الملف

الملف

منذ 0 ساعة

الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام
ثامنُ أئمّة المسلمين الاثنَي عشر عليهم السلام






اقرأ في الملف

استهلال (دعاء الإمام الرضا عليه السلام للإمام المهديّ المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف)

على أعتاب الإمام الرضا عليه السلام

عالمُ آل محمّد: موجز سيرته صلوات الله عليه

في ثواب زيارته عليه السلام، وكرامات مرقده برواية المحدّث القمّي

زوّار الإمام الرضا عليه السلام من أعلام المسلمين السُّنّة

شهادته عليه السلام: المأمون مخطّطاً ومنفّذاً

الملف من إعداد: أسرة التحرير

 

استهلال

دعاء الإمام الرضا عليه السلام

للإمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف

اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدْ وآلِ مُحَمَّدٍ

 وادْفَعْ عَنْ وَلِيِّكَ وخَلِيفَتِكَ وحُجَّتِكَ عَلَى خَلْقِكَ، ولِسَانِكَ الْمُعَبِّرِ عَنْكَ بِإِذْنِكَ، النَّاطِقِ بِحِكْمَتِكَ وعَيْنِكَ النَّاظِرَةِ في بَرِيَّتِكَ، والشَّاهِدِ عَلَى عِبَادِكَ الْجَحْجَاحِ الْمُجَاهِدِ المُجْتَهِد، عَبْدكَ الْعَائِذِ بِكَ. ".."

اللَّهُمَّ وقَوِّنَا عَلَى طَاعَتِه وثَبِّتْنَا عَلَى مُشَايَعَتِه وامْنُنْ عَلَيْنَا بِمُتَابَعَتِه، واجْعَلْنَا فِي حِزْبِه الْقَوَّامِينَ بِأَمْرِه الصَّابِرِينَ مَعَه، الطَّالِبِينَ رِضَاكَ بِمُنَاصَحَتِه، حَتَّى تَحْشُرَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَنْصَارِه وأَعْوَانِه ومُقَوِّيَةِ سُلْطَانِه، اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدْ وآلِ مُحَمَّدٍ واجْعَلْ ذَلِكَ كلّهُ منّا لَكَ خَالِصاً مِنْ كُلِّ شَكٍّ وشُبْهَةٍ ورِيَاءٍ وسُمْعَةٍ، حَتَّى لا نَعْتَمِدَ بِه غَيْرَكَ ولا نَطْلُبَ بِه إِلَّا وَجْهَكَ، وحَتَّى تُحِلَّنَا مَحَلَّه وتَجْعَلَنَا فِي الْجَنَّةِ مَعَه ولا تَبْتَلِنا في أمْرِهِ بالسَّأْمَةِ والْكَسَلِ والْفَتْرَةِ والفَشَلِ، واجْعَلْنَا مِمَّنْ تَنْتَصِرُ بِه لِدِينِكَ وتُعِزُّ بِه نَصْرَ وَلِيِّكَ ولا تَسْتَبْدِلْ بِنَا غَيْرَنَا، فَإِنَّ اسْتِبْدَالَكَ بِنَا غَيْرَنَا عَلَيْكَ يَسِيرٌ وهُوَ عَلَيْنَا كَبيرٌ، إنّكَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ.

 (السيد ابن طاوس، جمال الأسبوع)

 

 

على أعتاب الإمام الرضا عليه السلام

 

في ذكرى ولادة الإمام عليّ بن موسى الرضا، عليه السلام، نرفعُ آيات التبريك إلى ابنه إمام زماننا الإمام المهديّ المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

ولأنّ كلّ إمام ٍ بعد الإمام الرضا عليهم السلام، كان يُعرَف بابن الرّضا، فإنّنا نخاطبُ إمامَ زماننا فنقول:

يا ابنَ الرضا، يا ابنَ الرضا، يا ابنَ الرضا، نريدُ عيديّتنا؛ الرضا، واليقين، والثبات، والتفريج عن المؤمنين المكروبين، خصوصاً في البحرين، والشام، والحجاز، واليمن، والعراق، والباكستان.

***

هل نُدركُ بهجةَ العيد بمولد المعصومين عليهم السلام؟

كلّ واحدٍ من الأئمّة عليهم السلام هو تجلّي كمال الدين وتمام النعمة العُظمى. وبعضُ بركات تجلّي النعمة العظمى في الإمام الثامن، هي الثورة الإسلاميّة، والجمهوريّة الإسلاميّة، والمقاومة الإسلامية، وهذه الانتصارات المتتالية التي تجعلُ هذا العصر وكأنّه ليس من أيّام الدنيا.

رُوي عن الإمام الرضا، عليه السلام، أنّه قال: «..إِذا أَخَذَ النّاسُ يَميناً وَشِمالاً فَالْزَمْ طَريقَتَنا؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَنا لَزَمْناهُ، وَمَنْ فارَقَنا فارَقْناهُ».

وأهمّ واجباتنا لنُحسِنَ الاحتفال بهذا العيد، أن نعرفَ ماذا يريد منّا الإمامُ الرضا، عليه السلام، مبلِّغاً عن آبائه وأجداده، عن الله تعالى، لنشدَّ الهمّة في الالتزام بذلك.

 

دعاءُ الإمام الرّضا عليه السلام لأوليائه

«.. عن عبد الله بن أبان الزيّات - وكان مكيناً عند الرضا، عليه السلام، - قال: قلتُ للرضا عليه السلام: ادعُ اللهَ لي ولأهل بيتي، فقال: أَوَلَسْتُ أَفْعَلُ؟ وَاللهِ إِنَّ أَعْمالَكُمْ لَتُعْرَضُ عَلَيَّ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.

فقال [الزيّات]: فاستعظمتُ ذلك.

فقال لي: أَما تَقْرَأُ كِتابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..﴾؟ قال: هُوَ وَاللهِ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ».

(المجلسي الأوّل، روضة المتّقين)

قال الفيض الكاشاني في التعليق على هذه الرواية: يقصد: وحُكمُ الأئمّة من بَنيه، حكمُه عليه السلام.

 

عالمُ آلِ محمّد

موجز في سيرة الإمام الرضا عليه السلام

الإمام عليّ الرضا، عليه السّلام، يتحدّرُ عن سلالة طاهرة تتّصل بالنبوّة والإمامة الإلهيّة، وتمتّد مُتشعّبةً في بيوت الأوصياء والأولياء، ومَن كانوا مِن قبلُ على دين الحنيفيّة ومِلّةِ إبراهيم خليلِ الرّحمن عليه السّلام.

هذا المقال، يُضيء على أبرز المحطّات في سيرة الإمام الرضا عليه السلام، نقلاً عن (الصواعق المحرقة) لابن حجر الهَيتمي، و(ينابيع المودّة) للقُندوزي الحنفي، و(عيون أخبار الرضا عليه السلام) للشيخ الصدوق.

 

الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: أبوه الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، «الوارثُ لجميع الخصال والمآثر الحميدة»، كما وصفه ابن حجر الهيتمي قائلاً: «وارثُ [أبيه] علماً ومعرفةً وكمالاً وفضلاً، سُمّي الكاظم لكَثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبدَ أهل زمانه وأعلمَهم وأسخاهم».

أضاف ابن حجر في آخر ترجمة الإمام الكاظم عليه السلام:

«من أولاده عليّ الرضا، وهو أنبهُهم ذِكراً وأجَلّهم قدْراً، ومن ثمّ أحلّه المأمون محلّ مُهجته وأشركه في مملكته وفوّض إليه أمر خلافته؛ فإنّه كتب بيده كتاباً، سنة إحدى ومائتين، بأنّ عليّاً الرضا وليّ عهده، وأَشْهدَ عليه جمعاً كثيرين، لكنّه توفّي قبله...

