الملف

الملف

منذ 6 أيام

ليلةُ القدر : كيف نعرفُها، وهل يُمكن رؤيتُها؟

ليلةُ القدر

كيف نعرفُها، وهل يُمكن رؤيتُها؟

ـــــ الملكيّ التّبريزيّ (صاحب المراقبات) ـــــ

 

 

 * من أهمّ الدّعاء في شهر رمضان أن يُكثر الإنسان الدّعاء لكي يوفَّق للعبادة في ليلة القدر وليلة الفطر، من أوّل الشّهر إلى وقت حضورهما.

*من لم يَجد في نفسه اهتماماً لدَرك ليلة القدر والعبادة فيها وفي ليلة الفطر ويوم العيد بهذا المقدار القليل أيضاً فهو مريضُ الإيمان، فليُعالج إيمانَه.

 (الملَكيّ التّبريزيّ- المراقبات)

 

 

إنّ من أهمّ الدّعاء في شهر رمضان أن يُكثر الإنسان الدّعاء لكي يوفَّق للعبادة في ليلة القدر وليلة الفطر، من أوّل الشّهر إلى وقت حضورهما، فإنْ صدقَ في الدّعاء لا يردّ الكريمُ تعالى دعاءَه، ويفوز بهذا الأمر العظيم الذي يليق للمؤمن بالقرآن الكريم أن يرتاض سنةً كاملةً بالإحياء والعبادات لتحصيل الاطمئنان بالحصول عليه. كيفَ والقرآنُ صريحٌ في أنّ ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر، وألف شهر تزيد على ثمانين سنة، فمن عملَ سنة واستفاد أجر ثمانين سنة فهو من الرّابحين الفائزين، فكيف إذا كان المطلوب منه هو الاهتمام بالدّعاء لتحصيله طيلة أقلّ من شهر.

إجمالاً، مَن لم يجد في نفسه اهتماماً لدرك ليلة القدر بهذا المقدار القليل أيضاً فهو مريضُ الإيمان، فليُعالج إيمانَه.

ونظيرُ الاهتمام بليلة القدر، لزومُ الاهتمام بليلة الفطر ويومه لأنّه رُوي عن الإمام السّجّاد عليه السلام أنّه كان يقول: «ليس ذلك بدون اللّيلة» يعني ليلة القدر، وذَوو الهِمَم العالية كانت همّتُهم أن يُكشف لهم في هذه اللّيلة عمّا تنزّل من السّماء إلى الأرض من الملائكة والتّقديرات "..".

كيف نعرف ليلةَ القدر

رُوي للوصول إلى معرفتِها: قراءةُ سورة الدّخان في كلّ ليلة مائة مرّة إلى ليلة الجُهَنيّ، وفي رواية: قراءة سورة القدر ألف مرّة بدلها إلى هذه اللّيلة.

ورُوى لدرك فضيلة ليلة القدر في (الإقبال) رواية وهي وإنْ لم يثبت اعتبارُها إلّا أنّها من أجلِ عظَمة أمرها ينبغي أن يعمل بها رجاءً لصحّتها وثبوتها في الواقع، وهي ما رواه عن ابن عبّاس أنّه قال:

«يا رسول الله صلّى الله عليك وسلّم، طوبى لِمَن رأى ليلة القدر! فقال له: يا ابنَ العبّاس، أُعلِّمك صلاةً إذا صلّيتها رأيتَ بها ليلة القدر، كلّ ليلة عشرين مرّة وأفضل.

فقال: علِّمني -صلّى الله عليك- فقال له:

تصلّي أربع ركعات في تسليمةٍ واحدةٍ، ويكون من بعد العشاء الأولى، وتكون قبل الوتر، في كلّ ركعة (فاتحة الكتاب) مرّة، و(الجُحد) [قل يا أيّها الكافرون] ثلاث مرّات، و(التّوحيد) ثلاث مرّات، وإذا سلَّمت تقول: ثلاث عشرة مرّة: أستغفرُ الله.

فَوَحَقِّ مَن بعثَني نبيّاً، مَن صلّى هذه الصّلاة وسبَّح في آخرِها ثلاث عشرة مرة، واستغفَر الله، فإنّه يرى ليلة القدر كما صلّى بهذه الصّلاة، ويوم القيامة يُشفَّع في سبعمائة ألف من أُمّتي، وغفر الله له ولوالدَيه إن شاء الله».

