الصُّومال في مواجهة الإهمال الدّولي

الصُّومال في مواجهة الإهمال الدّولي

23/10/2011

أميركا و«صناعة المجاعات» في القرن الإفريقي


أميركا و«صناعة المجاعات» في القرن الإفريقي
الصُّومال في مواجهة الإهمال الدّولي


تحقيق: أحمد الحسيني
 


* الصُّومال دولة عربيّة إسلاميّة، تقع شمال شرقي إفريقيا في ما يُعرف بالقرن الإفريقي، وهو أقصى امتداد لإفريقيا صوب الشَّرق، ما يجعل موقعها استراتيجيّاً، حيث تمتدّ على طول المداخل الجنوبيّة إلى باب المندب والبحر الأحمر من خلال طريق قناة السُّويس.
* يعاني حوالي 12 مليون من سكّان الصّومال -حسب تقديرات الأمم المتحدة- من المجاعة منذ عدّة شهور.
* توقّع «مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيّة» التابع للأمم المتحدة تفاقم الأزمة في جنوب الصومال طوال عام 2011 م، مع سقوط كلّ مناطق الجنوب في براثن المجاعة، وقدّرت الأمم المتحدة أنّ الكارثة تتطلّب توفير مبلغ في حدود 2.5 مليار دولار.


تمتدّ أراضي الصُّومال بين خطَّيْ عرض 12° شمالاً و13° جنوباً، وبين خطَّيْ طول 41° و51° شرقاً. وتطلُّ على خليج عدن من جهة الشَّمال بساحل يزيد طوله عن الألف كلم، وعلى المحيط الهندي من جهة الشرق بساحل طوله أكثر من 2,100 كلم.
 
يُقارب طول الحدود البريّة للصُّومال 2,500 كلم، منها 61 كم مع جيبوتي في شمال غربي الصُّومال، 1,645 كلم مع أثيوبيا في الغرب والشّمال الغربي، و682 كلم مع كينيا في الجنوب الغربي.
تبلغ مساحتها 637657 كلم²، على أنَّ الصُّوماليِّين ينتشرون في مساحة لا تقلّ عن مليون كلم² فيما يُطلِق عليه الصُّوماليّون الصُّومال الكبير، والذي تقع بعض أجزائه في غربي أثيوبيا وشمالي كينيا.

المناخ

يتميَّز الصُّومال بمناخ مداري حارّ وجافّ وشبه جافّ، والتّغيُّر في درجات الحرارة بين فصول السّنة قليل. ففي الأراضي المنخفضة الواقعة شمال البلاد يتراوح المعدَّل الحراري ما بين 30° و40° درجة مئويّة، وما بين 18° و40° درجة مئويّة في الجنوب.
يصل المعدَّل السَّنوي العام للأمطار إلى 28 سم3، ونادراً ما تزيد كميّة الأمطار على50 سم3 في السَّنة.
تمثِّل المسطَّحات المائيّة في الصّومال 10,320 كلم²، كما تمثِّل نسبة الأراضي الصَّالحة للزراعة فقط 1.64% من إجمالي مساحة البلاد، في حين تستخدم نسبة 0.04% فقط من المساحة الكلّيّة لزراعة المحاصيل الدّائمة.

السُّكّان

وفقاً لآخِر إحصاء رسمي أَجرته الحكومة الصُّوماليّة في تمّوز من العام 2000 م، بلغ عدد السّكّان 8.7 مليون نسمة، تشكِّل الإناث 50.4% منهم، ويُقدّر عدد السكّان حاليّاً بنحو 13 مليون نسمة.
وقُدِّرت الكثافة السّكانيّة بنحو 107 أشخاص لكلّ كلم². وتصل نسبة سكّان الرِّيف إلى 62.8% وسكّان المُدُن إلى 37.2%.
ينتمي الصُّوماليّون إلى الحامِيِّين أو الثّقافة الكوشيّة. ويؤكِّد علماء الأجناس البشريّة أنَّ موجات بشريّة تتابعت من غرب آسيا إلى منطقة شرق إفريقيا منذ سبعة آلاف سنة، وأنَّ كلّ هجرة كانت تدفع بالعناصر الموجودة إلى داخل القارّة وجنوبها، كما وَفَدت إلى الصُّومال هجرات أخرى من منطقة البحيرات الإستوائيّة تمثّل «البانتو» الذين استقرّوا في منطقة ما بين نهرَي شبيلي وجوبا.
ومِن أهمّ المجموعات القَبَليّة في الصُّومال: الداروط، والإسحاقيّون، والهاوية، والدّير، وتتركَّز هذه المجموعات القبليّة بصفة عامّة في شمال البلاد، أمّا الجنوب فقد استوطنه الدّغل، والراحناوين.
ويدين الشّعب الصُّومالي بالإسلام، حيث تصل نسبة المسلمين إلى 99,9%، يتبع غالبيّتهم المَذهب الشّافعي.