وأخبرَ قبل موته بأنّه يأكلُ عنباً ورُمّاناً مبثوثاً ويموت، وأنّ المأمون يريد دفنَه خلف الرشيد فلم يستطع، فكان ذلك كلّه كما أخبر به.

ومن مواليه معروف الكرخيّ [توفّي عام 200 للهجرة] أستاذ السري السقطي [من كبار المتصوّفة. بغداديّ المولد والوفاة] لأنّه أسلمَ على يديه.

وقال لرجلٍ: (يا عَبْدَ اللهِ، ارْضَ بِما يُريدُ وَاسْتَعِدَّ لِما لا بُدَّ مِنْهُ)، فمات الرجلُ بعد ثلاثة أيّام. رواه الحاكم.

وروى الحاكم عن محمّد بن عيسى عن أبي حبيب، قال: رأيتُ النبيّ في المنام، في المنزل الذي ينزل الحُجّاج ببلدنا، فسلّمتُ عليه فوجدتُ عنده طبقاً من خُوص المدينة فيه تمرٌ صيحانيّ، فناولني منه ثماني عشرة، فتأوّلتُ أن أعيش عدّتها. فلمّا كان بعد عشرين يوماً، قدِم أبو الحسن عليّ الرضا من المدينة ونزل ذلك المسجد، وهرع الناسُ بالسلام عليه، فمضيتُ نحوه، فإذا هو جالسٌ في الموضع الذي رأيت النبيّ جالساً فيه، وبين يدَيه طبقٌ من خوص المدينة فيه تمرٌ صيحانيّ، فسلّمتُ عليه فاستدناني وناولني قبضةً من ذلك التمر، فإذا عِدَّتُها بعدد ما ناولني النبيّ في النوم، فقلت: زِدني، فقال: (لَوْ زادَكَ رَسولُ اللهِ لَزِدْناكَ).

ولمّا دخل نيسابور، كما في تاريخها، وشقّ سوقَها وعليه مظلّةٌ لا يُرى من ورائها، تعرّض له الحافظان أبو زرعة الرازي ومحمّد بن أسلم الطوسي، ومعهما من طلَبة العلم والحديث ما لا يُحصَى عددهم، فتضرّعا إليه أن يريَهم وجهَه ويروي لهم حديثاً عن آبائه.

فاستوقفَ البغلة، وأمر غلمانه بكفّ المظلّة، وأقرَّ عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة.. والناسُ بين صارخٍ، وباكٍ، ومُتمرِّغٍ في التراب، ومقبِّلٍ لحافر بغلته.

فصاحت العلماء: معاشرَ الناس، أنصِتوا! فأنصَتوا، واستملى منه الحافظان المذكوران، فقال: حَدَّثَني أَبي موسى الكاظِمُ، عَنْ أَبيهِ جَعْفَرٍ الصّادِقِ، عَنْ أَبيهِ مُحَمَّدٍ الباقِرِ، عَنْ أَبيهِ زَيْنِ العابِدينَ، عَنْ أَبيهِ الحُسَيْنِ، عَنْ أَبيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، قالَ: حَدَّثَني حَبيبي وَقُرَّةُ عَيْني رَسولُ اللهِ، قالَ: حَدَّثَني جِبْريلُ، قالَ: سَمِعْتُ رَبَّ العِزَّةِ يَقولُ: لا إِلَهَ إِلّا اللهُ حِصْني، فَمَنْ قالَها دَخَلَ حِصْني، وَمَنْ دَخَلَ حِصْني أَمِنَ مِنْ عَذابي.

ثمّ أرخى الستر وسارَ، فعُدّ أهلُ المحابر والدَّوَى الذين كانوا يكتبون، فأنافوا على عشرين ألفاً، وفي رواية أنّ الحديث المرويّ: الإيمانُ مَعْرِفَةٌ بِالقَلْبِ، وَإِقْرارٌ بِاللِّسانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكانِ. ولعلّهما واقعتان. قال أحمد: لو قرأتُ هذا الإسنادَ على مجنونٍ لبرئ من جِنّته». انتهى.

الوالدة

أمّا أُمّه، عليهما السّلام، فقد وردت لها عدّة أسماء، أشهرها (نجمة)، و(تَكْتُم). أجمعَ أصحاب السيرة أنّها، عليها السلام، امرأة صالحة عابدة، تتحلّى بأسمى مكارم الأخلاق، وقد ذكرها الشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ بقوله: «وكانت من أفضل النساء في عقلها ودينها، وإعظامِها لمولاتها حميدة [أمّ الإمام الكاظم عليها السلام]، حتّى إنّها ما جلست بين يديها.. إجلالاً لها».

 

المولد المبارك

في شأن المولد الشريف للإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام.. وقف المؤرّخون على تاريخين:

الأوّل: هو يوم الخميس الحادي عشر من شهر ربيع الأوّل سنة 153 من الهجرة النبويّة المباركة. وهو قول جماعة ليست بكثيرة.

الثاني: هو يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ذي القعدة سنة 148 من الهجرة المُحمّديّة الشريفة. وهو الرأي الأقوى والأشهر، وقد قال به جماعة كثيرة من العلماء والمؤرّخين، منهم: الشيخ المفيد في (الإرشاد)، والشيخ الكلينيّ في (الكافي)، وسبط ابن الجوزيّ في (تذكرة خواصّ الأُمّة).. وغيرهم كثير.

فيكون مولد الإمام الرضا، عليه السلام، في السنة ذاتها التي استُشهد فيها جدّه الإمام الصادق، عليه السلام، وعلى وجه الدقّة بعد ستّة عشر يوماً تقريباً، إذ إنّ شهادة الإمام الصادق، عليه السلام، مؤرّخة في الخامس والعشرين من شهر شوّال عام 148 للهجرة. أمّا محلّ المولد الشريف ومكانه.. فلا خلاف في أنّه المدينة المنوّرة.

المَقْدم الميمون

عَهِد الناس أن تبدأ حياة أهل البيت عليهم السّلام بالفضائل والكرامات، وتنتهي بها. وفي مطلع الإشراقة القُدسيّة السعيدة لمولد الإمام عليّ الرضا صلواتُ الله عليه رُويت هذه الرواية عن أكثر من شخص وأكثر من كتاب، وبصيَغٍ متقاربة:

«عن الشيخ سليمان القندوزيّ الحنفيّ في (ينابيع المودّة)، قال: قالت [أمّ الرّضا عليه السّلام]: لمّا حملتُ بابني عليّ الرضا لم أشعر بثِقل الحمل، وكنت أسمعُ في منامي تسبيحاً وتحميداً وتهليلاً من بطني، فلمّا وضعتُه، وقع إلى الأرض واضعاً يده على الأرض، رافعاً رأسه إلى السماء، مُحرّكاً شفتَيه كأنّه يناجي ربَّه، فدخل أبوه فقال لي: هَنيئاً لَكِ كَرامَةُ رَبِّكِ عَزَّ وَجَلَّ. فناولتُه إيّاه، فأذَّنَ في أُذُنه اليمنى، وأقام في اليسرى، فحنّكَه بماء الفرات».

