حوارات

حوارات

منذ يوم

حوار مع العلّامة الشيخ محمّد السّند


حاكميّة الإمام المهديّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف في عصر الغَيبة الكبرى

حوار مع العلّامة الشيخ محمّد السّند

____ إعداد: «شعائر» ____


كلّما ازداد وعي البشرية لواقعها الذي باتت تتخبّط فيه جرّاء ظُلمها وجَهلها، كلّما أدركت حاجتَها ليَد الغيب التي لم تَغِب أصلاً عن رعايتها، ولولا ذلك لساخت الأرضُ بأهلها، بتعبير الروايات الشريفة.

في ما يلي نصٌّ لحوار مع سماحة العلّامة الشيخ محمّد السند في موضوع الإمام المهدي عليه السلام ومظاهر حكومته المستَترة، تنقله «شعائر» بتصرّف عن الموقع الالكتروني لمجلّة «صدى المهديّ».

 

* الإمام المهدي عليه السلام هو حجّة الله تعالى في أرضه، ولكنّه غائب مستَتر، كيف نفهم حاكميّته وسلطانه في زمن الغيبة الكبرى؟

تقول سيرة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام إنّ حكوماتهم ما زالت نافذة، كَسُنن النبيّ إبراهيم وحكومته: ﴿... مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ البقرة:135، ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه..﴾ البقرة:130. حيث لا تزال سُنن النبي إبراهيم عليه السلام التي سنّها تتحكّم في قطاع واسع من البشرية، أي إنّ النبيّ ابراهيم عليه السلام ما زال يدير ويدبّر، وهو الحاكم المتنفّذ.

وبعبارة أخرى: ما يزال الأنبياء، وسيّدهم نبيّ الإسلام صلّى الله عليه وآله وسلّم حاكمِين ومتنفّذين ومطاعة أوامرُهم.

إنّ قضيّة الحكومة والإدارة والتدبير للمجتمعات البشرية لا تنحصر في الحكومات السياسية المعلنة - الصغيرة منها والكبيرة - بل إنّ أقصرها عمراً هي هذه الحكومة الرسمية المعلنة، أمّا أوسعها فهي الحكومة العقائدية، الحضارية، الثقافية، فالإمام الصادق عليه السلام لا يزال يتحكّم في أتباعه؛ لأنه اختطّ لهم منهجاً، ومسيرة ثقافيّة، في مجالات عديدة تمدنيّة.

إنّ من بين أنواع الحكومات هي الحكومة المستَترة، وقوّة الحكومات الرسمية المعلنة ليست ذاتيّة، بل إنّ مصدر قوة الحكومات في الأدبيات السياسية الموجودة هي قوى مستترة فيها، وهذه القوى قد تكون أجهزة أمنيّة ومخابراتيّة أو ما هو أخفى منها بكثير. وكلّما ازدادت الحكومة خفاءً واستتاراً كلّما ازدادت قوّتها، فهذا الخفاء هو مصدر قوّة، وإنّ أيّ دولة من دون جهاز حاكم مستَتر هي دولة معرّضة للتهديد الاقتصادي، والأمني، والثقافي، والمالي وغير ذلك.

إنّ جميع ميادين النشاط البشري تتضمّن عنصراً من عناصر الشريانية في الإدارة هو الخفاء، وهذا ما ينادي به الشيعة من ألف ومئتي سنة في غيبة إمامهم، فالخفاء إذاً ليس عنصر خرافة وأسطورة أو ما شابه ذلك..

جاء عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «حَتَّى إِذَا غَابَ الْمُتَغَيِّبُ‏ مِنْ‏ وُلْدِي‏ عَنْ عُيُونِ النَّاسِ وَمَاجَ النَّاسُ بِفَقْدِهِ..». إلى أن يقول صلوات الله عليه: «حَتَّى إِذَا تَعِبَتِ الْأُمَّةُ وَتَدَلَّهَتْ أَكْثَرَتْ فِي قَوْلِهَا إِنَّ الْحُجَّةَ هَالِكَةٌ وَالْإِمَامَةَ بَاطِلَةٌ. فَوَرَبِّ عَلِيٍّ إِنَّ حُجَّتَهَا - أي الإمام - عَلَيْهَا قَائِمَةٌ مَاشِيَةٌ فِي طُرُقَاتِهَا دَاخِلَةٌ فِي دُورِهَا وَقُصُورِهَا جَوَّالَةٌ فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا..».

