قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

22/10/2014

(الخصائص الحسينيّة) للعالم الرّبانيّ الشّيخ جعفر التّستريّ


(الخصائص الحسينيّة) للعالم الرّبانيّ الشّيخ جعفر التّستريّ

بالحسين عليه السلام يُعرج من كَدَرِ الشّرك إلى بهجة التّوحيد

_____ محمود إبراهيم حيدر _____

الكتاب: الخصائص الحسينيّة

تأليف: العالم الرّبّاني الشيخ جعفر التّستري

تحقيق: السيّد جعفر الحسيني

النّاشر: دار السرور - بيروت

يندر أن يجد القارئ كتاباً في سيرة سيّد الشّهداء أبي عبد الله الحسين عليه السّلام، ككتاب (الخصائص الحسينيّة) للعالم الرّبّانيّ، والفقيه الإسلاميّ الكبير، الشّيخ جعفر بن المولى حسين التّستريّ (ت: 1303 للهجرة).

أمّا الدّاعي إلى قولنا بالنّدرة، فعائد إلى شاهدَين:

الأوّل: منهجه في تناول السّيرة. حيث تآلفت وقائع الحادث الحسينيّ بدلالتها المعنويّة وأبعادها الرّوحانيّة. فلا شيء ممّا حصل في الأيّام العشرة إلّا وله من المعاني ما تنطوي خفاياه وأسراره في مستودع علم الله ومشيئته. فما جرى، لم يَجرِ – على الحقيقة - مجرى الزّمن المألوف لمعارك الحقّ والباطل، وإنّما انداحت تلك الأيّام ليظهر فيها قضاء الله وقدره ليستقيم وحيه بشهادة وصيّه وابن بنت نبيّه الخاتم صلّى الله عليه وآله.

والثّاني: أسلوبه الفريد في تظهير مقاصد هجرة الإمام، عليه السّلام، إلى كربلاء، والغاية العليا من شهادته مع أهل بيته وأصحابه يوم الطّفّ.

أمّا حكاية هذا الكتاب، فإنّما هي – لو صحّ القول – حصيلة اختبارٍ معنويٍّ جرى مع مؤلّفه وهو يقترب من ستينيّات العمر. ومَثَل الشّيخ التّستريّ ككثيرين من أكابر الحكماء والعلماء الرّبّانيّين من الّذين مرّوا بقبضٍ روحيٍّ، فمضوا في المجاهدة والسّير والسّلوك حتّى غمرهم الحقُّ بلطفه، ونجّاهم من الغمّ. عن هذا الامتحان المعنويّ يتحدّث الشّيخ عمّا حصل له، فيقول في استهلال (الخصائص الحسينيّة): «لمّا اشتعل الرّأس شيباً وامتلأت العَيبة عيباً، ورأيتُ أنّي ذرّفتُ على السّتّين ولم أظفر بعد على ثمرة ولا حاصل لأيّامي الماضية، خاطبتُ النّفس الجانية اللّاهية، ثمّ ناديتها: يا مسافراً بلا زاد، هل سمعت قولَ الله ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ الفجر:14»... إلى قوله: «ثمّ نظرتُ إلى الأعمال الحسنة والطّاعات والقُرُبات فوجدتُ لصحّتها وقبولها شرائط، لم أجد التّوفيق لها ولو مرّةً واحدة، فعند ذلك تحقّق الخوف وأوشك أن يغلب القنوط، ثمّ إنّي أمعنتُ النّظر في الوسائل إلى الله، فرأيتُ أنّي من أُمّة محمّد صلّى الله عليه وآله، وأنّي من شيعة عليٍّ عليه السّلام، وأنّي من الموالين لأهل البيت عليهم السّلام، وهم السّبيل الأعظم والصّراط الأقوم والكهف الحصين، والعروة الوثقى، والفُلك الّتي مَن ركبها نجا، فحصل لي الرّجاء ثمّ تحقّقت». وهنا يذكر الشّيخ اثنتَي عشرة حالة عكفَ عليها وانتهت به المجاهدة إلى الاستهداء بخصوصيّات حسينيّة، كانت له معيناً للرّجوع إلى التّوحيد الحقّ.

