وصايا

وصايا

منذ 3 أيام

حكمةٌ بالغة


حكمةٌ بالغة

أصلِحْ أَمْرَكَ مع الله في السِّرِّ والعَلانية

إصلاحُ أمر العبد مع الله تعالى هو غاية التعبُّد، وهو ما تأمر به الحكمة الإلهيّة البالغة. وعمليةُ الإصلاح تكون بثبات السّير والسلوك على الصراط وصولاً إلى تلك الغاية الشريفة.

في «وصايا» هذا العدد، اختارت «شعائر» مقتطفاً من (تاريخ الطبري) حول خطبة الرسول الأعظم، صلّى الله عليه وآله، في أوّل جمعة جمَعها بالمدينة المنوّرة، وقد أوردها أيضاً الشيخ الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان). يليه مختارات من وصيّة للإمام الصادق عليه السلام، جرى اختيارها من كتاب (الكافي) للكليني.

 

تحت عنوان: «خطبة رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم في أول جمعة جمعها بالمدينة»، قال الطبري في الجزء الثاني من (تاريخه):

«حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدّثني سعيد بن عبد الرحمن الجمحيّ أنّه بلغه عن خطبة رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم في أول جمعة صلّاها بالمدينة في بنى سالم بن عوف:

الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ، وَأَسْتَعِينُهُ، وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَسْتَهْدِيهِ، وَأُومِنُ بِهِ، وَلا أَكْفُرُهُ، وَأُعَادِي مَنْ يَكْفُرُهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى، وَالنُّورِ، وَالْمَوْعِظَةِ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَقِلَّةٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَضَلالَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَانْقِطَاعٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَدُنُوٍّ مِنَ السَّاعَةِ، وَقُرْبٍ مِنَ الأَجَلِ.

مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشِدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى وَفَرَّطَ، وَضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا.

 

تقوى الله يمنعُ مقتَه

وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهُ خَيْرُ مَا أَوْصَى بِهِ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ أَنْ يَحُضَّهُ عَلَى الآخِرَةِ، وَأَنْ يَأْمُرَهُ بِتَقْوَى اللهِ. فَاحْذَرُوا مَا حَذَّرَكُمُ اللهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ نَصِيحَةً، وَلا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرًا، وَإِنَّ تَقْوَى اللهِ لِمَنْ عَمِلَ بِهِ، عَلَى وَجَلٍ وَمَخَافَةٍ مِنْ رَبِّهِ، عَوْنُ صِدْقٍ عَلَى مَا تَبْغُونَ مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ.

وَمَنْ يُصْلِحُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ مِنْ أَمْرِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، لا يَنْوِي بِذَلِكَ إِلا وَجْهَ اللهِ، يَكُنْ لَهُ ذِكْرًا فِي عَاجِلِ أَمْرِهِ، وَذُخْرًا فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، حِينَ يَفْتَقِرُ الْمَرْءُ إِلَى مَا قَدَّمَ، وَمَا كَانَ مِنْ سِوَى ذَلِكَ يَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا.

﴿.. وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَالله رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ آل عمران:30، وَالَّذِي صَدَقَ قَوْلُهُ، وَأَنْجَزَ وَعْدَهُ لا خُلْفَ لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ق:29.

فَاتَّقُوا اللهَ فِي عَاجِلِ أَمْرِكُمْ وَآجِلِهِ، فِي السِّرِّ وَالْعَلانِيَةِ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا، وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا، وَإِنَّ تَقْوَى اللهِ يُوَقِّي مَقْتَهُ، وَيُوَقِّي عُقُوبَتَهُ، وَيُوَقِّي سُخْطَهُ، وَإِنَّ تَقْوَى اللهِ يُبَيِّضُ الْوُجُوهَ، وَيُرْضِي الرَّبَّ، وَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ. خُذُوا بِحَظِّكُمْ، وَلا تُفَرِّطُوا فِي جَنْبِ اللهِ، قَدْ عَلَّمَكُمُ اللهُ كِتَابَهُ، وَنَهَجَ لَكُمْ سَبِيلَهُ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَيَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ، فَأَحْسِنُوا كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكُمْ، وَعَادُوا أَعْدَاءَهُ، وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ اجْتَبَاكُمْ، وَسَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ﴿... لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ...﴾ الأنفال:42، وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ؛ فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ، وَاعْمَلُوا لِمَا بَعْدَ الْيَوْمِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُصْلِحُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ يَكْفِهِ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يَقْضِي عَلَى النَّاسِ وَلا يَقْضُونَ عَلَيْهِ، وَيَمْلِكُ مِنَ النَّاسِ وَلا يَمْلِكُونَ مِنْهُ. اللهُ أَكْبَرُ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ الْعَظِيمِ».