الإسلام في الصُّومال


قبل الإسلام كانت هناك صِلات تجاريّة بين بلاد اليمن وسواحل الصُّومال، وبعد ظهور الإسلام هاجر كثيرٌ من عرب قريش من شبه الجزيرة العربيّة خلال القرن السّابع الميلادي إلى الصُّومال بقصد التّجارة ونشر الدّعوة الإسلاميّة، واستقرَّ المهاجرون على ساحل المحيط الهندي، وأسَّسوا عدداً من المدن الصغيرة.
ومِن أشهر البعثات التي جاءت تدعو إلى الإسلام في الصُّومال تلك التي وَفدت من حضرموت في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي، وتتألَّف من أكثر من أربعين داعية نزلوا في بربرة على ساحل خليج عدن، ومن هناك انتشروا في البلاد.
ساعد على انتشار الإسلام في هذه المناطق أنَّه دِين سَمْح يَخلق في أتباعه روح العزَّة والكرامة، لأنّ مبادئه قامت على أساس المساواة بين المسلم والمسلم، بصرف النَّظر عن موطنه أو لونه أو نَسَبه. يقول «بليدن» بهذا الشّأن في كتابه (الإسلام في غرب إفريقيا): «لقد تلاقت الدِِِّيانة الإسلاميّة مع العادات المحليّة في حدود التّعاليم الدِّينيّة، وكَونَّت وإيّاها ما يُطلق عليه الإندماج أو الإمتزاج الصّحِّي».

اللّغة

يتحدَّث الصُّوماليّون اللّغة الصُّوماليّة وهي من اللُّغات الكوشيّة التي تضمّ بضعاً وثلاثين لغة ولهجة، وتنتشر في شرق إفريقيا. وتُقدَّر نسبة الكلمات العربيّة في اللّغة الصُّوماليّة بأكثر من 30%.
وكان الصُّوماليّون يكتبون لغتهم بالحروف العربيّة بصفة عامّة حتّى سنة 1972م، حينما فرض محّمد سياد بري رئيس «مجلس الثّورة» آنذاك، كتابة اللّغة الصُّومالية بالحروف اللّاتينيّة بإيعازٍ من بعض الجهات الأجنبيّة المعادية للّغة العربيّة. وفي العام 1974م انضمَّت الصُّومال إلى جامعة الدُّول العربيّة، واعتُمدت اللّغة العربيّة لغة رسميّة في البلاد.

الإقتصاد

تَعتمد الصُّومال إعتماداً كبيراً على الثّروة الحيوانيّة، حيث تُغطِّي المراعي الطّبيعيّة نحو 50% من مساحة البلاد. وتصل نسبة الرُّعاة إلى 60% من مجموع السّكّان. وللدّلالة على أهميّة الرَّعي يكفي أن نشير إلى أنَّ اسم الصومال اشتُقَّ مِن فعل «سومال» باللّغة الكوشيّة، أي لِتَحْلب أو إذهب واحِلب.
وتُقدَّر نسبة الأراضي الصّالحة للزّراعة بنحو 1.64% من المساحة الإجماليّة للبلاد، وهناك نوعان من الزّراعة: زراعة تعتمد على مياه الأمطار، مثل زراعة الحبوب (الذّرة، الذّرة الرّفيعة، واللّوبيا)، وكثيراً ما تتضرّر هذه الزّراعة المطريّة نتيجة موجات الجفاف.
أمّا النّوع الثّاني من الزّراعة فهي التي تعتمد على مياه نهرَي شبيلي وجوبا، وغالباً ما يُسمّى هذا النَّمط من الزّراعة بالزّراعة التّجاريّة. وأهم حاصلاتها الموز، والباباي، وقصب السّكّر، والقطن، والجريب فروت، والفول السوداني. ويأتي الموز في مقدمة صادرات الصُّومال الزّراعيّة، كما تُعدّ الصومال إحدى الدُّول القليلة في العالم التي تُنتج البخور والمُرّ واللُّبان. وممَّا يجدر ذكره أنَّ المصريِّين القدماء أطلقوا على بلاد الصُّومال اسم أرض العُطور، وجابوا سواحلها الشّماليّة لجمع البخور والنَّباتات العطريّة.