* وروى يزيدُ بن سليط، قال: «لَقينا أبا عبدالله [الصّادق]، عليه السلام، في طريق مكّة ونحن جماعة، فقلتُ له: بأبي أنتَ وأميّ! أنتم الأئمّة المطهّرون، والموتُ لا يعرى منه أحدٌ، فأحدِثْ إليَّ شيئاً أُلقيه إلى مَن يخلُفني من بعدي فلا يضلّ. فقال لي: نَعَمْ، هَؤُلاءِ وُلْدِي، وَهَذا سَيِّدُهُمْ - وأشار إلى ابنه موسى، عليه السلام، - وَفيهِ العِلْمُ وَالحُكْمُ وَالفَهْمُ، وَالسَّخاءُ وَالمَعْرِفَةُ بِما يَحْتاجُ النّاسُ إِلَيْهِ في ما اخْتَلَفوا فيهِ مِنْ أَمْرِ دينِهِمْ، وَفيهِ حُسْنُ الخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوارِ، وَهُوَ بابٌ مِنْ أَبْوابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

وَفيهِ أُخْرى، هِيَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ كُلّهِ: يُخْرِجُ اللهُ، تَعالى، مِنْهُ غَوْثَ الأُمَّةِ وَغِياثَها، وَعِلْمَها وَنورَها، وَفَهْمَها وَحُكْمَها، خَيْرُ مَوْلودٍ وَخَيْرُ ناشِئٍ، يَحْقِنُ اللهُ بِهِ الدِّماءَ، وَيُصْلِحُ بِهِ ذاتَ البَيْنِ، وَيَلُمُّ بِهِ الشَّعَثَ، وَيشْعِبُ بِهِ الصَّدْعَ، وَيَكْسُو بِهِ العَاري، وَيُشْبِعُ بِهِ الجائِعَ، وَيُؤْمِنُ بِهِ الخائِفَ، وَيُنْزِلُ بِهِ القَطْرَ، وَيَأْتَمِرُ لَهُ العِبادُ؛ قَوْلُهُ حُكْمٌ، وَصَمْتُهُ عِلْمٌ، يُبَيَّنُ للنّاسِ ما يَخْتَلفونَ فيهِ».

الأولاد

* روى الإربلّيّ في (كشف الغُمّة) بسنده عن حنان بن سدير، قال: قلتُ لأبي الحسن الرضا عليه السّلام: أيكون إمامٌ ليس له عَقِب؟ فقال عليه السّلام: «أَما إِنَّهُ لا يُولَدُ لي إِلّا واحِدٌ، وَلَكِنَّ اللهَ مُنْشِئٌ مِنْهُ ذُرِّيَّةً كَثيرَةً».

* وقال الشيخ المفيد في (الإرشاد): «ومضى الرضا، عليه السّلام، ولم يترك ولداً نعلَمُه إلاّ ابنه الإمام بعده: أبا جعفر محمّد بن عليّ، عليهما السّلام، وكان سِنُّه يوم وفاة أبيه سبع سنين وأشهراً».

الشهادة

قال المُحدّث الشيخ عبّاس القمّي في (الأنوار البهيّة): «قُبض أبو الحسن علي بن موسى الرضا، عليهما السلام، في آخر صفر، كما اختاره ابن الأثير والطبرسي والسيد الشبلنجي وغيرهم، من سنة ثلاث ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة. ".."

وكتب المأمون إلى أهل بغداد وبني العبّاس والموالي يُعلمهم بموته، عليه السّلام، وأنهم نُقموا ببيعته، وقد مات، وسألهم الدخولَ في طاعته، فكتبوا إليه أغلظَ جواب. ".."

وروى الصدوق عن دعبل بن عليّ، قال: «جاءني خبرُ موت الرضا، عليه السّلام، وأنا بقمّ، فقلت قصيدتي الرائية». ومن أبيات هذه القصيدة، قولُ دِعبل:

أَرَى أُمَيَّةَ مَعذُورِينَ إِنْ قَتَلُوا             

ولا أَرى لِبنَي العبَّاسِ مِنْ عُذرِ.

 

 

في ثواب زيارة أبي الحسن الرضا عليه السلام

موضعُ قبره بقعةٌ من بقاع الجنّة

المُحدّث الشيخ عباس القمّي رحمه الله

تكشفُ الروايات عن الإمام الرضا نفسه، وعن أبيه الإمام الكاظم، وعن ابنه الإمام الجواد، وحفيده الإمام الهادي، عليهم السلام، كرامةً خاصّة لمرقده الشريف في طوس [مدينة مشهد]، تتجلّى في الثواب الجزيل لزوّاره، والوعد بقضاء حوائجهم.

ما يلي مقتطف من كتاب (الأنوار البهية) للمُحدّث الشيخ عبّاس القمّي يورد فيه روايات استحباب الزيارة، مع الإشارة لكثرة الكرامات التي ظهرت عند المشهد الشريف. 

 

قال المُحدّث الشيخ عبّاس القمّي، رضوان الله عليه، في كتابه (الأنوار البهيّة)، تحت عنوان: (فصلٌ في ثواب زيارة أبي الحسن الرضا عليه السلام):

«وثواب زيارته، عليه السلام، أكثر من أن يذكَر.

* قال الشيخ الشهيد في (الدروس) عن الإمام الكاظم عليه السلام: (مَنْ زارَ قَبْرَ وَلَدي عَلِيٍّ كانَ عِنْدَ اللهِ كَسَبْعينَ حِجَّةً مَبْرورَةً. قال له يحيى المازني: سبعين حجّة مبرورة؟ قال: نَعَمْ، وَسَبْعينَ أَلْفِ حِجَّةٍ).

* وقيل لأبي جعفر محمّد بن علي الجواد عليهما السلام: (زيارةُ الرضا، عليه السلام، أفضل، أم زيارة الحسين عليه السلام؟ فقال: زَيارَةُ أَبي أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ لا يَزورُهُ إِلّا الخَواصُّ مِنَ الشّيعَةِ).

* وعنه، عليه السلام، إنّها: (أَفْضَلُ مِنَ الحَجِّ [غير الواجب]، وَأَفْضَلُها في رَجَبٍ).

* وروى البِزنطيّ، قال: (قرأت كتاب أبي الحسن الرضا، عليه السلام، بخطّه: أَبْلِغْ شِيعَتي أَنَّ زِيارَتي تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ أَلْفَ حِجَّةٍ، وَأَلْفَ عُمْرَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ كُلّها، قال: قلتُ لأبي جعفر عليه السلام: ألف حجّة؟ قال: إِي وَاللهِ، وَأَلْفَ أَلْفَ حِجَّةٍ لِمَنْ يَزورُهُ عارِفاً بِحَقِّهِ).

أقول: قد ظهرَ من هذه الفقرة الشريفة، أنّ الاختلاف الوارد في قدْر الفضل والثواب محمولٌ على اختلاف الأشخاص، واختلاف مراتب الإخلاص، والمعرفة والتقوى، أو غير ذلك.

* وقال الرضا عليه السلام: «مَنْ زارَني عَلى بُعْد دَاري وَمَزاري، أَتَيْتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ في ثَلاثِ مَواطِنَ حَتَّى أُخَلِّصَهُ مِنْ أَهْوالِها: إِذا تَطايَرَتِ الكُتُبُ يَميناً وَشِمالاً، وَعِنْدَ الصِّراطِ، وَالميزانِ».

