليفةً أو أميراً، على اختلاف مَتْنِ الحديث في طُرُقِه المُختلِفة، وقد أحصى بعضُ المؤلِّفين رواياتِه فبَلَغَت أكثر من مائتين وسبعين رواية، مأخوذة مِن أشهَر كُتُب الحديث عند الشِّيعة والسُّنّة، بما في ذلك البخاريّ، ومسلم، والتّرمذيّ، وأبي داود، و(مسند) أحمد، و(مستدرك) الحاكم على (الصّحيحَين).
ويُلاحَظ هنا أنَّ البخاريّ (ت: 256 للهجرة) الّذي نَقَل هذا الحديث كان معاصراً للإمام الجواد والإمامَين الهادي والعسكريّ، وفي ذلك مغزًى كبير، لأنَّه يُبرهن على أنَّ هذا الحديث قد سُجِّلَ عن النّبيّ صلّى الله عليه وآله قبل أن يَتحقَّق مضمونُه وتَكتَمِل فكرةُ الأئمَّة الاثني عشر فعلاً، وهذا يعني أنَّه لا يوجد أيُّ مجالٍ للشّكِّ في أن يكون نَقْلُ الحديث متأثِّراً بالواقع الإماميّ الاثنَي عشريّ وانعكاساً له، لأنَّ الأحاديث المُزيَّفة التي تُنْسَب إلى النّبيّ صلّى الله عليه وآله، وهي انعكاساتٌ أو تبريراتٌ لواقعٍ متأخِّرٍ زمنيّاً، لا تسبقُ في ظهورِها وتسجيلها في كُتب الحديث ذلك الواقع الذي تشكِّل انعكاساً له.
فما دمنا قد مَلَكْنا الدَّليل المادّيّ على أنَّ الحديثَ المذكور سَبَقَ التَّسلسلَ التّاريخيّ للأئمَّة الاثني عشر، وضُبِطَ في كُتُبِ الحديث قبل تكامُلِ الواقع الإماميِّ الاثنَي عشريّ، أمْكَنَنا أنْ نتأكَّد من أنَّ هذا الحديث ليس انعكاساً لواقعٍ، وإنَّما هو تعبيرٌ عن حقيقةٍ ربّانيَّةٍ نَطَق بها مَن لا يَنْطِقُ عن هوًى، فقال: «إنَّ الخلفاءَ بعدي اثنا عشر». وجاء الواقعُ الإماميُّ الاثنَا عشريّ؛ ابتداءً من الإمام عليّ وانتهاءً بالإمام المهديّ عليهما السلام، ليكونَ التّطبيقَ الوحيدَ المعقول لذلك الحديث النّبويّ الشّريف.