إذاً ليس الإمام مغيّباً بمعنى أنّه معدوم الوجود، بل بمعنى خفيِّ الهوية، وعبارة «دَاخِلَةٌ فِي دُورِهَا وَقُصُورِهَا» تعني تحكّماً في كلّ البقاع والأماكن، في شرق الأرض وغربها، فإنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إنّ المهديّ عليه السلام عنده سيطرةٌ ونفوذ في شرق الأرض وغربها مع خفاء هويّته - وعنصر القوّة هو خفاء الهوية - وذلك إلى أن يأذن الله تعالى بظهور هويّته. وقد جاء في الروايات أنّه عندما يظهر الحجّة عليه السلام يقول الناس: إنّنا كنا نراه لكن لم نكن نعرفه - ليس فقط بشخصه - بل حتّى في الجهاز البشري الذي يُديره عليه السلام بشكل خفيّ.

* هل يمارس الإمام عليه السلام هذا الدور من خلال نوّابه أو من خلال ايحاءات إلى قلوب البشر؟

القرآن الكريم يطرح أساليب للقدرة والتحكّم في الطاقات البشرية، ولأجل قيام الخليفة والإمام عليه السلام بسنّة إلهية مستديمة في درء الفساد البشري؛ الصحي، والأمني، والأخلاقي.

جاء في سورة الكهف.. ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ الكهف:6، فالقرآن يخاطب النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومن خلاله المسلمين بأسلوب الرموز والخفايا.. وأحد هذه الأساليب نلحظه في قصّة أصحاب الرقيم أو أصحاب الكهف... وهو تحريك فطري من الله تعالى للذين اهتدَوا إلى التوحيد ونبذوا الشرك. وهذا المنهج متّبع في خطاب الدول والقوى، ويسمّى: الإيحاءات والخواطر.. وهو مطروح حتّى في ثقافة المسلمين.

ثمّ يطرح القرآن الكريم قصّة الخضر عليه السلام، ويستعرضها في وسط السورة، ولا يعني هذا الاستعراض إلّا الدعوة الى الإسلام، وهي إحدى الإجابات عن هويّة دور الخضر عليه السلام.

وكلّ ذلك كان في الخفاء، حيث يقول القرآن عن النبيّ موسى عليه السلام: ﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا..﴾ الكهف:65، أي هو عبد مأمور، مخفيّ، وهو تحفةٌ للمهديّ عليه السلام، وأنيس له كما في الروايات لدينا، وهو من ضمن شبكة الإمام المهدي عليه السلام والمهدوية، وله محوريّة خاصة في هذه الشبكة الخفيّة، وسيظهر معه عليه السلام: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ الكهف:65.

ثم يستعرض لنا القرآن الكريم ثلاث مهامّ أدّاها الخضر عليه السلام، وهي ردع الظلم الاقتصادي، الذي يؤثّر في اقتصاد عامّة البشر، كما في القصّة الأولى وهي قضية السفينة، وهي ليست سفينة باعتبارها سفينة، بل المقصود منها الأمن الاقتصادي البشري.

القصّة الثانية، قصّة الصبيّ، الذي لو قُدِّر له أن يعيش لَقطعَ نسلَ بيت نبيّ، فيعني ذلك أنّ الخضر عليه السلام يؤدّي مهامّ مفصلية مصيرية خطيرة، في الهداية البشرية وتمدّنها.

القصّة الثالثة، هي قصة أصحاب الجدار وكنزهما، وبعبارة أخرى كفالة الأيتام، وكفالة الفقراء، والطبقات المحرومة. وهي رمز، لا أسطورة.. بل هي كناية وباب ليُفتح ويفهم.

إذاً، فالخضر عليه السلام يدير الأمن الاقتصادي، والثقافي، والعقائدي، والاجتماعي للبشر أيضاً، ويقول: ﴿..وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ الكهف:82.

