الملف

الملف

منذ أسبوع

السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام مستودع السرّ الإلهيّ


 

السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام

مستودع السرّ الإلهيّ

 

 

اقرأ في الملف

استهلال

.. وكان جبرئيل يُحسن عزاءها

المكانة المعنوية للزهراء عليها السلام

الإمام السيد علي الخامنئي دام ظلّه

من الخصائص الفاطمية

الشيخ جوادي آملي

سيادة الزهراء عليها السلام

السيد هاشم الهاشمي

بضعة الرسول الأعظم وحقيقته

العلامة محمد جواد مغنية رحمه الله

ما معنى «أم أبيها»؟

الشيخ حسين كوراني

 

 

استهلال

.. وكَانَ جَبْرَئِيلُ يُحْسِنُ عَزَاءَهَا

عَنْ أَبِي عَبْدِ الله الإمام الصادق عليه السلام، قَالَ:

إِنَّ فَاطِمَةَ عليها السلام مَكَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وآله خَمْسَةً وسَبْعِينَ يَوْماً، وكَانَ دَخَلَهَا حُزْنٌ شَدِيدٌ عَلَى أَبِيهَا، وكَانَ يَأْتِيهَا جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا ويُطَيِّبُ نَفْسَهَا ويُخْبِرُهَا عَنْ أَبِيهَا ومَكَانِه، ويُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا، وكَانَ عَلِيٌّ عليه السلام يَكْتُبُ ذَلِكَ.

(الكافي، الكليني: ج1/458)

 

المكانة المعنوية للزهراء عليها السلام

نورٌ فائض على البشرية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإمام السيّد علي الخامنئي دام ظلّه ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحار العلماء - لا سيّما العاملين منهم الذين خبروا الجهادَيْن الأصغر والأكبر - في التعبير عمّا كشفته لهم نصوص المعصومين عليهم السلام، من منزلة رفيعة خاصّة للزهراء عليها السلام، وهذا ما يتلمّسه جليّاً القارئ من كلام الإمام الخامنئي، دام ظلّه، في هذا الخصوص.

في ما يلي شذَرات من كلام سماحته اخترناها من كتاب (إنسان بعمر 250 سنة)، وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات والدراسات التي ألقاها ودوّنها الإمام الخامنئي، دام ظلّه، في سِيَر المعصومين عليهم السلام، تمّ جمعها وتنسيقها وتبويبها. ثمّ صدرت الترجمة العربية للكتاب عن «جمعية المعارف الإسلامية الثقافية» سنة 2013م.

 

البشرية مرهونة للزهراء عليها السلام

* لا تنحصر فيوضات السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام، بمجموعة صغيرة تُحسب كمجموعة محدودة في مقابل مجموعة الإنسانيّة. لو أنّنا نظرنا بنظرة واقعيّة ومنطقيّة، فإنّ البشريّة مرهونة لفاطمة الزهراء عليها السلام، وليس هذا جزافاً، إنّها حقيقة، كما أنّ البشريّة مرهونة للإسلام والقرآن ولتعاليم الأنبياء، عليهم السلام، والنبيّ الخاتم، صلّى الله عليه وآله وسلّم. وقد كان هذا الأمر دوماً على مرّ التاريخ وهو اليوم كذلك، وسوف يزداد تألّق نور فاطمة الزهراء عليها السلام، وسوف تتلمّس البشريّة ذلك.

إنّ هذا الخير الكثير الّذي أعطاه الله تعالى، في سورة الكوثر المباركة كبشارة للنبيّ الأكرم، صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، حيث إنّ تأويله هو فاطمة الزهراء عليها السلام.

في الحقيقة هي مجمع جميع الخيرات الّذي سوف تتنزّل يوماً بعد يوم من منبع الدين النبويّ على كلّ البشرية والخلائق. لقد سعى الكثيرون من أجل إخفائه وإنكاره، ولكنّهم لم يتمكّنوا: ﴿..وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ الصف:8.

* في رواية أنّ سطوع نور فاطمة الزهراء، عليها السلام، أدّى إلى أن تنبهر عيون الكروبيّين من الملأ الأعلى، «زَهَرَ نُورُهَا لِمَلائِكَةِ السَّمَاءِ».

أوجُ الملكوت الإنسانيّ

في مثل هذا العالم، ربّى النبيّ الأكرم بنتاً صارت لائقةً بأن يأتي رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم ويقبّل يدها! إنّ تقبيل يد فاطمة الزهراء، عليها السلام، من قِبل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم

لا ينبغي أن يؤخَذ أبداً على معنىً عاطفيّ. فهذا أمرٌ خاطئٌ جدّاً. (أي) لو تصوّرنا أنّه يقبّل يدها فقط لأنّها ابنته ولأنّه يحبّها.

فهل شخصيّةٌ بمثل هذه العظمة، وبمثل تلك العدالة والحكمة، (وهي شخصيّة النّبيّ) الذي كان يعتمد على الوحي والإلهام الإلهيّ ينحني ويقبّل يد ابنته (فقط لأنها ابنته)؟ كلّا، إنّ هذا أمرٌ آخر وله معنىً آخر؛ إنّه يحكي عن أنّ هذه الفتاة وهذه المرأة عندما ترحل من هذه الدنيا في عمر 18 أو 25... تكون في أوج الملكوت الإنسانيّ وشخصاً استثنائيّاً.

تقود مؤمنات الأمّة إلى الجنّة

أمّا المقام المعنويّ لهذه السيّدة العظيمة، بالنسبة إلى مقامها الجهاديّ والثوريّ والاجتماعيّ، فهو أعلى بدرجات. فاطمة الزهراء، عليها السلام، في الظاهر هي بصورة بشر، وامرأة، وامرأة شابّة أيضاً؛ ولكنّها في المعنى هي حقيقةٌ عظيمة ونورٌ إلهيٌّ ساطع، وعبدٌ صالح، وإنسانٌ مميّز ومصطفى.

هي شخصٌ قال فيه الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم لأمير المؤمنين عليه السلام: «يَا عَلِيُّ! أَنْتَ إِمامُ أُمَّتي وَخَليفَتي عَلَيْها مِنْ بَعْدي، وَأَنْتَ قائِدُ المُؤْمِنينَ إِلى الجَنَّةِ، وَكَأَنّي أَنْظُرُ إِلى ابْنَتي فاطِمَةَ قَدْ أَقْبَلتْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى نَجيبٍ مِنْ نورٍ؛ عَنْ يَمينِها سَبْعونَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَعَنْ يَسارِها سَبْعونَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَبَيْنَ يَدَيْها سَبْعونَ أَلْفَ مَلَكٍ، وَخَلْفَها سَبْعونَ أَلْفَ مَلَكٍ. تَقودُ مُؤْمِناتِ أُمَّتي إِلى الجَنَّةِ..»، (...) فهي عِدْلُ أمير المؤمنين عليه السلام. هي الّتي إذا وقفت في محراب العبادة، فإنّ آلاف الملائكة المقرّبين لله يخاطبونها، ويسلّمون عليها، ويهنّئونها، ويقولون لها ما كانوا يقولون في السابق لمريم الطاهرة عليها السلام: ﴿.. يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران:42، هذا هو المقام المعنويّ لفاطمة الزهراء عليها السلام...