* وروى الصدوق عن أبي الحسن الهادي، عليه السلام، يقول: (مَنْ كانَتْ لَهُ إِلى اللهِ، عَزَّ وَجَلَّ، حاجَةٌ، فَلْيَزُرْ قَبْرَ جَدّي الرِّضا عَلَيْهِ السَّلامُ، بِطوسَ، وَهُوَ عَلى غُسْلٍ، وَلْيُصَلِّ عِنْدَ رَأْسِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَسْأَلِ اللهَ، تَعالى، حاجَتَهُ في قُنوتِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَجيبُ لَهُ، ما لَمْ يَسْأَلْ في مَأْثَمٍ أَوْ قَطيعَةِ رَحِمٍ، فَإِنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ لَبُقَعَةٌ مِنْ بِقاعِ الجَنَّةِ، لا يَزورُها مُؤْمِنٌ إِلّا أَعْتَقَهُ اللهُ، تَعالى، مِنَ النّارِ، وَأَحَلَّهُ دارَ القَرارِ).

* قال الشيخ المفيد في (المقنعة) - باب مختصر زيارته عليه السلام: (تقف على قبره – بعد أن تغتسل لزيارته، وتلبس أطهر ثيابك - وتقول:

السَّلامُ عَلَيْكَ يا وَلِيَّ اللهِ وَابْنَ وَلِيِّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا حُجَّةَ اللهِ وَابْنَ حُجَّتِهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا إِمامَ الْهُدى وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقى وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، أَشْهَدُ أَنَّكَ مَضَيْتَ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ آباؤُكَ الطّاهِرُونَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ، لَمْ تُؤْثِرْ عَمًى عَلى هُدًى، وَلَمْ تَمِلْ مِنْ حَقٍّ إِلى باطِل، وَأَنَّكَ نَصَحْتَ للهِ وَلِرَسُولِهِ، وَأَدَّيْتَ الأَمانَةَ، فَجَزاكَ اللهُ عَنِ الإسْلامِ وَأَهْلِهِ خَيْرَ الْجَزاءِ، أَتَيْتُكَ بِأَبي [أنتَ] وَأُمّي زائِراً عارِفاً بِحَقِّكَ، مُوالِياً لِأَوْلِيائِكَ، مُعادِياً لأَعْدائِكَ، فَاشْفَعْ لي عِنْدَ رَبِّكَ.

ثمّ انكبّ على القبر [فقبّله]، وضع خدّيك عليه، ثم تحوّل إلى عند الرأس فقُل: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مَوْلايَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، أَشْهَدُ أَنَّكَ الإمامُ الْهَادِي، وَالْوَلِيُّ الْمُرْشِدُ، أَبْرَأُ إلَى اللهِ مِنْ أَعْدائِكَ، وَأَتَقَرَّبُ إلَى اللهِ بِوِلايَتِكَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.

ثم صلِّ ركعتَي الزيارة، وصلِّ بعدهما ما بدا لك، وتحوّل إلى عند الرِّجلين فادعُ بما شئتَ إن شاء الله).

* قال السيّد ابن طاوس في (الإقبال): (ورأيتُ في بعض تصانيف أصحابنا العَجم رضوان الله عليهم، أنّه يُستحبّ أن يزار مولانا الرضا، عليه السلام، يوم ثالث وعشرين من ذي القعدة من قُرب أو بُعد ببعض زياراته المعروفة، أو بما يكون كالزيارة من الرواية بذلك).

* قلت: وروى العلّامة المجلسي رحمه الله عن صاحب كتاب (العُدَد القوية) أنّه قال: (إنّ وفاة الرضا، عليه السلام، كانت في ذلك اليوم، واللهُ العالم).

* قال السيّد الداماد قدّس سرّه في رسالة (أربعة أيّام) في ذكر أعمال يوم دَحْو الأرض يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة: (إنّ زيارة الرضا، عليه السلام، فيه أفضلُ الأعمال المُستحبّة، وآكَدُ الآداب المسنونة)».

كرامات المشهد الرضوي في كلمات العلماء

أضاف المحدّث القمّي:

«قال شيخنا الطبرسيّ رحمه الله في (إعلام الورى) بعد ذكر جملةً من دلائل الرضا ومعجزاته عليه السلام: (وأمّا ما ظهر للناس بعد وفاته من بركة مشهده المقدّس، وعلاماته والعجائب التي شاهدها الخلقُ فيه، وأذعن العامّ والخاصّ له، وأقرّ المُخالف والمؤالف به إلى يومنا هذا، فكثيرٌ خارجٌ عن حدّ الإحصاء والعَدّ، ولقد أُبرئ فيه الأكمه والأبرص، واستُجيبت الدعوات، وقُضيت ببركته الحاجات، وكُشفت الملمّات، وشاهدنا كثيراً من ذلك وتيقّناه...).

وقال شيخنا الحرّ العاملي قدّس سرّه في (إثبات الهداة) بعد نقل هذا الكلام من (الإعلام): (يقول محمّد بن الحسن الحرّ، مؤلّف هذا الكتاب: (ولقد رأيت وشاهدت كثيراً من ذلك وتيقّنته - كما شاهده الطبرسيّ وتيقّنه - في مدّة مجاورتي لمشهد الرضا، عليه السلام، وذلك ستّة وعشرون سنة، وسمعتُ من الأخبار في ذلك ما يجاوز حدَّ التواتر. وليس في خاطري أنّي دعوتُ في هذا المشهد وطلبتُ من الله تعالى حاجةً إلّا وقُضيت لي، والحمد لله.

وتفصيلُ ذلك يضيق عنه المجال، ويطول فيه المقال، فلذلك اكتفيتُ بالإجمال، ومن ذلك أنّ بنتاً من جيراننا كانت خرساء، ثمّ زارت قبر الرضا، عليه السلام، يوماً، فرأتْ عند القبر رجلاً حسنَ الهيئة - ظنّت أنّه الرضا، عليه السلام - فقال لها: ما لكِ لا تتكلّمين؟ تكلّمي! فنطقتْ في الحال وزالَ عنها الخرس بالكليّة. فقلتُ فيها هذه الأبيات:

يا كليمَ الرِّضا عَلَيْهِ السَّلامُ

وَعَلَيْكِ السَّلامُ وَالإِكْرامُ

كَلِّميني عَسى أَكونُ كَليماً

لِكَليمِ الرِّضا عَلَيْهِ السَّلامُ).

 

يقول عبّاس بن محمّد رضا القمّي مؤلّف هذا الكتاب: ولقد رأيتُ وشاهدتُ في مدّة مجاورتي لهذا المشهد المقدّس، خصوصاً في هذا التاريخ، وهو شوّال سنة 1343 ثلاث وأربعين بعد ألف وثلاثمائة، كثيراً من ذلك وتيقّنته، وعلمتُ علماً لا يخالجُ الشكّ والرَّيب في معناه، فلو ذهبتُ للخَوض في إيراد ذلك لخرجتُ عن الغرَض في هذا الكتاب، ولقد صدق شيخنا [الحرّ] العامليّ في قوله:

 

وَمَا بَدَا مِنْ بَرَكَاتِ مَشْهَدِهْ

فِي‌ كُلِّ يَوْمٍ أَمْسُهُ مِثْلُ غَدِهْ

وَكَشِفَاءِ العُمْي‌ِ وَالَمْرضَى‌ بِهْ

إجَابَةُ الدُّعَاءِ فِي‌ أَعْتَابِهْ».