ونحن نقرأ في دعاء رجب: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَانِي‏ جَمِيعِ‏ مَا يَدْعُوكَ بِهِ وُلَاةُ أَمْرِكَ..». إلى أن يقول: « يَا ديمومُ يَا قَيُّومُ، وَعَالِمَ كُلِّ مَعْلُومٍ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَعَلَى عِبَادِكَ الْمُنْتَجَبِينَ وَبَشَرِكَ‏ الْمُحْتَجِبِين‏..»، أي إنّ هناك شبكةً مخفيّة محتجبة.

إنّ سورة الكهف تقول: إنّ هناك رجالاً إلهيّين ليسوا بأنبياء ورُسُل، فلم تعرّف الآية الكريمة الخضر عليه السلام بأنّه نبيّ، ولم تقل فوَجَدا رسولاً، أو نبيّاً، بل قالت: ﴿فَوَجَدا عَبْدَاً﴾. فهو أوّلاً وليٌّ من أولياء الله العِظام، لديه علم لَدُنّيّ، أي إنّه «يُزَقُّ» العلمَ بتوسّط الغيب وبقناة غيبيّة. كما ذكر ذلك القرآن الكريم في قصّة طالوت فقال تعالى: ﴿.. إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا..﴾ البقرة:247، ولم يقل بعث لكم نبياً، بل قال بعث (ملِكاً)، يعني إماماً، ﴿.. وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ..﴾ البقرة:247، أي علم لَدُنّيّ، فالعلم اللّدنيّ هو نوعٌ من الإمامة والحجّية، فهو يقوم بدور خفيّ.

النموذج الإلهي الثالث الذي طرحه القرآن الكريم في سورة الكهف هو «ذو القرنين»، وذو القرنين أسلوبه هو أسلوب الحكومة الرسمية المؤيَّدة والمسدَّدة بتأييد إلهي، وهذا ما سيكون عند ظهور الحجّة عليه السلام. يقول القرآن الكريم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ الكهف:83، فلم يقُل القرآن إنّ ذا القرنين نبيّ أو رسول، بل قال إنّه إمام من الأئمّة الإلهيّين، ثمّ قال: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ الكهف:84، أي فُتحت له الأسباب. وهذا الأسلوب، هو أسلوب الحكومة الرسمية المؤيّدة والمسدّدة بالأسباب الإلهية، أو هو دور الإمام والمعصوم.

إنّ هناك حدّاً أعلى لدور الخليفة، وهو الإمام عليه السلام، أمّا الدور الأدنى فهو درءُ الفساد العامّ، الخُلقي، الزّراعي، الصّحي، الأمني، العسكري، الثقافي، السياسي، لكي لا يَستشري الفساد في البشرية، ودرء الحروب للبشرية فتُستأصل وتنقرض.

أمّا أعلى دور له عليه السلام فهو استخراج كنوز الطبيعة وإطلاق الكمالات البشريّة، ولكن هذا لا يعني أنّ فقدان الدور الأتمّ يُفقده الدور الأقلّ، وبعبارة أخرى فإنّه أدنى درجات دور المعصوم، وهو دور عظيم.

في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام، يقول: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنَّ اللهَ سَيُعْمِي‏ خَلْقَهُ‏ عَنْهَا..».

ونحن الشيعة نعتقد أنّ أحد أوصاف الحجّة البارزة هو «قائمُ آل محمد»، أي أنّ المهديّ عليه السلام في غَيبته يقوم بالأمور وبالوظائف وبما عليه، وليس هو بقاعد: ﴿..وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ النساء:95، فهو يقوم بالأمور، وهذه من الإعجازات الإلهيّة، قبل ولادة الحجّة عليه السلام وبعد ولادته، ونحن الى الآن نلهج بهذا اللقب – القائم - وهو من أبرز ألقاب الحجّة عليه السلام للدلالة على أنّه وليّ الأمر، فليس فقط هو وليّ المؤمنين، أو وليّ المسلمين، بل هو وليّ النّاس أجمعين، ولولاه لساخت الأرض وتآكلت البشرية، وإلّا فهذه الشّهوات والنَّزَوات الموجودة عند رؤساء الدول النووية، والتي يُمكن بضغطة زرّ أن يُفنوا البشرية فمن الذي يهدّئهم؟ إنّه - أي الإمام عليه السلام - يُفشي العقلنة وروحية الآداب والأخلاق في البشر.