وإذ يذكر الشّيخ جملةً من الحالات الّتي ورد عليه أيّام القبض، وهي: نقصان الإيمان والوسائل إلى الله والدّخول في أُمّة محمّد صلّى الله عليه وآله، وولاية أئمّة أهل البيت عليهم السّلام، فُتِح له باب الفرج. ويقول في هذه الحال: «فرأيت في الحسين عليه السّلام خصوصيّةً في الوسيلة إلى الله بأنّه بالخصوص، بابٌ من أبواب الجنّة، وسفينة النّجاة، ومصباح للهدى.. فالنّبيّ، صلّى الله عليه وآله، والأئمّة كلّهم أبواب الجنان، لكنّ باب الحسين وسيع، وكلّهم سفن النّجاة لكنّ سفينة الحسين مجراها في اللّجج الغامرة أسهل، ومرساها على السّواحل المنجية أيسر، وإنّ الاستفادة بنور الحسين أكثر وأوسع، وكلّهم كهوف حصينة، ومنهاج كهف الحسين أسمح وأسهل».. يضيف: «فعند ذلك خاطبتُ النّفس وشركاءها فقلت: هلمّوا إلى الأبواب الحسينيّة فـ ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ الحجر:46، وإلى مرساة هذه السّفينة الحسينيّة فـ ﴿..ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هود:41».

وهكذا تندرج الحالات المعنويّة عبر علامات البكاء وانكسار القلب عند هلال المحرّم، وهي ما يَستدلّ بها المؤمن على رسوخ إيمانه بحيث يتفاوت التأثّر بمصائب كربلاء بتفاوت درجات الإيمان بالحقيقة الإلهيّة.. ثمّ يمضي الشّيخ في عرض حالاته العباديّة والمعنويّة موصولةً بخصائص الحسين عليه السّلام، لتصلَ إلى كلّ شأنٍ من شؤون المؤمن: من الأعمال الحسنة، إلى التّخلُّق بأخلاق الرّسول صلّى الله عليه وآله، إلى ملاحظة حقوق النّاس، إلى فضائل البكاء، إلى الخوف والرّجاء، وانتهاءً باليقين الثّابت بوحدانيّة الله تعالى.

الخصائص الحسينيّة الثّلاثمائة

في الخصائص الحسينيّة وأصولها والفروع النّاشئة منها، يعرض المؤلف بالتّفصيل ثلاثماية خصيصة ذات عروة وثقى بالتّوحيد، والعدل، والنّبوّة، والإمامة، والمعاد. وهي الأركان التي تنزَّل بها الوحي الإلهيّ المقدّس على قلب النّبيّ، صلّى الله عليه وآله، وهي نفسها الّتي سيحملها أوصياؤه من الأئمّة الاثني عشر، عليهم السّلام، ليبيّنوا للعالمين مقاصد الوحي وتمام مكارم الأخلاق.

ولنا هنا أن نشير إلى أبرز هذه الخصائص التي سنجدها مفصّلةً في الكتاب، الذي تربو صفحاته على السّتّماية صفحة من القطع الكبير:

- العنوان الكلّيّ لهذه الخصائص الحسينيّة يبدأ من عوالم وجوده عليه السّلام؛ أي في ما يخصّ ابتداء خلق نوره وانتقالاته من عالم الذّرّ والأشباح، وانعكاس هذا النّور في صُلبِ آدم، عليه السّلام، ثمّ انتقاله إلى الدّنيا. ومن الخصائص المتفرّعة:

- محلّ ولادته وخصائص محلّ شهادته.

- صفاته وأخلاقه وعبادته يوم عاشوراء.

- الكرامات والتّكريمات الّتي خصّه بها الله.

- صلته بالنّبيّ الأعظم ومعنى قوله صلّى الله عليه وآله «حُسَيْنٌ مِنّي وَأَنا مِنْ حُسَيْن».

- خصائصه المُتعلّقة بالأنبياء العِظام ووراثته لهم من آدم إلى إبراهيم، وموسى، وعيسى، إلى النّبيّ الخاتم صلّى الله عليه وآله وعليهم أجمعين.

جاذبيّة النّصّ وسموّ المعنى

ما من ريبٍ في أنّ العناية بالمعاني الحسينيّة على النّحو الذي نلاحظه في كتاب (الخصائص)، ليست أمراً عارضاً في أعمال الشّيخ، بل هي تعود إلى سِنيّ فتوّته. حيث امتازت قراءته للمجالس بجاذبيّة فريدة، استطاع خلالها إشعار السّامع بوحدة لا انفصامَ لها بين الغَيب والواقع. فكان أن بلغ خطابُه نفوس السّامعين وعقولهم، ليعيشوا واقعة الطّفّ كما لو كانوا يشهدون بأمّهات الأعين والأفئدة ما يجري من فظائع الظّلم الأمويّ – اليزيديّ، الّذي لحق بسبط النّبيّ الأعظم وأهل بيته الأطهار. فلقد كان الشّيخ بارعاً في استيلاد ما يمكن أن نسمّيه بـ «التّشاعر الخلّاق» بين السّامع ووقائع السّيرة الشّريفة.

