كتاباً موقوتاً

كتاباً موقوتاً

منذ يوم

وضوءُ أمير المؤمنين عليه السّلام


وضوءُ أمير المؤمنين عليه السّلام

_____ آية الله الشّيخ جوادي آملي* _____

 

في (الكافي) عَنْ أَبِي عَبْدِ الله الصّادق عليه السَّلام، قَالَ: «بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السَّلام قَاعِدٌ ومَعَه ابْنُه مُحَمَّدٌ إِذْ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، ائْتِنِي بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَاه بِه فَصَبَّه بِيَدِه الْيُمْنَى عَلَى يَدِه الْيُسْرَى، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لله الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ طَهُوراً ولَمْ يَجْعَلْهُ نَجِساً... ثُمَّ اسْتَنْشَقَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُحَرِّمْ عَلَيَّ رِيحَ الْجَنَّةِ واجْعَلْنِي مِمَّنْ يَشُمُّ رِيحَهَا وطِيبَهَا ورَيْحَانَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْطِقْ لِسَانِي بِذِكْرِكَ واجْعَلْنِي مِمَّنْ تَرْضَى عَنْه، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَه، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَسْوَدُّ فِيه الْوُجُوه، ولَا تُسَوِّدْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ فِيه الْوُجُوه، ثُمَّ غَسَلَ يَمِينَه، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي والْخُلْدَ بِيَسَارِي، ثُمَّ غَسَلَ شِمَالَه، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشِمَالِي ولَا تَجْعَلْهَا مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِي، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ مُقَطَّعَاتِ النِّيرَانِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَه، فَقَالَ: اللَّهُمَّ غَشِّنِي بِرَحْمَتِكَ وبَرَكَاتِكَ وعَفْوِكَ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رِجْلَيْه، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمَيَّ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيه الأَقْدَامُ، واجْعَلْ سَعْيِي فِيمَا يُرْضِيكَ عَنِّي، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ تَوَضَّأَ بِمِثْلِ مَا تَوَضَّأْتُ، وقَالَ مِثْلَ مَا قُلْتُ، خَلَقَ الله لَه مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكاً يُقَدِّسُه ويُسَبِّحُه ويُكَبِّرُه ويُهَلِّلُه، ويَكْتُبُ لَه ثَوَابَ ذَلِكَ».

***

إنّ الله سبحانه يخلقُ بوضوء مَن أراد الصّلاة ملائكةً كثيرة تقدّسه وتسبّحه وتكبّره، وذلك إذا كان الوضوء مثلَ وضوء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، والدّعاء حالَ الوضوء هو مثل دعائه عليه السّلام... لا أيّ وضوء، ولا أيّ قول ودعاء.

بل إذا كان ذلك الفعل وهذا القول فعلاً عَلَويّاً وقولاً علويّاً، يوجب أن يرتّب اللهُ سبحانه ذلك الأثر المهمّ عليه، أو يتمثّل ذلك الفعل وهذا القول بصورة الملَك، بناءً على تمثُّل الأعمال.

ولا يُستفاد من هذا الحديث أنّ صرْفَ غَسْل الوجه واليدَين، ومجرّد مسح الرأس والرِّجلين على المنهج المعهود لدى أهل البيت عليهم السّلام، وصرْفَ التّكلُّم بتلك الكلمات المأثورة حين الغسل والمسح، يصير سبباً لأن يخلق الله تعالى بكلّ قطرة ملَكاً مقدّساً ومسبّحاً ومكبّراً، وليس ذلك إلَّا لأنّ للوضوء - بما أنّه سبب للطّهارة - سرّاً عينيّاً وباطناً خارجيّاً، يناله مَن أخلص وجهه لله، ويصل إليه مَن أسلم قلبَه لله، بحيث يصير طاهراً عن كلّ رجسٍ ودَنَسٍ، ويكون جوهر طهارته تقديساً وتسبيحاً وتكبيراً، هنالك يصلح لأنْ يخلق الله من كلّ قطرةٍ من وضوئه ملَكاً له تلك الآثار الملكوتيّة..

وممّا يُرشد إلى أنّ للوضوء - بما أنّه طهارة عن الرّجس - سرّاً خارجيّاً هو ما رُوي عن الإمام عليّ عليه السّلام، قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضّأُ فَيَقُولُ عِنْدَ وُضُوئه: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِينَ، واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِين، إلَّا كُتِبَ فِي رَقٍّ وخُتِمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ وُضِعَت تَحْتَ العَرْشِ حَتَّى تُدْفَعَ إِلَيْهِ بِخَاتَمِها يَوْمَ القِيَامة».

إذاً، المستفاد من هذا الحديث هو: أنّ للوضوء صورة ملكوتيّة خارجيّة، عدا ما له من العنوان الاعتباريّ المؤلَّف اعتباراً من عدّة حركات مع النيّة، وتلك الصّورة الصّاعدة إلى تحت العرش هي سرّ الوضوء المعهود لدى النّاس، ومثل هذا الوضوء الذي له سرٌّ تكوينيّ هو الذي يكون نصفَ الإيمان، كما ورد النّقل به.

 
 
 

* عن كتابه (أسرار الصلاة)

اخبار مرتبطة

  دوريات

دوريات

منذ يوم

دوريات

نفحات