لا يعرف مقامها إلا المعصوم

توجد نقطةٌ في حياة الزهراء المطهّرة، عليها السلام، يجب الالتفات إليها، علماً أنّنا لن ندخل في بيان المقامات المعنويّة لهذه السيدة الجليلة، ولسنا قادرين على إدراك هذه المقامات وفَهمها. وفي الحقيقة إنّ أوج قمّة المعنويّة الإنسانيّة والتكامل البشريّ (هي في عِلم) الله تعالى وحده، هو سبحانه الذي يعرف هؤلاء العباد ومن هم بمستواهم ويرى مقامهم.

لهذا ما كان يعرف فاطمة الزهراء، عليها السلام، سوى أمير المؤمنين عليه السلام وأبيها صلّى الله عليه وآله وسلّم وأولادها المعصومين عليهم السلام.

الناس في ذلك الزمان والأزمنة اللاحقة، ونحن في هذا الزمن، لا يمكننا أن نشخّص ذلك التألّق والتلألؤ المعنويّ الّذي كان موجوداً فيها. فنور المعنويات الساطع لا يمكن أن يصل إلى عين أيّ أحد، وتعجز عيوننا الضعيفة والقاصرة عن أن ترى تجلّي الإنسانيّة الساطع الّذي كان موجوداً في هؤلاء العظماء. (..)

خطبتها عليها السلام في المسجد النبويّ

تلك الخطبة الّتي ألقتها فاطمة الزهراء، عليها السلام، في مسجد المدينة بعد رحيل النبيّ صلّى الله عليه وآله، هي خطبة، بحسب كلام العلامة المجلسيّ، يجب على فطاحل الفصحاء والبلغاء والعلماء أن يجلسوا ويفسّروا معاني كلماتها وعباراتها؛ فهي من العمق بحيث إنّها بلحاظ جمالية الفنّ، كأجمل وأعلى كلمات نهج البلاغة. (..)

 

 

الجار ثمّ الدار

كانت عبادة فاطمة الزهراء، عليها السلام، عبادة نموذجيّة. يقول الإمام الحسن المجتبى عليه السلام إنّ أمّه وقفت تعبد الله في إحدى الليالي - ليلة الجمعة «حَتَّى انْفَجَرَ عَمودُ الصُّبْحِ». وأنه عليه السلام سمعها تدعو دائماً للمؤمنين والمؤمنات، وتدعو للناس ولقضايا المسلمين العامة، وعند الصباح قال لها: «يا أُمّاهُ أَما تَدْعينَ لِنَفْسِكِ كَما تَدْعينَ لِغَيْرِكِ؟ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ الجارُ ثُمَّ الدَّارُ».

ويقول الحسن البصريّ الّذي كان أحد العبّاد والزهّاد المشهورين في العالم الإسلاميّ، حول فاطمة الزهراء عليها السلام: إنّ بنت النبيّ عبدت الله ووقفت في محراب العبادة حتّى «تَوَرَّمَتْ قَدَماها». (..)

 

الخصائص الفاطمية

عشقُ الله تعالى وتسبيحه الدائم

ـــــــــــــــــــــــــــــ آية الله الشيخ عبد الله جوادي آملي ـــــــــــــــــــــــــــــ

من أعظم الخصائص المتعالية في شخصية السيدة الزهراء عليها السلام منزلة القُرب من الحضرة الإلهية المقدسة. فهي المثال المُقتدى للعشق الإلهيّ، وعن طريقها الذي رسمته تبلغ البشرية غاية الاهتداء والنجاة.

في هذه المقالة لآية الله الشيخ عبد الله جوادي آملي رؤية معمّقة للخصائص الفاطمية.

«شعائر»

 

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «إِذا اشْتقْتُ إلى الجَنَّةِ شَمَمْتُ رَائِحَةَ فَاطِمَةَ».

إنّ وجود السيّدة الزهراء عليها السلام، هو مسجد العشق وريح الرضوان. ومهما كان القول متعالياً متسامياً، فإنّه عاجزٌ عن تعريف شخصيّة يعود أصلها إلى الملكوت، وتعود جذورها وأوراقها إلى عالم الناسوت، فالكلام هو حقيقة تعود إلى مكانٍ ما، وتلك الشخصية تعود إلى مكان آخر.

كانت فاطمة عليها السلام، لا تُقبل على شيءٍ كما تُقبل على طاعة الله، والتي كانت تشكّل عندها لذّة وحلاوة خاصّة، فهي سبيل الوصول إلى العظَمة الإلهية. في الحديث القدسيّ أنّ الله تعالى خاطب رسول الله صلّى الله عليه وآله: «.. أَقْرِىءْ فاطمةَ السَّلامَ، وقُلْ لَهَا فَلْتَطْلُبْ مَا فِي الغَبْراءِ وَالخَضراء، وَبَشِّرْهَا أنِّي أُحِبُّها».

فلمّا بلّغها رسول الله ذلك، قالت عليها السلام: «يا رَسُولَ اللهِ، شَغَلَتْنِي عَنْ مَسْأَلَتِهِ لَذَّةُ خِدْمَتِهِ؛ لَا حَاجَةَ لي غَيْرَ النَّظَرِ إِلى وَجْهِهِ الكَريم».

ومن هنا لم يكن هناك أيّ شيء يُمكنه تسكين هذا العشق سوى ذكر الله، الذي كان دائماً على لسانها: «وَارْزُقْني... بُشْرَى مِنْكَ يَا رَبِّ لَيْسَتْ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِكَ، تُثْلِجُ بِهَا صَدْرِي، وَتُسِرُّ بِهَا نَفْسِي، وَتُقِرُّ بِها عَيْنِي، ويَطْمَئِنُّ بِهَا قَلْبِي».‏ [من دعائها عليها السلام في تعقيب صلاة الظهر]

لو طالعنا ساحة السلامة الروحيّة والنفسيّة، لوجدنا طائراً طاهراً خفيف الجناح، بعيداً عن كلّ ما هو قبيح، قد ملأ حسنُه وفضائلُه الأرجاء: «اللَّهُمَّ انْزَعِ العُجْبَ، والرِّيَاءَ، والكِبرَ، والبَغْيَ، والحَسَدَ، والضَّعْفَ، والشَّكَّ، والوَهْنَ والضّرَّ، والأَسْقَامَ، والخِذْلَانَ، والمَكْرَ، والخَدِيعَةَ، والبَلِيَّةَ، والفَسَادَ مِنْ سَمْعِي، وَبَصَري، وَجَمِيعِ جَوارِحِي، وَخُذْ بِنَاصِيَتِي إلى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى».‏ [من دعائها عليها السلام في تعقيب صلاة العصر]

العالمة والمعلِّمة‏

لو عدنا إلى ساحة العلم، لوجدنا أنّ حقيقة العلم في سماء وجودها هي كنجمة مضيئة تترك شعاعاً خاصّاً، فترى بذلك كّل ما كان في الماضي الأزليّ، وتدرك ما يجري في الحاضر، وتعلم أسرار المستقبل: «نادَتْ (فاطِمَةُ): أُدْنُ (يا أبا الحَسَنِ) لِأُحَدِّثَكَ بِما كانَ وبِمَا هُوَ كَائِنٌ وِبمَا لَمْ يَكُنْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».‏ [بحار الأنوار، عن (عيون المعجزات) للمحدّث الشيخ حسين بن عبد الوهاب المعاصر للشريف المرتضى]

 كانت فاطمة، عليها السلام، تتعلّم كلّ ما تسمعه من الوحي النّبويّ، ثمّ تبذل قصارى جهدها في الحفاظ على تلك العلوم السماويّة، فكانت تعتقد أن لا شيء يعدل ذلك، لا بل كانت على استعدادٍ لتقديم ولديها الحسنَين، عليهما السلام، على أن لا تتخلّى عن الكلام السماوي والنداء الملكوتي: «.. فَإِنّها تَعْدِلُ عِنْدي حَسَناً وَحُسَيْناً».‏ [الضمير يرجع إلى صحيفة فيها أحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، والرواية من الكافي]

وكانت، عليها السلام، لا تتعب في مقام تعليم المعارف الإلهيّة، ولا يضنيها أيّ صعوبة أو ألم في ذلك...