تكمل الرواية فتقول: «وَلَكِنَّ اللهَ سَيُعْمِي‏ خَلْقَهُ‏ عَنْهَا بِظُلْمِهِمْ وَجَوْرِهِمْ وَإِسْرَافِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ خَلَتِ الْأَرْضُ سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْ حُجَّةٍ لِلَّهِ لَسَاخَتْ بِأَهْلِهَا، وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ يَعْرِفُ النَّاسَ وَلَا يَعْرِفُونَه‏، كَمَا كَانَ يُوسُفُ يَعْرِفُ النَّاسَ‏ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ‏».

كان يوسف عليه السلام يتحكمّ في مُلك مصر، وكان بينه وبين أبيه مسيرة ثمانية عشر يوماً، مع ذلك خفيَ عنهم، وإنّ الله تعالى يفعل بحجّته المهدي عليه السلام مثلما فعل بيوسف عليه السلام.

هناك رواية عن الإمام الصادق عليه السلام، أوردها الشيخ النعماني في (الغَيبة)، يقول عليه السلام:

«إِنَّ فِي صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ لَشَبَهاً مِنْ يُوسُفَ ".." فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْمُتَحَيِّرَةُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ يُرِيدُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَنْ يَسْتُرَ حُجَّتَهُ عَنْهُمْ؟ لَقَدْ كَانَ يُوسُفُ إِلَيْهِ مُلْكُ مِصْرَ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَهُ بِمَكَانِهِ لَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَاللَّهِ لَقَدْ سَارَ يَعْقُوبُ وَوُلْدُهُ عِنْدَ الْبِشَارَةِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ مِنْ بَدْوِهِمْ إِلَى مِصْرَ، فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يَفْعَلُ بِحُجَّتِهِ مَا فَعَلَ بِيُوسُفَ، وَأَنْ يَكُونَ‏ صَاحِبُكُمُ‏ الْمَظْلُومُ‏ الْمَجْحُودُ حَقَّهُ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمْ وَيَمْشِي فِي أَسْوَاقِهِمْ وَيَطَأُ فُرُشَهُمْ وَلَا يَعْرِفُونَهُ، حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ نَفْسَهُ كَمَا أَذِنَ لِيُوسُفَ..».

 

* ما هي الطريقة العمليّة التي سيجمع بها الإمام عليه السلام كلّ هذه الشعوب تحت راية واحدة، وفي كَنَف دولة واحدة؟

نحن نرى على صعيد المجتمعات البشرية ظواهر مدبَّرة لناحية أشكال الدول، والثقافات السائدة فيها في مختلف المناحي، من قانونية، وسياسية، وفكرية، نرى نزعة عفويّة تلقاء «الفكرة المهدويّة» وإنْ بتسميات مغايرة، وهذا ما يؤكّده الباحثون في المجالات الاجتماعية والعقائدية وغيرهما.

على سبيل المثال، ظاهرة «الأمم المتحدة»، أو أيّ ظاهرة تماثلها، كالدعوة إلى الحكومة الواحدة، والقانون الواحد، وتجاوز الأعراق والقوميات وصولاً إلى وحدة بشرية واحدة ذات عدالة واحدة، وذات حقوق متساوية. وفي الواقع إنّ هذه هي إحدى النقاط الأساسية في فكرة المهدويّة التي يطرحها المسلمون عامّة.

بمعنى أنّ الاعتقاد بالإمام المهدي عليه السلام قاسم مشترك بين المسلمين، وهو أساس بُنية الوحدة فيما بينهم. وهذه الوحدة باتت تتبلور الآن في الدعوة إلى وحدة فكرية ثقافية على مستوى العالم، لأنّ البشرية تحتاج إلى حكومة موحّدة، والى قائد ومربّي يصون النظام العامّ.