 

 

 

ولايةُ الله تعالى

من وصايا الإمام الصّادق عليه السّلام

«إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ خَلَقَهُ اللهُ فِي الأَصْلِ - أَصْلِ الْخَلْقِ - مُؤْمِناً لَمْ يَمُتْ حَتَّى يُكَرِّهَ اللهُ إِلَيْه الشَّرَّ ويُبَاعِدَهُ عَنْهُ.

ومَنْ كَرَّه اللهُ إِلَيْه الشَّرَّ وبَاعَدَهُ عَنْهُ، عَافَاه اللهُ مِنَ الْكِبْرِ أَنْ يَدْخُلَهُ والْجَبْرِيَّةِ، فَلَانَتْ عَرِيكَتُهُ وحَسُنَ خُلُقُهُ وطَلُقَ وَجْهُهُ وصَارَ عَلَيْه وَقَارُ الإِسْلَامِ وسَكِينَتُهُ وتَخَشُّعُهُ، ووَرِعَ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، واجْتَنَبَ مَسَاخِطَهَ، ورَزَقَهُ اللهُ مَوَدَّةَ النَّاسِ ومُجَامَلَتَهُمْ، وتَرْكَ مُقَاطَعَةِ النَّاسِ والْخُصُومَاتِ، ولَمْ يَكُنْ مِنْهُا ولَا مِنْ أَهْلِهَا فِي شَيْءٍ.

وإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ اللهُ خَلَقَهُ فِي الأَصْلِ [أَصْلِ الْخَلْقِ] كَافِراً لَمْ يَمُتْ حَتَّى يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الشَّرَّ ويُقَرِّبَهُ مِنْهُ.

فَإِذَا حَبَّبَ إِلَيْه الشَّرَّ وقَرَّبَه مِنْهُ:

ابْتُلِيَ بِالْكِبْرِ والْجَبْرِيَّةِ فَقَسَا قَلْبُهُ، وَسَاءَ خُلُقُهُ، وغَلُظَ وَجْهُهُ، وظَهَرَ فُحْشُهُ، وقَلَّ حَيَاؤُهُ، وكَشَفَ اللهُ سِتْرَهُ، ورَكِبَ الْمَحَارِمَ فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْها، ورَكِبَ مَعَاصِيَ اللهِ، وأَبْغَضَ طَاعَتَه وأَهْلَهَا.

فَبُعْدٌ مَا بَيْنَ حَالِ الْمُؤْمِنِ وحَالِ الْكَافِرِ.

سَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ واطْلُبُوهَا إِلَيْه، ولَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.

صَبِّرُوا النَّفْسَ عَلَى الْبَلَاءِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ تَتَابُعَ الْبَلَاءِ فِيهَا والشِّدَّةَ فِي طَاعَةِ اللهِ وولَايَتِه وولَايَةِ مَنْ أَمَرَ بِولَايَتِه، خَيْرٌ عَاقِبَةً عِنْدَ اللهِ فِي الآخِرَةِ مِنْ مُلْكِ الدُّنْيَا، وإِنْ طَالَ تَتَابُعُ نَعِيمِهَا وزَهْرَتِهَا وغَضَارَةِ عَيْشِهَا فِي مَعْصِيَةِ الله، وولَايَةِ مَنْ نَهَى اللهُ عَنْ ولَايَتِه وطَاعَتِه. ".."