 

 

 

استردادُ الوديعة

«حدّث أبو نصر، أحمد بن الحسين الضَّبّي، وما كان أحدٌ أنصَبَ منه، حتّى بلغ مِن نَصْبه أنّه كان يمتنعُ عن الصلاة على آل النبيّ صلّى الله عليه وعليهم، قال: سمعتُ أبا بكر الحمّامي الفرّاء في سكّة حرب نيسابور - وكان من أصحاب الحديث - يقول: أودَعَني بعضُ الناس وديعةً فدفنتُها ونسيتُ موضعَها، فتحيّرت! فلمّا أتى على ذلك مدّةٌ جاءني صاحبُ الوديعة يطالبني بها، فلم أعرف موضعَها وتحيّرت، واتّهمني صاحب الوديعة، فخرجتُ من بيتي مغموماً مُتحيّراً، فرأيت جماعةً من الناس يتوجّهون إلى مشهد الرضا، عليه السّلام، فخرجتُ معهم إلى المشهد.

هناك زرتُ ودعوتُ الله، عزّ وجلّ، أن يُبيّن لي موضع الوديعة، فرأيت في ما يرى النائم كأنّ أحداً أتاني فقال لي: دفنتَ الوديعةَ في موضع كذا وكذا.

فرجعتُ إلى صاحب الوديعة، وأرشدتُه إلى ذلك الموضع الذي رأيتُه في المنام وأنا غير مُصدِّقٍ بما رأيت، فقصد صاحب الوديعة ذلك المكان وحَفَره واستخرج منه الوديعة بختم صاحبها.

وكان هذا الرجل بعد ذاك يحدّث الناسَ بهذا الحديث، ويحثّهم على زيارة هذا المشهد، على ساكنه التحيّة والسلام.

(الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام)

 

 

 

الحاكم النّيسابوري، وأبو حامد الغزالي، وفخر الدين الرازي تضرّعوا على أعتابه

قوافل زوّار الإمام الرضا، عليه السلام، من أعلام المسلمين السُّنّة*

 

اتّفق علماء المسلمين على جواز زيارة القبور عامّة، وقبور الأنبياء والأولياء والصالحين خاصّة، وروَوا أنّ النبيّ، صلّى الله عليه وآله وسلّم، زار قبر أُمّه السيّدة آمنة، عليها السلام، فبكى وأبكى مَن حَوله، وقال: «اسْتَأْذَنْتُهُ - أي الله تعالى - في أَنْ أَزورَ قَبْرَها، فَأَذِنَ لي؛ فَزُوروا القُبورَ فَإِنَّها تُذَكِّرُ الموتَ».

وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَنْ زار قَبْري وَجَبتْ لَهُ شَفاعَتي».

وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: «مَنْ حَجَّ فَزارَني بَعْدَ وَفاتي، كانَ كَمَنْ زارَني في حَياتي».

 

دأَبَ محبّو أهل البيت، عليهم السّلام، من الشيعة والسُّنّة، ومنذ القرون الهجرية الأولى، على زيارة قبر رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومشاهد أئمّة أهل البيت، عليهم السّلام، ومنهم الإمام الهُمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام، حيث روى الشيخ الصدوق في خاتمة كتابه (عيون أخبار الرضا عليه السلام) أخباراً عن زيارة أهل السنّة لمرقد هذا الإمام الرؤوف، فضلاً عن شيعته.

ونورد في ما يلي أسماء بعض أعلام أهل السنّة ورجالاتهم ممّن تشرّفوا بزيارة المرقد الطاهر للإمام الرضا عليه السّلام.

 

أبو بكر بن خُزَيمة، وأبو علي الثقفيّ (القرن الهجري الرابع)

أبو بكر بن خزيمة النيسابوري (223 - 311 للهجرة) أحد المُحدّثين المشهورين الذين خلّفوا تراثاً روائيّاً ضخماً، ومن مؤلّفاته: (صحيح ابن خُزيمة)، و(كتاب التوحيد).

وأبو علي محمّد بن عبد الوهاب الثقفيّ (ت: 329 للهجرة)، أحد علماء نيسابور الأعلام، وكان يحظى بمنزلة علميّة مرموقة، إلاّ أنّه لزم بيته جرّاء مخالفته ابنَ خُزيمة في أبحاثه العقائديّة.

يقول ابن حَجَر في (تهذيب التهذيب): كتب الحاكم النيسابوري في تاريخ نيسابور يقول:

«سمعتُ أبا بكر محمّد بن مؤمّل يقول: خَرَجنا مع إمام أهل الحديث أبي بكر بن خُزيمة وعَديلِه أبي علي الثقفيّ مع جماعةٍ من مشايخنا - وهم إذ ذاك متوفّرون - إلى زيارة عليّ بن موسى الرضا بطوس. قال: فرأيتُ من تعظيمه - يعني ابن خُزيمة - لتلك البُقعة وتواضعه لها وتضرّعه عندها ما حَيَّرنا».

ابن حَبّان البُستي (القرن الرابع)

أبو حاتم محمّد بن حَبّان البُستي (ت: 354 للهجرة)، أحد مُحدّثي أهل السنّة وعلمائهم البارزين في علم الرجال خلال القرن الرابع الهجري، ألّف كتابَين مُهمَّين في علم الرجال، أوّلها (كتاب الثقات)، والثاني (كتاب المجروحين)، إضافة إلى مؤلّفاته في المجالات الأخرى.

يقول ابن حَبّان في كتاب (الثقات)، في خاتمة ترجمته للإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام: «مات عليّ بن موسى الرضا بطوس من شربةٍ سقاه إيّاها المأمون، فمات من ساعته، وذلك في يوم السبت آخر يوم سنة ثلاث ومائتين، وقبره بـ (سناباد) خارج النُّوقان مشهور، يُزار بجنب قبر الرشيد. قد زُرتُه مراراً كثيرة، وما حَلّت بي شدّةٌ في وقتِ مقامي بطوس، فزُرتُ قبرَ عليّ بن موسى الرضا، صلوات الله على جدّه وعليه، ودعوتُ الله إزالتَها عنّي، إلّا استُجيب لي وزالت عني تلك الشدّة، وهذا شيءٌ قد جرّبتُه مِراراً فوجدتُه كذلك، أماتَنا الله على محبّة المصطفى وأهل بيته، صلّى الله عليه وعليهم أجمعين».

الحاكم النَّيسابوري (القرن الخامس)

محمّد بن عبدالله، المعروف بالحاكم النَّيسابوري (321 - 405 للهجرة)، من علماء أهل السنّة ومُحدّثيهم وأعلامهم البارزين، ألّف كتاباً مهمّاً باسم (المستدرك)، استدرك فيه على كتابَي أهل السنّة المشهورَين: (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم).

والحاكم النيسابوري من مُحبّي أمير المؤمنين، عليه السّلام، ومن أعداء معاوية بن أبي سفيان الألدّاء، خلافاً لما كان عليه أهل السنّة في عصره. ويَعتبر الحاكمُ مقامَ أمير المؤمنين، عليه السلام، أعلى وأرفع من جميع الصحابة، كما أنّه دوّن في تاريخ نيسابور ترجمةً مُفصّلة للإمام الرضا، عليه السّلام، بَيْد أنّ كتابه فُقد للأسف، فلم يصل إلينا من هذه الترجمة إلاّ ما نقله ابن حَجَر في كتابه (تهذيب التهذيب)، وما ورد في التلخيص الفارسي لتاريخ نيسابور.

وكان الحاكم قد دوّن - كذلك - كتاباً خاصّاً بالإمام الرضا، عليه السّلام، سمّاه (مفاخر الرضا)، فُقد أيضاً، فلم يَبقَ منه إلاّ ما نُقل في كتاب (الثاقب في المناقب) لابن حمزة الطوسي.

ولا ريب في أنّ من يؤلّف ترجمة مُفصّلة للإمام الرضا، عليه السلام، ويؤلّف في مناقبه، ينبغي أن يكون في عداد زائريه.