وعلى نحو ما يُنقل عن مجايليه والمحقّقين الّذين كتبوا عنه في ما بعد، «أنّ للفقيه التّستريّ طريقةً استحضاريّةً للأحداث في أدقّ تفصيلاتها. حيث تتآزر الكلمة المنطوقة بالصّورة التي تعكس حقيقتها الواقعيّة. وذلك على نحو يغدو معه الحاضرون يستشعرون المأساة لحظةً بلحظة. ومن مشاهده التّصويريّة هذه ما يعدّ نموذجاً رفيعاً وصادقاً في القدرة على البكاء والإبكاء من أعماق الفؤاد. وذلك من دون أن يلجأ إلى المراثي الشّعريّة لتصعيد الحالة الوجدانيّة عند المتلقِّي، وإنّما يسترسل في النّثر ليقدّم طريقته الخاصّة في تظهير فجيعة آل رسول الله صلّى الله عليه وآله في كربلاء.

ففي نبرته المميّزة هدوء عميقٌ مشرّبٌ بأحزان بعيدة الغور، وأشجان عميقة المدى. ومن كان يصغي إليه يجده وقد فَنِيَ روحياً وعاطفيّاً في تجلّيات وقائع الطّفّ. وما كان ذلك إلّا ليقينه بأنّ بلوغ وحدانيّة الله تعالى والإيمان الرّاسخ بالوحي الّذي تنزّل على فؤاد نبيِّه، لا يُحصّل إلّا بتصفية الباطن وتهذيب الرّوح، وعلامة كلّ هذا بذَرف الأدمع على سيّد الشّهداء عليه السّلام.

ولقد كان منبره، منذ أيّامه الأولى، يقوم على التّعريف بمعاني القرآن وأحاديث المعصومين عليهم السّلام، ثمّ يختتم مجلسه بالتّذكير بفصلٍ من أحزان واقعة الطّفّ.. تتخلّل هذه نبرةٌ واعظةٌ وإقبالٌ على التّوعية والإرشاد.

بيدَ أنّ مشكلةً كانت تواجه الشّيخ الشّاب العائد آنفاً إلى بلدته في تحقيق ما يطمح إليه من التّبليغ والتّبصير؛ إذ لم تكن له قدرةٌ تُسعِفه على الخطابة والارتجال، فكان مضطراً إلى قراءة المعاني القرآنيّة والحديثيّة من خلال كتاب يحمله بيده على المنبر. وحتّى عندما كان يصعد المنبر في أيّام المحرّم ليحكي للنّاس عن مآسي عاشوراء.. فإنّه كان يقرأ من كتاب (روضة الشّهداء).

الشّيخ نفسه حكى هذه المعاناة الّتي كانت تضايقه في ليالي شهر رمضان، وفي أيّام العزاء، ثمّ حكى كيف تحوّل – بلطفٍ خاصٍّ من الإمام سيّد الشّهداء عليه السّلام – إلى خطيب مقتدر، تفتّح أمام بصيرته غير قليل من أسرار عاشوراء. يقول في هذا الصّدد: (إنّه هُدِيَ إليّ دقائق وإشارت في المصائب ولطائف وكنايات في آثار الأطايب ما لم يسبقني أحدٌ، وزاد كلّ يوم.. إلى أن أتى شهر الصّيام، وبلغتُ في مقام الوعظ والبيان غايةَ المرام).

أَثَرُ هذا التّحوّل الرّوحانيّ في نفس شيخنا أثمر هذه المجالس الحسينيّة وما كان يفاض عليه فيها وفي غيرها من المعاني الخاصّة، فكان كتاب (الخصائص الحسينيّة) الثّمرة الكبرى في سلسلة مؤلّفاته، والعلامة الفارقة في ما كتب عن سيرة إمام الهدى وسفينة النّجاة. مع الإشارة إلى أنّ هذا الكتاب هو فيضٌ إلهيّ غايته العليا بلوغ التّوحيد عبر الخصائص الحسينيّة. ولعلّ المقدّمات الخاصّة بالتّحميد والتّمجيد والصّلوات الّتي يستهلّ بها الشّيخ كلّ مجلس من مجالسه لها دلالة على نزوعٍ توحيديّ عالٍ، وعلى أُفق عقائديّ رفيع. وهذا واضح في كلّ الفقرات التي كان يجعلها مقدّمة للمجالس...

لا شكَّ في أنّ الاطّلاع على مجالس الشّيخ جعفر رحمه الله ما يكشف للقارئ عن نمطٍ من أنماط مجالس العزاء في أواخر القرن الثّالث عشر الهجريّ. وفي هذا فائدة أيضاً لمن تهمّه مسألة تتبّع "تاريخ المنبر الحسينيّ" في مراحله الطّويلة».

اخبار مرتبطة

  دوريات

دوريات

22/10/2014

دوريات

نفحات