الملف

الملف

منذ أسبوع

مراتبُ القضاء والقَدَر

 

مَعنى ليلة القدر

مراتبُ القضاء والقَدَر

ـــــ الإمام الخمينيّ قدّس سرّه ـــــ

 

في بيان ليلة القدر: وفيه مباحث كثيرة ومعارف لا تُعدّ، قد بحث عنها العلماء الأعلام رضوان الله عليهم على حسب مشاربهم ومسالكهم، ونحن نبيّن في هذه الأوراق بعضاً منها بطريق الإشارة، ونشير إلى مطالب أُخَر لم يذكروها، وذلك في ضمن أمور:

الأوّل: في وجه تسمية ليلة القدر:

قد اختلف العلماءُ فيه، فبعضُهم على أنّ ليلة القدر حيث إنّها صاحبة شَرف ومنزلة وقد نزلَ فيها القرآن صاحبُ القدر بتوسّط ملَكٍ صاحبِ القدر على رسولٍ صاحبِ القدر لأمّةٍ صاحبةِ القدر، فلهذا سُمِّيَت بليلة القدر.

وقال بعضُهم: إنّ تسميتَها ليلة القدر لأجل تقدير الأمور والآجال وأرزاق النّاس في تلك اللّيلة.

وقال آخرون: لأنّ الأرض تَضيقُ بواسطة كَثرة الملائكة فسُمِّيت ليلة القَدر، وهذا من قبيل: ﴿..وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ..﴾ الطّلاق:7، وهذه كلمات قيلَت في المقام، وفي كلٍّ من تلك الوجوه تحقيقاتٌ لا تخلو الإشارة إليها إجمالاً من الفائدة.

أمّا المطلب الأوّل : وهو كَونُها بمعنى صاحبة المنزلة والقَدر:

فاعلم أنّ في هذا المقام كلاماً، وهو أنّ مطلَق الزّمان والمكان الذي بعضٌ منه شريف، وبعضٌ غير شريف، وبعضٌ سَعيد وبعضٌ نَحس، فهل هذا من نفس ذات الزّمان ومن تشخُّصاته الذّاتيّة، وهكذا في المكان، أو أنّه بواسطةِ وقوعِ الوقائع وحصولِ الأمور الشّريفة والخَسيسة يكون -الزّمان أو المكان- صاحبَ تلك المزيّة بالعَرَض، وهذا وإنْ لم يكن مَبحثاً مهمّاً وشريفاً والبحثُ في أطرافه ليس له كثيرُ فائدة، ولكن نأتي بذكرٍ منه بطريق الاختصار.

إنّ وجه ترجيح الاحتمال الأوّل هو أنّ ظاهر الأخبار والآيات التي أثبتتْ للزّمان والمكان شرافةً أو نحوسة، إنّها صفةُ نفس الزّمان والمكان، لا أنّها صفةٌ للحال المتعلّق، وحيث إنّه لا مانعَ عقليّاً فيَتعيّن حملُها على ظاهرها.

ووجهُ ترجيح الاحتمال الثّاني أنّ حقيقةَ كلٍّ من الزّمان والمكان حقيقةٌ واحدة، بل شخصيّةُ كلٍّ منهما أيضاً شخصيّةٌ واحدة، فَلهذه الجهة لا يُمكن أن يكون شخصٌ واحدٌ متجزيّاً ومختلفاً في الحُكم. فبناءً على هذا، فلا بدّ أن يُحمَل ما ورد في شرفهما أو نحوستِهما على الوقائع والقضايا الحاصلة فيهما، وهذا الوجهُ ليس برهانيّاً "..".

وأمّا وجه ترجيح الاحتمال الأوّل فليس أيضاً وجهاً صحيحاً مُرضياً "..".

فبناءً على هذا، فَكِلا الوجهَين محتمَل، ولكنّ الثّاني أرجحُ في النّظر. فبناءً عليه، أنّ ليلة القدر صارت صاحبةَ قَدْرٍ لأنّها ليلةُ وصال النّبيّ الخاتَم، وليلةُ وصول العاشق الحقيقيّ إلى محبوبِه، وقد عُلم في المباحث السّابقة [من كتاب الآداب المعنويّة] أنّ تنزُّلَ الملائكة ونزولَ الوحي يكونُ بعدَ حصول الفناء والقُرب الحقيقيّ.