أبو الفضل البَيهقي (القرن الخامس)

أبو الفضل محمّد بن حسين البَيهقي (385 - 470 للهجرة) أحد الأساتذة المشهورين في البلاط الغَزنوي، وفي عداد كبار المؤرّخين الإيرانيّين، بَيْد أنّ كتابه في التاريخ فُقد ولم يبقَ منه إلّا جزء يسير، وهو ترجمة مسعود ابن السلطان محمود الغزنوي.

وأبو الفضل من جملة زائري الإمام الرضا عليه السّلام. يقول في (تاريخه): «وقد ذهبتُ إلى طوس سنة إحدى وثلاثين (وأربعمائة) مع راية المنصور، قبل هزيمة دندانقان، فذهبت إلى منطقة نُوقان فزُرت مرقدَ الرضا رضيَ الله عنه».

كما أوصى البيهقي أن يُحمل تابوته إلى مشهد الإمام الرضا، عليه السلام، فحُمل إلى طوس ودُفن هناك، وكان قد أعدّ في حياته المالَ اللازم لذلك. كما أجرى البيهقي قناة الماء في مدينة مشهد - وكانت قد جَفّ ماؤها - وبنى خاناً لاستراحة القوافل، ثمّ أوقف عائدات إحدى القرى لتأمين نفقات القناة والخان.

وأشار البيهقي في كتابه إلى أنّ أبا بكر شهمرد قد بذل جهوداً كبيرة في بناء بقعة الإمام الرضا، عليه السّلام، وأنّ أبا الفضل سوري بن المعتزّ قد زاد في عمارتها كثيراً، وأنّه بنى فيها منارة، ثمّ اشترى إحدى القُرى وأوقف عائداتها على تلك البقعة المقدّسة.

وأشار الراوندي في كتابه (راحة الصدور) إلى بناء سوري بن المعتزّ - عميد نيشابور - قبّةً على ضريح الإمام الرضا عليه السّلام.

منتجب الدين الجُوَيني (القرن السادس)

منتجب الدين بديع الجُوَيني (المُتوفّى بعد سنة 552 للهجرة) مِن كُتّاب بلاط السلطان سَنجر، ومن تأليفاته الباقية: كتاب (عتبة الكَتَبة) الذي قال في مقدّمته إنّه تعلّم فنّ كتابة الرسائل على الخواجة الشهيد ظهير الدين البَيْهقي مدّةً من الزمن، فلمّا توفّي البيهقي عاد الجويني من مَرْو إلى مازِندَران، فزار في طريقه الحرمَ الرضويّ المقدّس؛ وممّا قاله حول ذلك:

«فمررتُ في طريقي بالمشهد الرضوي المُقدّس المُعظّم المُطهّر - على ساكنه الصلاة والسّلام - في طوس، فلمّا حَطَطتُ رِحالي في طوس، اغتنمتُ الفرصة للزيارة - كما هو واجب - ودعوتُ الله، تعالى، في تضرّع وخضوع اقتضاهما حالي آنذاك، أن يمُنّ عليّ بالمهارة والحذاقة في تلك الصَّنعة التي عكفتُ عليها همّتي، وجعلتُها مطيّةً لبلوغ طلِبتي، وأن يمُنّ عليّ بذهنٍ صافٍ وذكاءٍ مُتَوقّد - ثمّ أشار إلى استجابة دعائه فقال: فعلمتُ أنّ ذلك الاستحسان حصل إثر بركات وميمنة تلك البقعة الشريفة، وأنّه من كرامات ذلك السيّد الهُمام، عليه وعلى آبائه السّلام».

كما تطرّق الجويني في كتابه (رُقية القلم) إلى مشكلة أخرى اعترضته، فشدّ الرحال من أجلها لزيارة الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام، فقال:

«.. فلمّا حرّرتُ الرسالةَ وجئتُ السلطان بها، انزعج كثيراً وجَفاني ومزّق الرسالة، وقال: لا تَعُد إلى الكتابة بعد هذا!

فسافرتُ إلى المشهد المبارك لـعليّ بن موسى الرضا بقلبٍ محزون وخاطرٍ مكدَّر، واستعنتُ بروحه الطاهرة، وابتهلتُ إلى الله، تعالى، في رحابه، وتضرّعتُ إلى الحضرة الصمديّة وسألته، تعالى، تسهيلَ هذا الأمر، فاستجاب الخالقُ سبحانه دعائي وكشفَ ما أَلَمَّ بي».

محمّد الغزالي (القرن السادس)

أبو حامد محمّد الغزالي (450 - 505 للهجرة) الفيلسوف المشهور، عاش مطلعَ حياته في مدينة طوس، ثمّ شدّ الرحال إلى بغداد، فاشتغل بالتدريس في المدرسة النظاميّة، ثمّ انصرف إلى التصوّف في الحجاز وبلاد الشام مدةً تزيد على عشْر سنوات قضاها في عُزلة وانفراد، ثمّ عاد إلى إيران فاستدعاه السلاطين السلاجقة للتدريس من جديد.

كتب الغزالي في سنة 503 للهجرة في جوابه إلى أحد سلاطين السلاجقة، وكان قد دعاه إلى بلاطه، حاكياً عن تاريخ حياته: «..وها قد طرق سمعي أنّ السلطان يستدعيني إلى بلاطه، فقدمتُ إلى مشهد الرضا عليه السلام - لا إلى بلاط السلطان - وفاءً بالعهد الذي قطعتُه عند مقام الخليل، وها أنا أضرعُ في هذا المشهد..».

فخر الدين الرازي (القرن السابع)

في (تاريخ رويان) تأليف أولياء الله الآملي ما ترجمته: «ذكروا أنّ سُلْطانَيْن من سلاطين الغوريّة؛ غياث الدين وشهاب الدين حضرا إلى خراسان واستخلصا نيسابور، وتوجّها إلى زيارة الإمام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه. وكان معهما أستاذ العلم ومجتهد العصر فخر الدين الرازي (ت: 606 للهجرة) مع جمع من علماء الغوريّة والغزنويّة».

__________________________________

* نقلاً عن الموقع الإلكتروني لشبكة الإمام الرضا عليه السلام.

 

 

بَاؤوا بقتلِه من بعد بيعتِه

شهادة الإمام الرضا عليه السلام*

 

مقالة تحليلية تُثبت تورّط المأمون العبّاسي في جريمة قتل الإمام الرضا عليه، بالرغم من تسميته إيّاه  وليّاً للعهد، وإكرامه الظاهر له، وإبدائه الجزع عليه بعد موته، سلام الله عليه، كلّ ذلك انطلاقاً من شخصية تُتقن التلوّن والنفاق؛ دَيدَن عُبّاد السلطة والمُلك العقيم.

 

ربّما تحيّر البعض عندما تورد مصادر تاريخيّة أنّ المأمون العباسيّ كان يُكرم الإمام الرضا، عليه السلام، ويمدحه ويناقش في عقائد أهل البيت عليهم السّلام، وفي الوقت نفسه تذكر مصادر أُخَر أنّه المتّهم الأوّل، بل الوحيد في قتل الإمام عليه السّلام.

فقد ذكر بعض المصادر أنّ المأمون بعد شهادة الرضا، عليه السلام، توجّع وأظهر الحزن، وهجَر الطعام والشراب أيّاماً، فربّما يكون غيره هو القاتل، أو ربّما كان المأمون قد حُرّض على القتل فأقدم بغير إرادة أو اختيار.