الغَيبة الصّغرى، دليلٌ محسوس

وأمَّا الدَّليلُ التّاريخيّ: فهو يتكوَّن من تجربةٍ عاشَتْها أمَّةٌ من النّاس فترةً امتدَّت سبعين سنة تقريباً، هي فترةُ الغَيْبةِ الصُّغرى. ولِتوضيح ذلك نُمهِّد بإعطاء فكرةٍ موجَزةٍ عن الغَيْبة الصُّغرى.
إنَّ الغَيْبة الصُّغرى تعبِّر عن المرحلة الأولى من إمامة القائد المُنتظَر عليه الصلاة والسلام. فقد قُدِّر له صلوات الله عليه منذ تسلُّمه للإمامة أن يَسْتَتِرَ عن المسرح العامّ، ويظلَّ بعيداً بإسمِه عن الأحداث، وإنْ كان قريباً منها بقلبِه وعقلِه. وقد لوحظ أنَّ هذه الغَيْبة [التّامّة والكبرى] إذا جاءت مفاجِئةً حقَّقت صدمةً كبيرة للقواعد الشّعبيّة للإمامة في الأمّة الإسلاميّة، لأنَّ هذه القواعد كانت معتادةً على الاتِّصال بالإمام في كلِّ عصرٍ، والتَّفاعُل معه والرُّجوع إليه في حلِّ المشاكل المتنوِّعة، فإذا غابَ الإمامُ عن شيعتِه فجأةً، وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الرّوحيّة والفكريّة، سبَّبت هذه الغيبة المفاجِئة الإحساسَ بفراغٍ دفعيٍّ هائل، قد يَعصفُ بالكيانِ كلِّه ويُشتِّت شَمْله. فكان لا بدّ من تمهيدٍ لهذه الغَيْبة، لكي تألَفَها هذه القواعد بالتّدريج، وتُكيِّف نفسَها شيئاً فشيئاً على أساسها، وكان هذا التّمهيد هو الغَيْبة الصُّغرى التي اختفى فيها الإمامُ المهديّ عليه السلام عن المسرح العامّ، غير أنَّه كان دائم الصَّلة بقواعده وشِيعته عن طريق وُكلائه ونوَّابِه والثّقات من أصحابه، الذين يشكِّلون همزةَ الوَصْلِ بينه وبين النّاس المؤمنين بخطِّه الإماميّ. وقد شغل مركز النّيابة عن الإمام في هذه الفترة أربعةٌ ممَّن أجمعت تلك القواعد على تَقْواهُم ووَرَعِهم ونزاهَتِهم، وهم:
1 - عثمان بن سعيد العمريّ
2 - محمّد بن عثمان بن سعيد العمريّ
3 - أبو القاسم الحسين بن رَوح
4 - أبو الحسن علي بن محمّد السّمريّ.
وقد مارس هؤلاء الأربعة مهامَّ النِّيابة بالتّرتيب المذكور، وكلَّما مات أحدُهُم خَلَفَه الآخرُ الذي يليه بتعيينٍ من الإمام المهديّ عليه السلام. وكان النّائبُ يتَّصل بالشِّيعة ويحمل أسئلتَهم إلى الإمام، ويَعرِض مشاكلَهم عليه، ويحَمل إليهم أجوبَتَه شفهيّةً أحياناً وتحريريّةً في كثيرٍ من الأحيان، وقد وَجَدت الجماهيرُ التي فَقَدَت رؤيةَ إمامِها العزاءَ والسَّلوةَ في هذه المُراسلات والاتِّصالات غير المباشرة. ولاحظت أنَّ كلَّ التّوقيعات والرَّسائل كانت تَرِدُ من الإمام المهدي عليه السلام، بخطٍّ واحدٍ وسَليقةٍ واحدة طيلةَ نيابة النُّوّاب الأربعة التي استمرَّت حوالي سبعين عاماً، وكان السُّمريّ هو آخر النّوّاب، فقد أعلن عن انتهاء مرحلة الغَيْبة الصُّغرى التي تتميَّز بنوَّابٍ معيَّنين، وابتداء الغَيْبة الكُبرى التي لا يوجَد فيها أشخاصٌ معيَّنون بالذَّات للوساطة بين الإمام القائد والشِّيعة، وقد عبَّر التّحوُّل من الغَيْبة الصُّغرى إلى الغَيْبة الكُبرى عن تحقيق الغَيْبة الصُّغرى لأهدافها وانتهاءِ مهمَّتها، لأنَّها حصَّنتِ الشِّيعةَ بهذه العمليّة التّدريجيّة عن الصَّدمة والشُّعور بالفراغ الهائل بسبب غَيْبَة الإمام، واستطاعت أن تُكَيِّفَ وَضْعَ الشِّيعة على أساس الغَيْبَة، وتُعِدَّهُم بالتّدريج لتقبُّل فكرة النّيابة العامّة عن الإمام، وبهذا تحوَّلت النّيابة من أفرادٍ منصوصين إلى خطٍّ عامٍّ، وهو خطُّ المجتَهدِ العادلِ البصيرِ بأمورِ الدُّنيا والدِّين، تبْعاً لِتَحوُّل الغَيْبة الصُّغرى إلى غَيْبَةٍ كُبرى.
والآن بإمكانك أن تقدِّر الموقف في ضوءِ ما تقدَّم، لكي تُدرك بوضوحٍ أنَّ «المهديَّ» حقيقةٌ عاشَتْها أمَّةٌ من النّاس، وعبَّر عنها السُّفراء والنُّواب طيلة سبعينَ عاماً من خلال تعاملهم مع الآخرين، ولم يَلحَظ عليهم أحدٌ كلّ هذه المدَّة تلاعُباً في الكلام، أو تحايُلاً في التّصرُّف، أو تهافُتاً في النّقل. فهل تتصوَّر -بِرَبِّك- أنَّ بإمكانِ أكذوبةٍ أن تعيشَ سبعين عاماً، ويمارسها أربعةٌ على سبيل التّرتيب كلّهم يتَّفقون عليها، ويَظلُّون يَتعاملون على أساسها وكأنّها قضيّةٌ يعيشونها بأنفسِهم ويَرَوْنها بِأعيُنِهم دون أن يَبْدُرَ منهم أيُّ شيءٍ يُثير الشَّكّ، ودون أن يكون بين الأربعة علاقة خاصّة متميِّزة تتيحُ لهم نحواً من التّواطؤ، ويكسبون من خلال ما يتَّصف به سلوكُهم من واقعيّة ثقةَ الجميع، وإيمانَهم بواقعيّة القضيّة التي يَدَّعون أنّهم يحسُّونها ويعيشون معها؟!
مَنطقُ الحياة يُثبِتُ أنَّ مِن المستحيل عمليّاً بحساب الاحتمالات، أن تعيش أُكذوبةٌ بهذا الشّكل، وكلّ هذه المدّة، وضمن كلّ تلك العلاقات والأَخْذ والعطاء، ثمّ تَكسب ثقةَ جميعِ مَنْ حَوْلها. وهكذا نعرفُ أنَّ ظاهرة الغَيْبة الصُّغرى يُمكن أن تُعتَبَر بمَنزلةِ تجربةٍ علميّةٍ لإثبات ما لها من واقعٍ موضوعيٍّ، والتّسليم بالإمام القائد؛ بولادتِه وحياتِه وغَيْبَتِه، وإعلاِنه العامّ عن الغَيْبة الصُّغرى التي استَتَر بِمُوجبِها عن المسرح، ولم يَكْشِف نفسَهُ لِأَحد. (مختصَر بتصرّف بسيط)

اخبار مرتبطة

  أيها العزيز

أيها العزيز

نفحات