كفؤ الزّهراء عليها السلام

كان الإمام عليّ، عليه السلام، يعتقد أنّ أفضل زوجة ليست تلك التي لا تسمح لزوجها بالوقوع في الأخطاء، وليست تلك التي لا تمنع زوجها من الحركة في مسير الكمال والعبوديّة لله تعالى، بل هي التي تساعده في هذا المسير الصعب. يقول الإمام عليّ عليه السلام: «الزَّهْراء نِعْم العَوْنِ على طَاعةِ اللهِ».‏

إذا كانت معرفة الكفؤ وسيلة لمعرفة الشخص، فلا يمكن معرفة الزهراء، عليها السلام، إلّا من خلال كفئها عليّ عليه السلام، فلو لم يكن عليٌّ، لما كان للزهراء عليها السلام كفؤ. عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام: «لَوْلا أنَّ أَمِيرَ المُؤمِنينَ تَزَوَّجَها، لَمَا كَانَ لَهَا كُفْؤٌ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ القَيَامَةِ، مِن آدمَ فَمَنْ دُونه».‏

دفاعها عليها السلام عن الولاية‏

إنّ فاطمة في مجال الدفاع عن ساحة الولاية كانت كالبحر الهائج الذي وصلت أمواجه إلى الأوج؛ فكان كلّ ما لديها فداءً لعليٍّ عليه السلام، ولمقام عليٍّ عليه السلام؛ وهي التي قالت: «رُوحِي لِرُوحِكَ الفِداءُ، ونَفْسِي لِنَفْسِكَ الوِقَاءُ».

وعندما شاهدتهم يأخذون عليّاً عليه السلام مكرهاً إلى المسجد، قامت قائلةً: «خَلُّوا عنِ ابْنِ عَمِّي، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالحَقِّ لَئِنْ لَمْ تُخَلُّوا عَنْهُ.. لَأَضَعَنَّ قَمِيصَ رَسُولِ الله، صلَّى الله عليه وآلِه وَسَلَّمَ، عَلَى رَأْسِي وَلَأَصْرُخَنَّ إلى اللهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى، فَمَا نَاقَةُ صالح بِأَكْرَمَ عَلى الله مِنِّي، ولا الفَصيلُ بِأكرم على الله مِن وُلْدِي».‏

مظهر الرأفة الإلهيّة‏

الزهراء عليها السلام، هي المظهر الكامل للعطف والحنان والرأفة الإلهية، حتّى أنّها كانت بالنسبة إلى العصاة من الشيعة كمطر الرحمة الذي يجلي الذنوب ويرفع الكدورات: «إِلَهي وَسَيِّدي، أَسْأَلُكَ بِالَّذِينَ اصْطَفَيْتَهُمْ وَبِبُكَاءِ وَلَدَيَّ (وُلْدِي) فِي مُفَارَقَتِي، أَنْ تَغْفِرَ لِعُصَاةِ شِيعَتِي وَشِيعَةِ ذُرِّيَّتِي».‏ [من دعائها عليها السلام قبيل شهادتها]

ابتعادها عليها السلام عن الدّنيا

من الجميل أن ننظر إلى الزهراء، عليها السلام، كيف كانت تتعاطى في مسألة الابتعاد عن الدنيا والميل نحو العقبى، عندها قد نفهم لمَ كانت الآلام والصعاب تَسْهل وتَهون عليها. كان رسول الله صلّى الله عليه وآله، يخاطبها عندما يشاهدها تطحن القمح بإحدى يديها وتمسح وجه الحسن بالأخرى: «يَا بِنْتَاه! تَعَجَّلِي مَرارَةَ الدُّنْيَا بِحَلاوَةِ الآخِرَة؛ فَتَقولُ: يَا رسُولَ اللهِ، الحَمْدُ للهِ عَلَى نَعْمَائِهِ، والشُّكْرُ للهِ عَلَى آلَائِهِ».‏

تحمّلها عليها السلام المصائب‏

لقد ارتقت الزهراء عليها السلام، إلى مستوى الصلابة في تحمّل المشكلات، وقبول المصائب التي لم تهزّ بنيانها الثابت: «يا مُمْتَحَنَةُ امْتَحَنَكِ اللهُ الَّذِي خَلَقَكِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَكِ، فَوَجَدَكِ لِما امْتَحَنَكِ صابِرَةً».‏

بناءً على ما تقدّم يجب القول إنّ السيّدة الزهراء، عليها السلام، كانت قدوةَ النساء، وإمامَ الرجال، وزعيمةَ قاطبةِ الفضلاء. وبما أنّ الرضا والغضب وصفان يجمعان كافّة الأوصاف الإنسانيّة، على أساس أنّ عمل الإنسان إمّا أن يكون مورد رضى الله تعالى، أو مورد غضبه، وبما أنّ فاطمة، عليها السلام، مظهر رضا الله وغضبه، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «يا فاطِمَةُ، إِنَّ اللهَ لَيَغْضَبُ لِغَضَبِكِ وَيَرْضَى لِرِضَاكِ»، لذلك من المناسب دراسة جميع الأوصاف الإنسانيّة طبق معيار رضى فاطمة عليها السلام، وغضبها.‏


سيادة الزهراء عليها السلام

المنزلة العظمى في كتاب الله العزيز

ـــــــــــــــــــــــــــ السيد هاشم الهاشمي ـــــــــــــــــــــــــــ

يعرض السيّد هاشم الهاشمي في أحد أبحاثه آراءَ جمعٍ من العلماء المسلمين من أهل السُنّة في مسألة مقام الزهراء عليها السلام، مقارنةً بغيرها؛ كالسيّدة مريم التي صرّح القرآن بتفضيلها على العالمين، والسيّدتين خديجة بنت خويلد وآسية بنت مزاحم اللّتَين جعلتْهما الروايات مع الزهراء ومريم، عليهما السلام، من فُضليات النساء، مقسّماً الروايات التي وردت في هذا الخصوص إلى ثلاثة أقسام.

في هذه المقالة المختصرة من البحث المشار إليه نورد القسمَين الأوّلَين..

 

القسم الأوّل: ما يفيد مشاركتها لغيرها في الفضل. وهي الأحاديث التي تدلّ على أنّ الزهراء عليها السلام بالإضافة إلى مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون سيّدات نساء العالمين وسيّدات نساء أهل الجنّة.