وهذه الحيرة تدعونا لنكتشف شيئاً من شخصيّة المأمون، ولنتساءل: هل كان فيها ذلك الاستعداد على الإقدام على القتل بشكلٍ عام، وعلى قتل الإمام عليٍّ الرّضا، عليه السلام، بشكل خاصّ؟

سوابق .. ووثائق

مَن لا يعرف أنّ المأمون قتل أخاه الأمين؟ فهو الذي أصدر الأمر لأشهر قوّاده طاهر بن الحسين المعروف بـ «ذي اليمنين» بأن يقتله. ولم يكتفِ بذلك، بل أعطى الذي جاءه برأس الأمين ألف ألف درهم بعد أن سجد شكراً لله. ولم يَشفِه ذلك، بل أمر بنصب رأس أخيه على خشبة في صحن الدار. ولم يُهدّئه ذلك، إنّما أمر كلّ من قبض راتبه أن يلعنَ الأمين.

ولم يُنزل رأس أخيه حتّى جاء رجل فلعن الرأس ووالديه وما وَلدا، وأدخلهم في كذا وكذا، بحيث يسمعه المأمون، فتبسّم وتغافل وأمر بحطّ الرأس.

ثمّ بعد ذلك دبّر قتل وزيره الفضل بن سهل - وكان أراد أن يزوّجه ابنته - في حادثة غامضة. طعنه وتخلّص منه لأنّه أصبح عاراً عليه بعد قتله أخاه الأمين. ومِن بعده دبّر قتل قائده الكبير هرثمة بن أعين فور وصوله إلى مرو، ودبّر فيما بعد قتل طاهرٍ بعدما ولاه خراسان بمدّة قصيرة.

وكان فيما مضى يظهر لهم الحبَّ، ويميل إلى التقرّب منهم ومصاهرتهم، وفي كلِّ مرّة، بعد قتلهم، يتظاهر بالحزن العظيم عليهم، وطلب الثأر لهم، وتقديم التعازي لذويهم، ويعمل على تعيين ولد القتيل مكان أبيه، بل وتقديم بعض الرؤوس لأهليهم بعنوان أنّهم القتلة.

هذه بعض طُرقه، وهنالك طُرق أخرى عرفها الآخرون، وربّما لم يشتهر كثيراً أنّ المأمون قتل سبعةً من أبناء الإمام الكاظم، عليه السلام، إخوة الرضا عليه السّلام، منهم: إبراهيم بن موسى، عليه السّلام، وزيد بن موسى، عليه السلام، بعد أن عفا عنهما ظاهراً، وأحمد بن موسى، عليه السّلام، ومحمّد العابد، وحمزة بن موسى عليه السّلام.. إضافة إلى عشراتٍ من الأعيان ومئات من العلويّين وآلافٍ من مخالفيه.

وفي كلّ هذا لم تَغِب عنه الحيلة والمكر والدهاء، إلى درجةٍ من النفاق الغريب الذي تعدّدت صوره وأساليبه ووقائعه:

فمثلاً كان يتظاهر بالتودّد إلى الإمام الرضا، عليه السلام، وفي الوقت ذاته يقدّم سيوفاً مسلولة إلى صبيح الديلميّ - أحد ثقاته - وإلى ثلاثين غلاماً يأخذ عليهم العهد والميثاق، ويحلّفهم ويقول لهم: يأخذ كلُّ واحد منكم سيفاً بيده، وامضوا حتّى تدخلوا على ابن موسى الرضا في حجرته، واخلطوا لحمه ودمه، وصِيروا إليّ.

وتُنفّذ الخطّة لكنّها تخيب بالمعجزة، في قصّةٍ رهيبة، يقول الإمام الرضا، عليه السلام، في آخرها لهرثمة بن أعينَ: «يا هَرْثَمَةُ! وَاللهِ لا يَضُرُّنا كَيْدُهُمْ شَيْئاً حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ مَحِلَّهُ».

وفي الوقت الذي يُشيد المأمون بمعارف الإمام الرضا، عليه السلام، وعلومه، يُجنّد له علماء اليهود والنصارى ورؤساء المذاهب والفِرق ممّن يبتعد عن الإسلام قليلاً أو كثيراً ليحاججوه لعلّهم يغلبونه.. فيخيبون ويخيب المأمون معهم، فما يكون منه إلّا إظهار العجَب والإعجاب، واستبطان الغيلة والغدر.

فلمّا عجز عن قتله في شخصيّته، وخاب في قتله اجتماعيّاً، بل كلّما أراد به كيداً أظهر الله للإمام مزيد الرفعة.. وجد المأمون أن لا محيص عن قتل البدن. وقد سُئل أبو الصلت الهروي: كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا مع إكرامه إيّاه ومحبّته له؟! فأجاب، وكان في آخر جوابه. فلمّا أعيتْه الحيلة في أمره اغتاله، فقتله بالسمّ.

وهكذا نُقل أمر شهادة الإمام الرضا، عليه السلام، على يد المأمون في المسلّمات، حتّى ذكره عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام في رسالته إلى المأمون الذي منّاه بالأمان فلم يطمئنّ، فكتب إليه:

«عجبتُ مِن بَذْلك العهدَ وولايته لي بعدك، كأنّك تظنّ أنّه لم يبلغني ما فعلتَه بالرضا!!.. ففي أيّ شيءٍ ظننتَ أنّي أرغبُ من ذلك؟ أفي المُلك الذي قد غرّتكَ نُضرته وحلاوتُه؟ فواللهِ لئن أُقذف - وأنا حيّ - في نار تتأجّج أحبُّ إليّ من أن أليَ أمراً بين المسلمين، أو أشرب شربةً من غير حِلّها، مع عطشٍ شديدٍ قاتل، أم في العنب المسموم الذي قتلتَ به الرضا؟!.. فبأيّ شيء تغرّني؟! ما فعلتَه بأبي الحسن صلوات الله عليه؟ بالعنب الذي أطعمتَه إيّاه فقتلتَه؟..‌«.

وتلك ميميّة أبي فراس الحمدانيّ (ت:357 للهجرة) وفيها يقول:

لَيْس الرَّشيدُ كَموسى في القِياسِ ولا

مَأْمونُكُمْ كَالرِّضا إِنْ أَنْصَفَ الحَكَمُ

باؤوا بِقَتْلِ الرِّضا مِنْ بَعْدِ بَيْعَتِهِ

وَأَبْصَروا بَعْضَ يَوْمٍ رُشْدَهُمْ وَعَمُوا

 

وقد ورد خبر شهادة الإمام الرضا، عليه السلام، على يد المأمون في قصائد شعراء آخرين، منهم: الأمير محمّد بن عبدالله السوسيّ، والقاضي التنوخيّ، وكلاهما من أعلام القرن الرابع الهجري.

محاولات.. قبل الجريمة

تظافرت الأدلّة على أنّ المأمون حاول جاهداً أن يقتل الإمامَ الرضا، عليه السلام، اجتماعيّاً ودينيّاً، معبِّراً عن ذلك بقوله: «قد كان هذا الرجلُ مُستتراً عنّا، يدعو إلى نفسه، فأردنا أن نجعله وليَّ عهدنا؛ ليكون دعاؤه لنا، وليعترف بالمُلك والخلافة لنا، وليعتقد فيه المفتونون به بأنّه ليس ممّا ادّعى في قليلٍ ولا كثير، وأنّ هذا الأمر لنا دونه. وقد خشينا - إنْ تركناه على تلك الحال - أن ينفتق علينا منه ما لا نسدّه، ويأتيَ علينا ما لا نُطيقه».