حتّى فكرة العولمة – بصرف النظر عن دوافع الدعاة إليها - هي نزعة لا إرادية نحو الفكرة المهدوية، بحيث تنضوي البشرية جمعاء تحت نظام عالمي موحّد اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً..

إنّ عقيدتنا المهدوية، أو عقيدة الإمام المهدي عليه السلام تتجلّى في الفكر البشري عموماً، ونحن نرى البشرية في حالة اعتقاد ونزوع لنفس بنود عقيدة الإمام المهدي عليه السلام.

 

أُنْجِي بِهِ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَأهْدِي بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ

تحت عنوان: (النصوص الواردة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السلام حول وقوع الغَيبة للإمام المهدي عليه السلام)، أورد الشيخ الصّدوق في (كمال الدين) حديثاً طويلاً من أحاديث المعراج، جاء فيه:

«.. فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيَّ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي قَدْ قَضَيْتُ فِي عِبَادِي قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَهُمْ - وَقَضَائِي مَاضٍ فِيهِمْ - لَأُهْلِكَ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَأَهْدِي بِهِ مَنْ أَشَاءُ. وَقَدْ آتَيْتُهُ [أي أمير المؤمنين عليه السّلام] عِلْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ ".." وَقَدْ جَعَلْتُ لَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ، وَأَعْطَيْتُكَ أَنْ أُخْرِجَ مِنْ صُلْبِهِ أَحَدَ عَشَرَ مَهْدِيّاً كُلُّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ، مِنَ الْبِكْرِ الْبَتُولِ.

وَآخِرُ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ مِنْهُمْ ظُلْماً وَجَوْراً. أُنْجِي بِهِ مِنَ الْهَلَكَةِ وَأهْدِي بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَأُبْرِئُ بِهِ مِنَ الْعَمَى، وَأَشْفِي بِهِ الْمَرِيضَ.

فَقُلْتُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ؟

فَأَوْحَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا رُفِعَ الْعِلْمُ، وَظَهَرَ الْجَهْلُ، وَكَثُرَ الْقُرَّاءُ، وَقَلَّ الْعَمَلُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ، وَقَلَّ الْفُقَهَاءُ الْهَادُونَ، وَكَثُرَ فُقَهَاءُ الضَّلَالَةِ وَالْخَوَنَةُ، وَكَثُرَ الشُّعَرَاءُ ".." وَحُلِّيَتِ الْمَصَاحِفُ، وَزُخْرِفَتِ الْمَسَاجِدُ، وَكَثُرَ الْجَوْرُ وَالْفَسَادُ، وَظَهَرَ الْمُنْكَرُ وَأَمَرَ أُمَّتُكَ بِهِ وَنَهَوْا عَنِ الْمَعْرُوفِ ".." وَصَارَتِ الْأُمَرَاءُ كَفَرَةً وَأَوْلِيَاؤُهُمْ فَجَرَةً وَأَعْوَانُهُمْ ظَلَمَةً، وَذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ فَسَقَةً، وَعِنْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَخَرَابُ الْبَصْرَةِ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يَتْبَعُهُ الزُّنُوجُ، وَخُرُوجُ رَجُلٍ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَظُهُورُ الدَّجَّالِ؛ يَخْرُجُ بِالْمَشْرِقِ مِنْ سِجِسْتَانَ، وَظُهُورُ السُّفْيَانِيِّ.

فَقُلْتُ: إِلَهِي وَمَا يَكُونُ بَعْدِي مِنَ الْفِتَنِ؟

فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ وَأَخْبَرَنِي بِبَلَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَفِتْنَةِ وُلْدِ عَمِّي، وَمَا يَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَوْصَيْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عَمِّي حِينَ هَبَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ، وَأَدَّيْتُ الرِّسَالَةَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا حَمِدَهُ النَّبِيُّونَ، وَكَمَا حَمِدَهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ قَبْلِي وَمَا هُوَ خَالِقُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

 

 

 

اخبار مرتبطة

  دوريات

دوريات

منذ يوم

دوريات

  إصدارات أجنبيّة

إصدارات أجنبيّة

نفحات