منها: ما رواه الترمذي بإسناده إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: « حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ بنتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ».

ومنها: ما رواه أحمد بإسناده إلى ابن عبّاس قال: خطّ رسول الله صلّى الله عليه وآله في الأرض أربعة خطوط، قال: أتدرون ما هذا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم: « أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بنتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ بنتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بنتُ عِمْرَانَ».

القسم الثاني: ما يُفيد تفضيل فاطمة الزهراء عليها السلام على غيرها، سواء بإفرادها في لقب «سيّدة نساء العالمين» أو «سيّدة نساء أهل الجنّة» وما شاكلهما، أو بالتنصيص على تقدّمها على بقية النساء. وهي أحاديث عديدة:

منها: ما رواه البخاري عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ».

ومنها: ما رواه الحاكم بإسناده إلى حذيفة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «نَزَلَ مِنَ السَّماءِ ملَكٌ فَاسْتَأْذَنَ اللهَ أنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ، لَمْ ينزِلْ قبلَها، فَبَشَّرَني أَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ».

ومنها: ما رواه الحاكم بإسناده إلى عائشة أنّ النبيّ قال وهو في مرضه الذي توفّي فيه: «يَا فَاطِمَةُ أَلاَ تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ العالَمينَ وَسَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وسَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤْمِنينَ».

فإنّ ظهور هذه الأحاديث يدلّ على تقدّمها على مَن سواها، وخصوصية التقدّم إنّما تنبعث من إفرادها دون مَن سواها في الذكر والفضل والسيادة، وخصوصاً مع ملاحظة بعض القرائن المُلْتَفّة بالخبر، منها أنّ الآية التي تذكر اصطفاء مريم، عليها السلام، على نساء العالمين وردت ضمن سورة مريم وهي مكّية بالاتّفاق، وأحاديث كون فاطمة، عليها السلام، سيّدة نساء العالمين صدرت عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، في المدينة بلا شكّ، ومنها مجيء الملَك وتبشيره النبيّ صلّى الله عليه وآله بأنّ فاطمة، عليها السلام، هي سيّدة نساء أهل الجنّة، فإنّ السيادة في الجنّة يتبع مقام السيادة والقرب من الله تعالى في الدنيا، وهذا ما تقتضيه مناسبة قدوم ملَك من السماء لإتحاف النبيّ صلّى الله عليه وآله بهذه البشارة.

روايات أهل السُنّة الناصّةُ على التفضيل

إلّا أنّه توجد مجموعة من الأحاديث النبويّة أكثرُ ظهوراً ممّا سبق، حيث تقوم بالتفضيل في مسألة السيادة بين العوالم، أي إنّ تفضيل الزهراء، عليها السلام، له شمول زمانيّ يعمّ كلّ الأزمنة بما في ذلك فترة السيّدة مريم، عليها السلام، أمّا تفضيل مريم بالسيادة فهو مخصوص بنساء أهل زمانها فقط.

* وممّا يشهد بذلك ما رواه ابن شاهين البغدادي المتوفّى سنة 385  للهجرة بإسناده عن عمران بن حصين قال: خرجتُ يوماً فإذا أنا برسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم قائم، فقال لي: يا عِمْرانُ، إِنَّ فاطِمَةَ مَريضَةٌ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَعودَها؟ قال: قلت: فداك أبّي وأُمّي، وأيّ شرفٍ أشرفُ من هذا؟ قال: فانطلق رسول الله صلّى الله عليه [وآله]، وسلّم فانطلقت معه حتّى أتى الباب (ثم ساق الحديث إلى أن قال):

فقال لها [رسول الله صلّى الله عليه وآله]: «يا بُنَيَّةُ اصْبِري. مرّتين أو ثلاثاً، ثمّ قال لها: يا بُنَيَّةُ: أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ العالَمينَ؟

قالت: يا لَيْتَها يا أَبَتِ، فَأَيْنَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ؟

قال لها: أَي بُنَيَّةُ، تِلْكَ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِها، وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِكِ، وَالّذي بَعَثَني بِالحَقِّ، لَقَدْ زَوَّجْتُكِ سَيِّداً في الدُّنْيا وَسَيِّداً في الآخِرَةِ، لا يُبْغِضُهُ إِلّا كُلُّ مُنافِقٍ».

* وروى أحمد بن ميمون في فضائل عليّ، وكذلك الرافعي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: «أَوَّلُ شَخْصٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ؛ وَمَثَلُها في هَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلُ مَرْيَمَ في بَني إِسْرائيلَ». وهذا الحديث فيه إشارة إلى اختصاص كلّ واحدة منهما بعالمها الخاصّ.

* وروى محبّ الدين الطبري والسيوطي عن ابن عساكر بإسناده إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «أَرْبَعُ نِسْوَةٍ سَيِّداتُ ساداتِ عالَمِهِنَّ: مَرْيَمُ بْنُتُ عِمْرانَ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ، وَخَديجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَأَفْضَلُهُنَّ عالَماً فاطِمَةُ». وهذا الحديث في عين ذِكر التفصيل في السيادة بين العوالم نصّ على أفضليّة فاطمة على غيرها من النساء من حيث العالَم، وهذا كافٍ في الدلالة على المطلوب.

ونقل ابن شهر آشوب عن عائشة وغيرها عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنّه قال: «يا فاطمةُ أبشِري، فإنَّ اللهَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمينَ وَعَلى نِساءِ الإِسْلامِ، وَهُوَ خَيْرُ دِينٍ».

كلام الآلوسي في تفضيل الزهراء عليها السلام

واستناداً إلى الأحاديث السابقة وغيرها ذهب جَمعٌ من أعلام أهل السنّة إلى أنّ الزهراء، عليها السلام، أفضل من بقيّة النساء، وفي هذا يقول شهاب الدين الآلوسي في تفسير الآية الدالّة على اصطفاء مريم على نساء العالمين ما يلي: «... والذي أَميلُ إليه أنّ فاطمة البتول أفضلُ النساء المتقدّمات والمتأخّرات من حيث أنّها بَضعة رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، بل ومِن حيثيات أُخَر أيضاً، ولا يعكّر على ذلك الأخبار السابقة لجواز أن يُراد بها أفضليّة غيرها عليها من بعض الجهات وبحيثيّة من الحيثيات، وبه يُجمع بين الآثار، وهذا سائغ على القول بنبوّة مريم أيضاً، إذ البَضعية من روح الوجود وسيّد كلّ موجود لا أراها تقابَل بشيء، وأين الثريّا من يد المتناوِل، ومن هنا يُعلم أفضليّتها على عائشة...».

ثمّ قال: «وبعد هذا كلّه، الذي يدور في خلَدي أنّ أفضل النساء فاطمة، ثمّ أمّها، ثمّ عائشة، بل لو قال قائلٌ إنّ سائر بنات النبيّ صلّى الله تعالى عليه [وآله] وسلّم أفضلُ من عائشة لا أرى عليه بأساً...وقد سُئل الإمام السَّبكي عن هذه المسألة فقال: الذي نختاره ونَدين الله تعالى به أنّ فاطمة بنت محمّد صلّى الله تعالى عليه [وآله] وسلّم أفضل، ثمّ أمّها...».