ولِيَتِمَّ أَنْ تَكُونُوا مَعَ نَبِيِّ اللهِ مُحَمَّدٍ، صَلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، والرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ فَتَدَبَّرُوا مَا قَصَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِه مِمَّا ابْتَلَى بِه أَنْبِيَاءَه وأَتْبَاعَهُمُ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ سَلُوا الله أَنْ يُعْطِيَكُمُ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلَاءِ فِي السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والشِّدَّةِ والرَّخَاءِ مِثْلَ الَّذِي أَعْطَاهُمْ.

النّهي عن مجادلة الجاهلين

وإِيَّاكُمْ ومُمَاظَّةَ أَهْلِ الْبَاطِلِ.*

وعَلَيْكُمْ بِهُدَى الصَّالِحِينَ، وَوَقَارِهِمْ، وسَكِينَتِهِمْ، وحِلْمِهِمْ، وتَخَشُّعِهِمْ، ووَرَعِهِمْ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، وصِدْقِهِمْ، ووَفَائِهِمْ، واجْتِهَادِهِمْ للهِ فِي الْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمْ تُنْزَلُوا عِنْدَ رَبِّكُمْ مَنْزِلَةَ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ.

واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً شَرَحَ صَدْرَه لِلإِسْلَامِ، فَإِذَا أَعْطَاه ذَلِكَ أَنْطَقَ لِسَانَه بِالْحَقِّ، وعَقَدَ قَلْبَهُ عَلَيْهِ، فَعَمِلَ بِه، فَإِذَا جَمَعَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ تَمَّ لَه إِسْلَامُهُ وكَانَ عِنْدَ اللهِ، إِنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَقّاً.

وإِذَا لَمْ يُرِدِ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْراً وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ وكَانَ صَدْرُهُ ضَيِّقاً حَرَجاً، فَإِنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ حَقٌّ لَمْ يُعْقَدْ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، وإِذَا لَمْ يُعْقَدْ قَلْبُهُ عَلَيْهِ لَمْ يُعْطِهِ اللهُ الْعَمَلَ بِه، فَإِذَا اجْتَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ، وهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، كَانَ عِنْدَ اللهِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وصَارَ مَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ اللهُ أَنْ يُعْقَدَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ، ولَمْ يُعْطِهِ الْعَمَلَ بِهِ، حُجَّةً عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

فَاتَّقُوا الله وسَلُوه:

أَنْ يَشْرَحَ صُدُورَكُمْ لِلإِسْلَامِ، وأَنْ يَجْعَلَ أَلْسِنَتَكُمْ تَنْطِقُ بِالْحَقِّ حَتَّى يَتَوَفّاكُمْ وأَنْتُمْ عَلَى ذَلِكَ.

وأَنْ يَجْعَلَ مُنْقَلَبَكُمْ مُنْقَلَبَ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، ولَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ".."

وَاللهِ، لَا يُطِيعُ اللهَ عَبْدٌ أَبَداً إِلَّا أَدْخَلَ اللهُ عَلَيْهِ فِي طَاعَتِه اتِّبَاعَنَا.

ولَا وَاللهِ، لَا يَتَّبِعُنَا عَبْدٌ أَبَداً إِلَّا أَحَبَّهُ اللهُ.

ولَا وَاللهِ، لَا يَدَعُ أَحَدٌ اتِّبَاعَنَا أَبَداً إِلَّا أَبْغَضَنَا.

ولَا وَاللهِ، لَا يُبْغِضُنَا أَحَدٌ أَبَداً إِلَّا عَصَى اللهَ، ومَنْ مَاتَ عَاصِياً للهِ أَخْزَاهُ اللهُ وأَكَبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ، والْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ».

 
 
 

* ماظَّه: أي خاصمَه وشاتمَه ونازعَه، وفي حديث آخر  للإمام الصّادق عليه السلام يقول: «.. ومماظّتُهم في غير تَقيّةٍ تركُ أمر الله». وفي (شرح أصول الكافي) للمازندراني، قال: حذّر عليه السلام عن منازعتهم ومناقشتهم في أمور الدين والدُّنيا لأنّها تُميت القلب، وتثير العداوة واضطراب القلب باستماع الشّبهات، وهي مذمومة مع أهل الحقّ، فكيف مع أهل الباطل.

اخبار مرتبطة

  دوريات

دوريات

منذ 3 أيام

دوريات

  إصدارات أجنبيّة

إصدارات أجنبيّة

نفحات