أقول: لم يُعلم المراد من الرّواية صريحاً، ويمكن أن يكون المراد حصولُه من الثّواب ما يعادل أفضل من لذّة رؤية ليلة القدر عشرين مرّة ، نظير ما رُوي أنّ ثواب تسبيحة خيرٌ من مُلك سليمان، فلا يبقى استبعاد، وأمّا إن كان المراد أنّ ثواب هذه الصّلاة أفضل من ثواب القدر وأزيد من ثواب عبادة ليلة القدر عشرين مرّة كما فهمَه صاحب الكتاب الذي نقل عنه السّيّد قدّس سرّه هذه الرّواية، فهو مستبعَد.

 

ما معنى رؤية ليلة القدر؟

 قلت: رؤيةُ ليلة القدر، كما أشرنا إليه سابقاً، عبارةٌ عن كشف ما يفتح فيها من نزول الأمر إلى الأرض، كما يكشَف لإمام العصر عليه السلام في هذه اللّيلة.

وإن أردتَ لهذا الإجمال توضيحاً ما، فاعلَم أنّ لله تعالى بين عالمَي الأرواح والأجسام عالَماً يُسمّى عالَم المثال والبرزخ، وهو عالَمٌ بين العالمَين ليس مضيّقاً مظلماً مثل عالم الأجسام، ولا واسعاً نَيّراً مثل عالم الأرواح، لأنّ عالم الأرواح مجرّدٌ عن كَدَر المادّة وضِيق الصّورة والمقدار، وعالَم الأجسام مقيّدٌ بالمادّة والصّورة، وعالَم المثال مجرّدٌ عن المادّة ومقيّدٌ بالصّورة والمقدار، وهو مشتملٌ على عوالمَ كثيرة، وكلُّ موجودٍ في عالَم الأجسام له صوَرٌ مختلفةٌ في هذه العوالم المثاليّة غير هذه الصّورة التي في عالم الأجسام، وكلّ ما في هذا العالَم إنّما يوجَد بعد وجوده في العالمَين الأوّلَين بنحو وجودٍ يليقُ بهما، بل كلُّ موجودٍ في عالَم المثال إنّما ينزلُ إليه من خزائن الله التي أشار إليها سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ..﴾ الحجر:21، وكلُّ جسمٍ وجسمانيٍّ في هذا العالَم إنّما ينزل إليه من عالَم المثال بتوسُّط ملائكة الله.

والذي يدلُّ عليه الأخبارُ أنّ أحكام كلِّ سَنةٍ من تقديرِ أرزاقِ موجودات هذا العالَم وآجالها، ينزلُ إلى الأرض في ليلة القدر، وينكشفُ ذلك لمَن هو خليفةُ الله في الأرض في هذه اللّيلة، ويسمّى انكشافُ نزول الأمر-بتوسّط الملائكة له عليه السلام- رؤية ليلة القدر، ولذّةُ هذا الكشف ومشاهدةُ نزول الأمر والملائكة إنّما يعرفُهما أهلُهما، ولعلّ ذلك من قبيل ما أُرِيَ لإبراهيم الخليل من ملكوت السّماوات والأرض.

ولكلّ إنسانٍ نصيبٌ كاملٌ من هذه العوالم مخصوصٌ به، وأغلبُ النّاس غافلون عن عوالمِهم المثاليّة، وغافلون عن غفلتِهم أيضاً، وكذلك عن عوالمِهم الرّوحانيّة إلّا مَن منَّ اللهُ عليه بمعرفة النّفس، ومعرفةِ عالَم المثال في طريق معرفة النّفس، لأنّ حقيقة النّفس من عالم الأرواح، فمَن كُشف له حجابُ المادّة عن وجه روحِه ونفْسِه، ورأى نفسَه مجرّدةً عنها في عالَم المثال يسهلُ له الانتقالُ إلى حقيقة روحِه المجرّدة عن الصّورة أيضاً، وهذه المعرفة للنّفس هي المرادُ من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَن عرفَ نفسَه فقد عرفَ ربَّه»، ووَجهُ ارتباط معرفة النّفس بمعرفة الرّبّ لا يعرفُه إلّا مَن وُفِّقَ لهذه المعرفة، وهذا المقدارُ من البيان كافٍ في ما نحن بصددِه من تعريف ما يزولُ به الإنكارُ والاستبعاد، لدَركِ حقيقة ليلة القدر للعاملين العابدين، لأجل تحصيل الشّوق اللّازمِ للوصول.

 (المراقبات، ص 174 – 176، بتصرّف)  

 

اخبار مرتبطة

  أيّها العزيز

أيّها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ 5 أيام

دوريات

  إصدارات أجنبيّة

إصدارات أجنبيّة

نفحات