كلام أعلام السنّة في تفضيل الزهراء عليها السلام

يقول السيّد عبد الحسين شرف الدين، قدّس سره، الشريف في كتابه الذي ألّفه في خصوص هذا الموضوع (الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء): «وقد وافقَنا في تفضيلها جمهور من المسلمين، وصرّح به كثير من المحقّقين، ونقل ذلك عنهم غيرُ واحد من العلماء الباحثين المتتبّعين، كالمعاصر النّبهانيّ، حيث قال في أحوال الزهراء من كتابه (الشرف المؤبّد) ما هذا لفظه: وصرّح بأفضليّتها على سائر النساء حتّى على السيّدة مريم كثيرٌ من العلماء والمحقّقين، منهم التقيّ السبكيّ، والجلال السيوطيّ، والبدر الزركشيّ، والتقيّ المقريزيّ، قال: وعبارة السبكيّ حين سُئل عن ذلك: الذي نختاره وندين به أنّ فاطمة بنت محمّد أفضل. قال: وسُئل عن مثل ذلك ابنُ أبي داود فقال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: "فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنّي"، ولا أعدِلُ ببَضعة رسول الله أحداً. ونقل المناوي هذا عن جمع من السلَف فراجع».

وأضاف السيّد شرف الدين في موضع آخر من كتابه: «وحسبُك في تفضيلها بالخصوص ما أخرجه الطبرانيّ في ترجمة إبراهيم بن هاشم من (معجمه الأوسط) عن عائشة: ما رأيتُ أحداً قطّ أفضلَ من فاطمة غيرَ أبيها. وسند هذا القول إلى عائشة صحيحٌ على شرط البخاريّ ومسلم...

وأخرج ابن عبد البرّ في ترجمة الزهراء من (استيعابه) بالإسناد إلى ابن عمير قال: دخلتُ على عائشة فسألتها: أيّ الناس أحبُّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ قالت: فاطمة. قلت: فَمِن الرجال؟ قالت: زوجُها.

وأخرج في ترجمتها من (الاستيعاب) أيضاً عن بريدة قال: كان أحبّ الناس إلى رسول الله من النساء فاطمة، ومن الرجال عليّ».


من هي سيدة نساء العالمين؟

بضعةُ الرسول الأعظم وحقيقته

ــــــــــــــــــــــ الشيخ محمّد جواد مغنية رحمه الله ــــــــــــــــــــــ

هذا النصّ المستعاد للعلامة المحقّق المغفور له الشيخ محمّد جواد مغنية هو من المقاربات المميزة للصفات والخصائص الفاطمية العظيمة.

في المقالة التالية تأصيلٌ لصفة السيدة الزهراء عليها السلام: «سيدة نساء العالمين»، وشرح لمقاصد هذه الصفة وأبعادها الملكوتية، اخترناها من الجزء الثاني من (تفسير الكاشف) للعلامة الشيخ مغنية رحمه الله.

«شعائر»

 

خاطب الله، سبحانه، السيّدة مريم عليها السلام بقوله: ﴿..وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران:42. وقد أحدثت هذه الآية اختلافاً بين علماء المسلمين: هل مريم بنت عمران أفضل، أم فاطمة بنت محمّد صلّى الله عليه وآله أفضل؟

ذهب جماعة إلى أنّ خير النساء أربع، وأحجموا عن المفاضلة بينهنّ، لحديث: «خَيْرُ نِساءِ العَالَمِينَ أَرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وَآسيَةُ بِنْتُ مُزاحِمِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّد». وهذا الحديث مذكور في صحاح السنّة، ورأيته في تفسير الطبري، والرازي، والبحر المحيط، وروح البيان، والمراغي، وصاحب المنار.

وقال آخرون: مريم أفضل للظاهر ﴿..نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.

وقال الشيعة وشيوخ من السنّة: إنّ فاطمة أفضل، وننقل هذا القول عن جماعة من شيوخ السنّة، استناداً إلى تفسير (البحر المحيط) لأبي حيّان الأندلسي عند تفسيره لآية: ﴿..وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. قال ما نصّه بالحرف: «قال بعض شيوخنا: والذي اجتمعت عليه من العلماء أنّهم ينقلون عن أشياخهم أنّ فاطمة أفضل نساء المتقدّمات والمتأخّرات، لأنّها بضعةٌ من رسول الله».

وممّا استدلّ به القائلون بأفضليّة فاطمة عليها السلام، ما تواتر عن أبيها من طريق السنّة والشيعة: «فَاطِمَة بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي».

أمّا قوله تعالى لمريم: ﴿..وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾، فالمراد به عالَم زمانها، لا كلّ زمان، وهذا التعبير معروف ومألوف، يقال: فلان أشعر الناس، أو أعلمهم، ويُراد بذلك أنّه أشعر أو أعلم أهل زمانه، أو أبناء أمّته، ونظيره كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿..وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ الجاثية:16. ولا يختلف اثنان بأنّ المراد عالم زمانهم، فكذلك تفضيل مريم التي هي من بني إسرائيل.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ الأنعام:86، ولا قائل بأنّ لوطاً أفضل من عيسى، أو مساوياً له في الفضل، ولا إسماعيل أفضل من أبيه.

ومنه: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ..﴾ النمل:23، أي كلّ شيءٍ في زمانها.

ونعود إلى النسوة الأربع، وهنّ آسية، ومريم، وخديجة، وفاطمة، اللائي ورد الحديث بأنهنّ خير النساء، ونقول: لو نظرنا إليهنّ صارفين النظر عن نصوص الكتاب والسنّة، لألفينا أنّ كلّ واحدة منهنّ تختصّ بفضيلة دون غيرها من الصالحات الباقيات.

فآسية امرأة فرعون آمنت بالله مخلصة له، لائذة به وحده، وهي في بيت شرّ العباد، ورأس الكفر والإلحاد، وقد جاهرت بإيمانها منكرة على فرعون كفره وفساده، متحدّية ظلمه وطغيانه، فأوتد لها الأوتاد، حتّى قضت شهيدة الحقّ والإيمان، ولم تكن هذه الكرامة لواحدة من الثلاث.

أمّا السيّدة مريم، فقد كرّمها بولادة السيّد المسيح من غير أب، وما عُرفت هذه الكرامة لامرأة على وجه الأرض.

أمّا السيّدة خديجة، فإنّها أوّل مَن آمن وصدّق رسول الله، وصلَّت هي وعليّ بن أبي طالب مع الرسول الأعظم، صلّى الله عليه وآله، أوّل صلاة أقيمت في الإسلام، وهي أوّل مَن بذل الأموال لنصرة هذا الدين، ولولا أموالها، وحماية أبي طالب لمحمّد صلّى الله عليه وآله، لقُضي على الإسلام في مهده، ولم يكن له عينٌ ولا أثر. ولم تكن هذه الكرامة لغيرها من نساء العالمين.

أمّا فاطمة، فإنّها بضعة من رسول الله، بل هي نفسه خَلْقاً وخُلقاً ومنطقاً وصلاحاً وتقًى، يرضيه ما يرضيها، ويؤذيها ما يؤذيه، وهي أمّ الحسنين سيّدَي شباب أهل الجنّة، وعقيلة سيّد الكونين بعد رسول الله، ولم تكن هذه الكرامة لأمّها خديجة، ولا لآسية ولا مريم عليهنّ السلام.