ولمّا فشل المأمون في أُمنيته المريضة هذه، أخذ يحاول قتلَ الإمام الرضا، عليه السلام، علميّاً، فعبّر عن ذلك بقوله:

«..نحتاج إلى أن نضع منه قليلاً قليلاً، حتّى نصوّره عند الرعيّة بصورةِ مَن لا يستحقّ هذا الأمر، ثمّ نُدبّر الأمر فيه بما يحسم عنّا موادّ بلائه».

وقد طلب منه حميد بن مهران يوماً أن يسمح له بمجادلة الإمام الرضا، عليه السلام، لعلّه يفحمه، ويُبيّن للناس قصورَه وعجزه، فقال المأمون مُعبّراً عن دخيلته: «لا شيءَ أحبّ إليّ من هذا».

وقال أيضاً لسليمان المرزويّ بعد أن بعث في طلبه: «إنّما وجّهتُ إليك لمعرفتي بقوّتك، وليس مُرادي إلاّ أن تقطعه عن حُجّةٍ واحدة فقط».

وإذا بسليمان هذا ينهار أمام عالِمِ آل محمّد، صلّى الله عليه وآله، ويتحوّل خلال لحظات إلى تلميذ يطلب مزيداً من الإمام الرضا عليه السّلام، فأخذ يسأل لا يحاجج، ويكرّر: «زدْني، جُعلت فداك».

وهكذا خابت محاولات المأمون، إذ كانت نتائجها دامغة على رأسه، مُخْزِيةً لحاله وحال مَن عبّأهم لمهمّاته الفاشلة. ولمّا سقط ما في يده، ظلّ يتملّق للإمام الرضا، عليه السلام، حتّى ضاق به، فأخذ يفكّر بالغدر على نحوٍ جدّيّ هذه المرّة، وقد أخبر الإمام، عليه السلام، صاحبَه هرثمةَ بن أعين بما سيجري له على يد المأمون.

ماذا تقول الأخبار؟!

تظافرت النصوص حول الظروف المحيطة بشهادة الإمام الرضا، عليه السلام، إلى درجة التسالم والاتّفاق، وهي على أربعة أقسام:

القسم الأوّل: الأخبار المُنبئة بشهادته، عليه السلام، قبل وقوعها.

الثاني: الأخبار القائلة بوقوعها في حينها.

الثالث: الأخبار التي تناقلها الناس والرواة: شهوداً كانوا أو نقلةً أُمناء.

الرابع: الأخبار التي فصّلت قصّة قتل المأمون للإمام الرضا عليه السّلام.

وتُجمع الأخبار الواردة في هذه الأقسام الأربعة أنّ قتل الإمام الرضا، عليه السلام، كان بتخطيط وتدبير وإشراف مباشر من المأمون نفسه، وهو الذي بالغ في الإلحاح على الإمام، عليه السلام، ليتناول العنب أو الرمّان الذي دِيف بالسمّ.

وفي (عيون أخبار الرضا عليه السلام)، عن إسحاق بن حمّاد أنّ الرضا، عليه السلام، كان يقول لأصحابه الذين يثق بهم: «لا تَغْتَرُّوا مِنْهُ بِقَوْلِهِ [أي المأمون الذي كان يتظاهر له بالإجلال ويتملّق له]، فَما يَقْتُلُني، وَاللهِ، غَيْرُهُ، وَلَكِنَّهُ لا بُدَّ لي مِنَ الصَّبْرِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ».

وفي خبرٍ آخر، أنّ المأمون ذات مرّة راح يطرح على الإمام مجموعة من الأسئلة، وبعد جوابه، عليه السلام، على أسئلة المأمون الطويلة والغريبة والغامضة، قال المأمون: لقد شفيتَ صدري يا ابن رسول الله، وأوضحتَ لي ما كان مُلتبساً، فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإسلام خيراً.

قال عليّ بن الجهم – وكان حاضر المجلس: فقام المأمون إلى الصلاة وأخذ بيد محمّد بن جعفر بن محمّد عليهما السلام - وكان حاضر المجلس أيضاً - وتبعتُهما، فقال له المأمون: كيف رأيتَ ابن أخيك؟ فقال: عالم، ولم نرَه يختلف إلى أحدٍ من أهل العلم. فقال المأمون: إنّ ابن أخيك من أهل بيت النبوّة الذين قال فيهم النبيّ صلّى الله عليه وآله: أَلاَ إِنَّ أَبْرارَ عِتْرَتي، وَأَطايِبَ أُرومَتي، أَحْلَمُ النّاسِ صِغاراً، وَأَعْلَمُ النّاسِ كِباراً، فَلا تُعَلِّموهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ، لا يُخْرِجونَكُمْ مِنْ بابِ هُدًى، وَلا يُدْخِلونَكُمْ في بابِ ضَلالَةٍ.

قال عليّ بن الجهم: وانصرف الرضا، عليه السلام، إلى منزله، فلمّا كان من الغد غدوتُ إليه وأعلمتُه ما كان من قول المأمون وجوابِ عمِّه محمّد بن جعفر له، فضحك الرضا عليه السّلام، وقال: «يا ابْنَ الجَهْمِ! لا يَغُرَّنَّكَ ما سَمِعْتَهُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ سَيَغْتالني، وَاللهُ يَنْتَقِمُ مِنْهُ».

وهكذا يُفهم أنّ المأمون كان ماكراً في سياسته، حتّى نفذّ جريمته العظمى بعد أن ضاق بالإمام الرضا، عليه السلام، فلم تجد نفسه الخبيثة إلاّ القتل.. ولكنّه حين قتله أصابته الحيرة وأخذ يهذي، وبين هذيانه الكثير من الإقرار:

* فمرّةً يقول: ما أدري أيّ المصيبتين علَيّ أعظم: فقدي إيّاك، أو تهمة الناس لي أنّي اغتلتُك وقتلتُك؟!

* ومرّة يرمي بنفسه على الأرض ويخور قائلاً: ويلك يا مأمون! ما حالك، وعلى ما أقدمت؟! لعن الله فلاناً وفلاناً فإنّهما أشارا علَيّ بما فعلت.

* ومرّة أخرى يقول قلِقاً: ويلٌ للمأمون من الله، ويلٌ له من رسول الله، ويلٌ له من عليّ! وهكذا إلى الرضا عليه السّلام.. هذا واللهِ الخسران المبين. يقول هذا ويكرّره.

وقد تأخّر عن إعلان وفاة الإمام عليه السّلام، وكأنّه تحيّر كيف يُرتّب الأمر وهو يعلم أنّ الناس يوجّهون أصابع الشكّ إليه.

وأخيراً.. نقرأ هذه العبارات من زيارة الإمام الجواد لأبيه الرضا عليهما السلام:

«..السَّلام عليكَ أيُّها الصِّدّيقُ الشَّهيد، السَّلام عليكَ أيُّها الوَصيُّ، البّرُّ التَّقيُّ ".." السلام عليك من إمامٍ عصيبٍ، وإمامٍ نجيبٍ، وبعيدٍ قريبٍ، ومسمومٍ غريبٍ ".." السَّلامُ على مَنْ أمَرَ أوْلادَهُ وعِيالَهُ بالنّياحَةِ عليه قَبْلَ وُصولِ القَتْلِ إلَيه».

__________________________________

* نقلاً عن الموقع الإلكتروني لمنتديات جبشيت.

اخبار مرتبطة

  دوريّات

دوريّات

منذ 0 ساعة

دوريّات

نفحات