ويُستفاد من الأخبار الكثيرة والآيات الشّريفة أيضاً أنّ شرفَ الأزمنة والأمكنة ونحوستَها بسببِ الوقائع فيها، وهذا يُعلم بمراجعتها، وإنْ كان يُستفاد من بعضِها الشّرفُ الذّاتيُّ أيضاً.

أمّا الاحتمالُ الآخر: وهو أنّها تُسمّى بليلة القَدر لتقدير أمور أيّام السّنة فيها، فاعلم أنّ حقيقةَ القضاء والقَدَر وكيفيّتها ومراتبَ ظهورِها من أَجَلِّ العلوم الإلهيّة وأشرفِها، وقد نُهِيَ عامّةُ النّاس عن الغَور في أطرافِها، لأنّه يُوجب الحَيرة والضّلالة لكمال دقّتِها ولطافتِها، ولهذا لا بدّ أن تُعدّ هذه الحقيقة من أسرار الشّريعة وودائعِ النّبوّة ويُصرَف النّظر عن البحث الدّقيق في أطرافِها، ونحن نشيرُ إلى مبحثٍ منه يناسبُ هذا المقام.

وهو أنّ تقدير الأمور مع أنّها كانت في علم الحقّ تعالى في أَزَل الآزال، وليس من الأمور التّدريجيّة بالنّسبة إلى مقام العِلم الرّبوبيّ المنزَّه، فما معنى التّقدير في كلّ سنة في ليلةٍ معيّنة؟

 

اعلم أنّ للقضاء والقدَر مراتب تتفاوت أحكامُها على حسب تلك المراتب:

المرتبة الأوّلى من تلك المراتب عبارة عن الحقائق التي تتقدّر وتتحدّد في حضرة العلم بالتّجلّي بالفيض الأقدس تبعاً لظهور الأسماء والصّفات، وبعدَه تُقدَّر وتُحكَم في الأقلام العالية والألواح العالية على حسب الظّهور بالتّجلي الفعليّ، ولا تقع التّغيرات والتّبديلات في هذه المراتب، والقضاءُ الحَتْمُ الذي لا يُبدَّل هو الحقائق المجرّدة الواقعة في حضرات ".." النّشأة العلميّة والنّازلة في الأقلام والألواح المجرّدة، ثمّ تظهر الحقائق بالصّوَر البرزخيّة والمثاليّة في الألواح الأُخَرَ والعالم الأنزَل وهو عالم الخَيال المنفَصل وخيال الكلّ الذي يُقال له عالَم المُثل المعلّقة، على طريقة حكماء الإشراق.

وفي هذا العالم يُمكن وقوعُ التّغيرات والاختلافات، بل هي واقعة، ثمّ يكون التّقديرات والتّحديدات بتوسُّط الملائكة المُوكَلين بعالَم الطّبيعة، وفي لوح القدَر هذا، تغييراتٌ دائميّةٌ وتبديلاتٌ أبديّة، بل هو نفسُه الصّورة السّيّالة والحقيقة المتصرّمة والمتدرّجة، والحقائقُ في هذا اللّوح قابلةٌ للشّدّة والضَّعف، والحركات قابلةٌ للسّرعة والبطءِ والزّيادةِ والنّقيصة، ومع ذلك فالوُجهة التي تَلي الله والوُجهة الغيبيّة لهذه الأشياء التي هي جهةُ التّدلّي بالحقّ، وصورة ظهور الفيض المنبَسط والظّلّ الممَدود وحقيقة العلم الفعليّ للحقّ لا مجالَ فيها للتّغيير والتّبديل بوجه.