أمّا التفاضل بين هذه الكرامات، فإنّه تماماً كالتفاضل بين الورد والياسمين، واثنتين من الحور العين. لكن يكفي أن تكون لفاطمة الزهراء واحدة من خصال أبيها، حتّى ترجّح على نساء العالمين قاطبة من الأوّلين والآخرين، فكيف إذا كانت بَضعةٌ منه؟ إنّه أفضل الأنبياء، وهي بضعة منه، فتثبت لها الأفضليّة.

وفي الجزء الخامس من (صحيح البخاري)، باب مناقب قرابة رسول الله، أنّه صلّى الله عليه وآله قال: «فاطِمَةُ سيِّدَةُ نِساءِ أَهْلِ الجَنَّةِ». وإذا كانت فاطمة بضعة من الرسول، فإنَّ بعلها عليّاً هو نفس رسول الله، والدليل قوله تعالى: ﴿..أَنْفُسَنا..﴾، في آية المباهلة؛ الحادية والستّون من سورة آل عمران.

 

 

فاطمة أُمّ أبيها

الأبعاد الوحيانية للعبارة وخصوصياتها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ الشيخ حسين كوراني ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

تتناول هذه المقالة لسماحة الشيخ حسين كوراني واحدة من أهم الصفات العظيمة للسيدة الزهراء عليها السلام: «أُمّ أبيها». وقد اجتهد العلماء والرواة في شرح وتبيان ما تحمله هذه الكلمات من معانٍ وأسرار وأبعاد روحانية ومعنوية.

المقالة التالية هي مختصر عن أحد فصول كتاب (في محراب فاطمة عليها السلام)؛ وهو في الأصل سلسلة محاضرات أُلقيت في جوار مقام السيدة زينب عليها السلام.

«شعائر»

 

من أسباب سعادة المسلم المؤمن في يوم القيامة، أن يطول في الدنيا وقوفه على عتبة قرّة عين الرسول، صلّى الله عليه وآله، خصوصاً وأنَّ لمعرفتها، عليها السلام، موقعاً محورياً في معرفة أهل البيت عليهم صلوات الرحمن. (...)

ومَن ضعفت معرفته بالصِّديقة الكبرى فدينه ضعيف، ومَن قويت معرفته بالصِّديقة الكبرى فإنّ دينه قويّ.

المشكلة الأساس التي ينبغي أن ندرك ولو بعض مستوياتها، أنّه بالرغم من وجود روايات كثيرة في فضل الصدِّيقة الكبرى، فإنّ الذي يقال، عادةً، إنَّ الروايات حول الزهراء عليها السلام قليلة! (..)

ويرجع السبب في الاعتقاد بقلّة الروايات حول الصِّدّيقة الكبرى رغم كثرتها إلى أخطاءٍ ثلاثة في المنهج الفكري للقائلين بذلك:

الأول: أنّنا نشطب الروايات ذات الأبعاد الغيبية.

ثانياً: أنّنا نُسقط على الروايات أفهامنا المسبقة.

ثالثاً: أنّنا نتوهّم الغلوّ، فنشطب قسماً آخر من الروايات.

إذا لاحظنا هذه الأخطاء المنهجية، ننتقل بعدها إلى الوقوف حول حديثٍ طالما سمعناه ورددناه حيث ثبت أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله، أطلق على الصِّديقة الكبرى كنية «أُمّ أَبيها»: «فَاطِمَةُ أُمُّ أَبِيهَا».

هذه الحقيقة المحمّدية، تسمية الصديقة الكبرى «أُمّ أَبيها»، هي من حيث اللفظ واضحة «فَاطِمَةُ أُمُّ أَبِيهَا».

لكن أسأل نفسي وأسألك هل عرفنا معنى هذا الحديث؟ (..) ما هو المعنى الذي وَعَيناه حول كنية فاطمة عليها السلام بأمّ أبيها؟

المعنى الذي اختزنه وَعْيُنا، ويتحدّث به الأكثرون، أنّ مولاتنا خديجة، رضوان الله تعالى عليها، توفّيت، فبقي رسول الله صلّى الله عليه وآله، وليس معه مَن يخفّف عنه أعباءه، ويشاطره أحزانه وآلامه، فكان بحاجة إلى عطف وحنان!

إنّه كلام لا ينطبق على شخصية المعصوم، وعظَمته، واستغراقه في الله تعالى. هو يمنح الدنيا عطفاً وحناناً ﴿..رَءُوفٌ رَحِيمٌالتوبة:128، ويصبح بحاجة إلى عطف وحنان! (..)

إنّ أيّ إنسانٍ في الدنيا، أو أي شخصٍ له بنت، وتُتوفّى زوجته، تكون هذه البنت عادةً بمنزلة أمّ أبيها بهذا اللحاظ. إذاً، هذه الكنية التي سنكتشف أنّها كنية عظيمة جدّاً، أفرغناها من محتواها وجعلناها مسألة عادية جداً لا قيمة لها.

إذا أردنا أن نستوضح بعض خصوصيّاتها فلنتدرّج من الأقلّ إلى الأكثر، ومن الأدنى إلى الأعلى. دعونا نتأمّل هذه الكلمات «فَاطِمَةُ أُمُّ أَبِيهَا»، بحسب المعطيات الظاهرية، دون الغوص في الأعماق.

في البداية لفظ «أُمّ» هنا مطلق، لم يُقيَّد بقيد. لم يقل رسول الله صلّى الله عليه وآله، فاطمة أمّ أبيها في الحنان والعطف، أو غير ذلك من القيود التي تجعل المعنى خاصّاً.

وأبوها الذي هي أمّه، من هو؟ إنّه سيّد الرسل، خير خَلق الله تعالى، وهي بناءً لهذه التكنية، أمّه.

ثمّ مَن هو القائل؟ مَن هو المُتحدّث الذي صدرت منه هذه الكنية؟

وهذا لحاظ آخر وإن بدا لأوّل وهلةٍ أنّه نفس ما سبقه (من هو أبوها؟) فقد يطلق هذه الكنية على الصِّديقة الكبرى غير المصطفى الحبيب صلّى الله عليه وآله، فلا تكون دلالاتها بنفس المستوى، لأنّ أي كلام يستمدّ أهمّيّته من مضمونه، وممّن صدر هذا الكلام عنه.

المتحدّث هو من قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ النجم:3-4. فكلامه، صلّى الله عليه وآله وسلّم، كالقرآن. ومَن كان كذلك، فحديث العطف والحنان لمجرد العطف والحنان بعيدٌ عن ساحته، لأنّه حديثُ هوى، وحبّ شخصي. أمّا العطف والحنان في مورديهما فهو أحقّ الخلق وأولاهم به: ﴿..رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَالأنبياء:107.

وما يؤدّي إلى تعظيم شخص ما في نظر المسلمين جميعاً، لا يمكن أن يكون منطلقاً عن ميلٍ نفسي، وهوًى وحبٍّ شخصيَّين، لمجرد أنّ هذا الشخص عطوف أو حنون.

 

من معاني الحديث

عندما نميل بجموح إلى تفسير «أمّ أبيها» بمجرّد العطف والحنان، فنحن نتحدّث عن حبٍّ شخصيّ. (..) إنه حديث عاطفة أبويّة، في مقابل عاطفة منحته إياها ابنته، حين كان في أَمسّ الحاجة إليها.

وهكذا نبعد الحديث عن آفاق قُدسيّة الصِّدِّيقة الكبرى، عليها صلوات الرحمن، في حين أنَّ حديث المصطفى صلّى الله عليه وآله، عن «أمِّ أبيها» لا يمكن إلاَّ أن يكون من منطلق آخر، هو منطلق ﴿..وَحْيٌ يُوحَى﴾ وليس منطلق الهوى، والعياذ بالله تعالى.

إذا لاحظنا هذه الخصوصيات:

1-    أنّ لفظة «أُمّ» ليست مقيدة بأي قيد.

2-   مَن هو الأب الذي هي أمّه.

3- المتحدّث هو مَن كلامه الشريف كالقرآن المجيد.

إذا لاحظنا ذلك:

* فالمعنى الأول: أنّ فاطمة، عليها السلام، أمُّ خير خلق الله تعالى، في جميع المجالات مطلقاً دون أيّ قيد، إلّا ما خرج بالدليل العقلي «اللّبي»، أو النقلي.

* والمعنى الثاني الذي يتولّد من هذا المعنى، ويتّضح في ضوئه، هو التالي: كما أنّ فعل الولد وتركه يجب أن يدورا مدار رضى أمّه وغضبها، ذلك حقّها الأبرز عليه، فإنّ فعل المصطفى الحبيب وتركه صلّى الله عليه وآله، يدوران مدار رضى الصدّيقة الكبرى وغضبها.

ومهلاً لا تعجل بالإنكار وإن استغربتَ. وبادر إلى رفع الاستغراب فوراً، بتذكّر حديث آخر لمَن لا ينطق عن الهوى، حيث يقول: «إنَّ اللهَ لَيَرْضَى لِرِضى فَاطِمَة وَيَغْضَب لِغَضَبِها». فأيّهما أشدّ غرابة، إن كان بقي من الاستغراب عينٌ أو أثَر.

معنى ذلك: أنّ حديثَيْ «فاطمة أمُّ أبيها» و «إنَّ اللهَ لَيَرْضَى لِرِضى فَاطِمَةَ» من مشكاة واحدة ومؤدّاهما بلحاظ هذا المعنى - الثاني - واحد.

ولا ينافي ذلك على الإطلاق أنه صلّى الله عليه وآله، أفضل منها، ومن جميع النبيّين، والأئمّة عليهم صلوات الرحمن. كما لا ينافي وجوب طاعتها له، لأنّ الله تعالى يرضى لرضاه صلّى الله عليه وآله، ويغضب لغضبه، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ..﴾ النساء:80.

ولدى التأمّل في أبعاد هذا المعنى - الثاني - لمصطلح «أمّ أبيها»، سنكتشف أنّنا على ساحل بحرٍ نبويٍّ متلاطم. والعبرة التي يجب أن نخرج بها من ذلك وأمثاله، أن لا نتعاطى مع كلام المصطفى الحبيب، صلّى الله عليه وآله - والمعصومين عموماً - كما نتعاطى مع كلام الآخرين، باعتباره مبنياً على المحسِّنات البديعية كما نفهمها، مبالغة وجموحاً إلى الخطابة والإنشاء. (..) كلامُ المعصوم معصوم. (..)

تذكّر أيّها الحبيب ما قلته لك سابقاً: قبل أن نحكم بالغلوّ أو بعدمه، من واجبنا معرفة المعصومين أولاً، وعندها نكون قد امتلكنا مقياساً يمكننا على أساسه الحكم على هذا القول أو ذاك بأنّه غلوّ، أو ليس كذلك. أمّا قبل امتلاك المقياس - حقّ المعرفة - فإنّ الدليل لا يسمح لنا إلّا أن نقول: إنّ في هذا الكلام احتمالَ الغلوّ. والجزم حيث لا يسمح الدليل إلّا بالاحتمال ينافي المنهجية السليمة، والأمانة العلمية.

 

«أمّ أبيها»، و«أم المؤمنين»

* المعنى الثالث: الذي ينبغي أن ننتبّه إليه، كما يلي: نقف لنقارن بين كنيتَين: كنية «أمّ المؤمنين»، وكنية «أمّ أبيها»، أيّهما أعظم؟ مصطلح «أمّ المؤمنين» الثرى، و«أمّ أبيها» الثريّا، وأين «أمّ المؤمنين» من «أمّ أبيها»؟ (..)

أمّ المؤمنين كنية عظيمة. ﴿..وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، إلّا أنّ هذه الكنية بنصّ القرآن الكريم، لا تنطبق على أحدٍ إلاَّ بشرط المحافظة على مقتضيات هذه الكنية: ﴿..إِنِ اتَّقَيْتُنَّ..﴾ الأحزاب:32.

(..)

يؤكّد أنّ هذا الوسام «أمّهات المؤمنين» مشروط وليس على إطلاقه، قولُه تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ التحريم:4-5.

ثمّ إنّ هذه الكنية العظيمة، هي بالتأكيد، دون عظَمة كُنية «أمّ أبيها». أين أمّ رسول الله، أمّ خير خلق الله، من أمّ المؤمنين؟

للأسف الشديد إنّنا عملنا على إفراغ هذه الكنية من قيمتها، وأصبحنا نعرضها على أساس أنّ المراد بها أنّ الزهراء كانت تهب أباها عطفاً وحناناً، وانتهت القصّة، يعني أصبحت أصغر من كنية أمّ المؤمنين، لماذا؟

عندما نفكّر بهذه المقارنة، تتّضح لنا حقائق كثيرة يشار إلى بعضها، وقد تنبَّهَ إلى هذه المقارنة متتبِّعٌ باحث هو العلّامة الشيخ الرحماني الهمداني في كتابه القيّم والموسوعي (فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى صلّى الله عليه وآله) يتحدّث في هذا المجال، فيشير إلى ما يلي:

يقول: «إنَّ الله، عزَّ وجل، لمّا شرّف، وكرّم أزواج النبيّ صلّى الله عليه وآله، صِرْن في معرض أن يخطر ببالهنَّ أنهنَّ أفضل النساء، ومن أجل أن لا يتصوّرن ذلك، بما يستتبعه من أنهنَّ، والعياذ بالله تعالى، أفضل من بضعة المصطفى الحبيب، فإنّه، صلّى الله عليه وآله، قال: (فاطِمَةُ أُمُّ أَبيها). إذا كنتنّ أمّهات المسلمين (المؤمنين)، ففاطمة أمّ رسول الله صلّى الله عليه وآله».

ولا بدّ من التأكيد مجدّداً أنّي لست بصدد التقليل من عظمة مصطلح «أمّ المؤمنين»، عندما يطلق على مَن تستحقّه، إلاَّ أنّي بصدد أنّ مصطلح «أمُّ أبيها» أعظم منه بكثير، بل بما يفوق كلّ تصوّر.

فإذا استحضرنا أنّ تحوّل الحكم الإسلامي إلى مُلك عَضُوض - وهو ما حذَّر منه رسول الله صلّى الله عليه وآله، كما في الحديث المشهور عن بني العاص - قد بدأ (هذا التحوّل المشؤوم) وقطع شوطه الأوّل متستِّراً بشعار «أمّ المؤمنين» في حرب الجمل، أدركنا بُعداً من أبعاد السرّ الإلهي في إطلاق هذه التكنية «أمّ أبيها» على الصدّيقة الكبرى، عليها السلام، وأدركنا في الوقت ذاته أيّ جريمة نرتكب عندما نحصر تفسيرها بالعطف والحنان!