وبالجملة، فجميعُ التّغيّرات والتّبدّلات وزيادةُ الآجال وتقديرُ الأرزاق تقعُ عندَ الحكماء في لوح القدَر العلميّ وهو عالَم المثال، وعند الكاتب تقعُ في لوح القدَر العينيّ الذي هو محلُّ نفس التّقديرات على أيدي الملائكة المُوكَلين بها، فبناءً على هذا، فلا مانعَ من أن تقعَ التّغيّرات والتّبديلات في عالَم الطَّبع في ليلة القدر بما أنّه ليلةُ التّوجُّه التّامّ للوليّ الكامل، وليلةُ ظهور سَلْطَنَتِه الملكوتيّة بتوسُّطِ النّفس الشّريفة للوليّ الكامل وإمام كلِّ عصرٍ وقُطبِ كلّ زمان، وهو اليوم حضرةُ بقيّة الله في الأرَضين سيّدنا ومولانا وإمامنا وهادينا الحجّة بن الحسن أرواحنا لمقدَمه الفداء، فما أراد عليه السّلام من جزئيّات الطّبيعة يُبطئ حركتَه، وما أراد سرعتَه يُسرِّعُه، وما أراد من رزقٍ يُوسِعُه وما أرادَ يُضيّقه، وهذه الإرادةُ إرادةُ الحقّ وظلُّ الإرادة الأزليّة وشعاعُها وتابعةٌ للأوامر الإلهيّة، كما أنّ ملائكةَ الله أيضاً لا يتصرّفون من عند أنفسهم. وتصرّفاتُ جميعِهم بل تصرُّفات جميع ذرّات الوجود تصرُّفٌ إلهيّ، وهي من تلك اللّطيفة الغَيبيّة الإلهيّة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ..﴾ هود:112.

وأمّا ما ذُكِرَ من الاحتمال في وجه تسمية ليلة القدر من أنّ الأرض تضيقُ بواسطة الملائكة ولهذا سُمِّيَتْ ليلةَ القدر، فهذا الوجهُ وإنْ كان بعيداً، وإنْ كان القائلُ به أعجوبة الزّمان الخليل بن أحمد رضوان الله عليه، ولكن ما يُمكن أن يقعَ مورداً للبَحث هو أنّ ملائكة الله ليست من سنخِ عالَم الطّبيعة والمادّة، فما معنى ضيقِ الأرض بهم؟

فاعلم أنّه قد وردَ نظيرُ هذا المطلب في الرّوايات الشّريفة مثل قضيّة تَشييع سعد بن معاذ رضي الله عنه: (في الكافي: صَلـّى رسولُ الله صلّى الله عليه وآله على سَعد بن مَعاذ مع تسعين ألف مَلَك، فيهم جبرائيل.. الحديث)، ومثل بَسْط الملائكة أجنحتَهم لطالب العلم، فهذا إمّا من باب تَمَثُّل الملائكة بالصّوَر المثاليّة وتنزُّلها من عالَم الغيب إلى عالم المثال وتَضييق ملكوت الأرض، أو من باب تمثُّلهم المُلكيّ في مُلك الأرض، وإن كانت الأبصارُ الطّبيعيّةُ الحيوانيّةُ لا تراها. وبالجملة التّضييقُ بلحاظ التَّمثُّلات المثاليّة أو المُلكيّة.

(الآداب المعنويّة للصّلاة)

 

 

 

شَدّ المِئْزَر

روى سماعة، في الموثق، عن أبي بصير، كما في (الكافي) عن أبي عبد الله عليه السلام:

«كان رسول الله صلّى الله عليه وآله إذا دخلَ العَشرُ الأواخر شَدَّ المِئْزَر، واجتنبَ النّساء، وأحيا اللّيلَ، وتفرّغَ للعبادة».

«شدّ المِئْزَر»: كناية عن الجدّ والاجتهاد في العبادة، أو عن اجتنابِ النّساء، أو عنهما معاً..

 

(روضة المتّقين، المجلسيّ الأوّل)

 

اخبار مرتبطة

  أيّها العزيز

أيّها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ أسبوع

دوريات

  إصدارات أجنبيّة

إصدارات أجنبيّة

نفحات