* المعنى الرابع: حول «فاطمة أمّ أبيها» وهو أعمق من المعاني المتقدّمة وأشمل. خلاصة هذا المعنى أنّ خصائص الولد تكون عادةً في الأمّ، بل إنّ جميع خصائص الولد موجودة في الأمّ. وعندما يصل الحديث إلى المعنى اللغوي للأمّ، سوف نجد ما يسلّط الضوء على ذلك. فالأمّ هي الأصل (...).

وبناءً على هذا، يكون المعنى أنّ جميع خصائص المصطفى الحبيب، صلّى الله عليه وآله، موجودة في الصِّديقة الكبرى، عليها صلوات الرحمن، بحيث لو أنّك تأمّلت جميع الناس لَما وجدت شخصاً يمكنه أن يكون بموقع الأمّ، التي هي الأصل لجميع خصائص رسول الله، غير الزهراء عليها السلام.

بعبارةٍ ثانية: إذا أردتَ أن تعرف أشبهَ الناس برسول الله صلّى الله عليه وآله، فإنّها فاطمة.

بل أدقّ من ذلك، إذا أردتَ أن تعرف أنّ الرسول، صلّى الله عليه وآله، هو أشبه بمَن مِن جميع الخلق، فهو أشبه بفاطمة: «فاطمة أمّ أبيها».

فاطمة عليها السلام عنصرُ الشجرة الطيّبة

* المعنى الخامس: وهذا المعنى ذكره أيضاً الشيخ الرحماني الذي ذكرت أنّه تنبّه للمعنى الثالث، وقد يبدو أنّه نفس المعنى الرابع، إلاَّ أنّه يختلف عنه، ويضرب بعيداً في عالم الغَيب. (..) والخلاصة أن سِرَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الزهراء، أنّ مصدر رسول الله صلّى الله عليه وآله، نبع رسول الله صلّى الله عليه وآله، هو الزهراء عليها السلام.

كيف؟

يقول: «ويمكن أن يراد بهذه التسمية التكنية معنى أدقّ وأعمق، وهو أنّ أمَّ كلّ شيء أصله ومجتمعه (أي مكان تجمّعه)، كما صرَّح به أهل اللّغة كأمّ القوم، وأمّ الكتاب، وأمّ النجوم، وأمّ الطرق، وأمّ القرى وهي مكّة، وأمّ الرأس، وأمّ الدماغ، فعليه يمكن أن يُقال إنّه صلّى الله عليه وآله أراد (من هذه التكنية) أنَّ فاطمة عليها السلام، هي أصل شجرة الرسالة، وعنصر النبوّة، كما قال الباقر عليه السلام: الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ رَسولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله، وفرعها عليٌّ عليه السلام، وعنصرُ الشجرةِ فاطمةُ عليها السلام, وثمَرتُها أولادها، وأغصانُها وأوراقُها شيعتُها».

العنصر الأساس فاطمة عليها السلام.  دخلنا هنا في عوالم لها أهلها، إلاَّ أنّ الروايات واضحة في هذا المجال. (..)

ثمّ يضيف الشيخ الرحماني: «وكما أنّه لولا العنصر، يبست الشجرة وذهبت نضرتها، فكذلك لولا فاطمة عليها السلام، لَمَا اخضرّت شجرة الإسلام، فإنّ الشجرة تسمو وتنمو بتغذيها من أصلها».

وهذا المعنى الذي ذكره يحوم حول ما يصرّح به بعض من العلماء بقوله: «الصِّدِّيقة عليها السلام هي غَيب المصطفى صلّى الله عليه وآله؛ بمعنى أنّ لرسول الله صلّى الله عليه وآله ظاهراً وباطناً، علَناً وسرّاً، والصِّديقة الكبرى هي باطن المصطفى الحبيب وسرُّه، وبما أنَّ باطن كلّ شخص وسرِّه هو أصله الذي تصدر أفعاله بالتناسب معه، ومقصده الذي يكشف عن مصبّ تصرّفاته، ومرجعه الذي ترجع أعماله في الحقيقة إليه، وجماعته التي ينشدُّ إليها ويألفها، ودينه الذي يوقن به حقيقةً، فإنّ باطنه أمّه، وهي عليها السلام تجسيد للخصائص التي تشكّل باطن المصطفى الحبيب وغيبه وسرّه، فهي أمّه، صلّى الله عليه وآله». (..)

* المعنى السادس: يستنتج بوضوح من كلامٍ للمحقّق الجليل الشيخ المصطفوي في كتابه الفريد (التحقيق في كلمات القرآن الكريم)، حيث يقول: «والذي يقوى في النفس أنّ الأصل الواحد في هذه المادة (أمّ) هو القصد المخصوص، أي القصد مع التوجّه».

ثمّ يقول في معنى كلمة الأمّ: «الأمّ ما يكون مورداً للقصد والتوجّه، فإنّ الأمّ يتوجّه إليها توجّهاً خاصّاً».

وبناءً على هذا يصبح معنى «فاطمة أمُّ أبيها»، فاطمة قِبْلةُ أبيها، فاطمة كعبة أبيها، فاطمة مقصد أبيها، الذي يتوجّه إليه، ويهتمّ به، ويعنى به عنايةً خاصة، واهتماماً خاصّاً، كما ينبغي أن يكون الاهتمام بالقِبلة والكعبة.

أيُّها الحبيب:

إنّها ثلاث كلمات «فاطمة أمّ أبيها»، وقد رأينا تعدّد المعاني التي يُمكن أن تحملها، وغزارتها وعمقها.

والسبب هو أنّنا تعاملنا مع هذا النصّ بشيءٍ من التعمّق، وهو مبدأ يجب أن لا نخرج عنه خصوصاً، في محاولة فهم النصّ المعصوم: نصّ القرآن الكريم، والثابت من الأحاديث القدسية، وسائر نصوص المعصومين، صلوات الله عليهم أجمعين، كما رأينا بأمّ عين القلب كيف أنّ التعاطي الأفقي السطحي مع هذه الكلمات، أفرغها من معانيها، وحصر معناها بيننا بما لا فضل فيه ولا منقبة، بل يمكنه أن يمسّ من قدسيّتها عليها السّلام، وقدسيّة المصطفى صلّى الله عليه وآله، حيث يصوّرهما كسائر البشر، ويجرّد شخصيتهما من الركون إلى الله تعالى والانقطاع إليه والاستغناء به، ما يجعلهما أكبر من الدنيا والآخرة.

بل إنّنا نُسيء إلى المصطفى الحبيب صلّى الله عليه وآله، وإلى الصِّديقة الكبرى عليها السلام، عندما نفسّر هذا الحديث الشريف بأنّها كانت كأيّ ابنة تتوفّى أمّها، فتهتمّ بأبيها وتمنحه العطف والحنان اللّذين هو في أَمَسّ الحاجة إليهما.

 

 

 

 

 

اخبار مرتبطة

  أيّها العزيز

أيّها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ أسبوع

دوريات

  إصدارات أجنبية

إصدارات أجنبية

نفحات