وتُمارَس حرفة صيد الأسماك خصوصاً في السَّواحل الشّماليّة، وتُقدَّر نسبة العاملين بصيد الأسماك بنحو 1% من الأيدي العاملة، وبسبب الجفاف الذي تتعرَّض له البلاد يتحوّل بعض الرُّعاة إلى حرفة صيد الأسماك.
أمّا الموارد الطّبيعيّة في الصّومال فهي: اليورانيوم، والحديد، والقصدير، والجبس، والبوكسايت، والنّحاس، والملح، والغاز الطّبيعي، والنّفط.
إنّ أهمّ الأخطار الطبيعيّة التي تتكرَّر وتهدِّد الصُّومال هي العواصف التّرابيّة الكثيفة فوق السُّهول الشرقيّة في فصل الصَّيف والفيضات خلال موسم الأمطار، ومِن المخاطر التي تُهدِّد البيئة في الصُّومال إزالة الغابات ولا سيّما للتّجارة بالفحم دون رقيب من الدّولة، والرَّعي الجائر، وتعرية التّربة والتَّصحُّر (بات 82.70% من مساحة الصُّومال مهدَّدة بالتَّصحُّر) واستخدام المياه الملوّثة والمجاعة.
وقد شهد الصّومال طوال العقود الماضية أعواماً من الجفاف؛ أشهرها سنة 1964 م وهو ما عُرف بعام جفاف «المعكرونة» لأنّها كانت تُوزَّع على المتضرِّرين، وسنة 1974 م، ثمّ سنة 1992 م حيث بَلَغ عدد ضحايا المجاعة في هذه الأخيرة أكثر من 300 ألف نسمة.

استقلال الصُّومال

كانت الصُّومال تنقسم إلى دولتَين، استقلَّت إحداهما -أرض الصُّومال البريطانيّة- عن بريطانيا في 26 حزيران 1960، واستقلَّت الأخرى -أرض الصُّومال الإيطاليّة- عن الإدارة الإيطاليّة المُكلَّفة بالوصاية من الأُمَم المتَّحدة في الأول من تموز 1960. واتَّحدت المنطقتان في 26 تموز 1960 لتُشكِّلا معاً الجمهوريّة الصُّوماليّة، وتنضمّ إلى الأمم المتَّحدة في العام نفسه، وإلى منظَّمة الدُّول الإفريقيّة عام 1963م.
وقد أُقِرّ أوَّل دستور صومالي بعد الإستقلال في سنة 1961 بالإستفتاء الشَّعبي، وتمَّ إقرار دستور جديد في 25 آب 1979، وتمَّ تعيين لجنة لوضع ميثاق وطني جديد في سنة 1993، ولكنَّ مهمَّتها تعطَّلَت بسبب اندلاع الحرب الأهليّة. 
وبسبب الإحباط النّاتج عن فشل نظام الحكم الحديث المُتمثِّل في المؤسَّسات الحكوميّة والدّولة، لجأ الصُّوماليّون إلى نظامهم القديم والمألوف وهو التّنظيم القبلي أو العشائري، وأصبحت القبيلة أو العشيرة بأسرها مُلزَمة بحماية أبنائها مهما كانت مشاربهم السِّياسيّة. لكنّ وحدات هذا التّنظيم العشائري مُفكَّكة التَّنسيق، ولا يوجد بينها تشاور منظَّم، ومِن ثَمَّ فإنَّ أيّ اتِّفاقات مع أيّ زعيم تتعرَّض لخطر الإخلال بها بسبب المعارضة من داخل فصيلته أو قبيلته، ناهيك عن الفصائل أو القبائل الأخرى.

المجاعة في الصُّومال

أعلنت الأُمم المتَّحدة في بيان رسمي لها أنَّ المجاعة في أجزاء من جنوب الصُّومال قد تسبّبت بوفاة عشرات الآلاف من الأشخاص في تموز من العام 2011 م، معظمهم من الأطفال، ووَصَف مسؤولون ما يَحدث بأنَّها أسوأ أزمة إنسانيّة في الصُّومال المضطرب منذ عقدَين.
ويأتي الإعلان بعد أشهُرٍ من المجاعة، وبعد استفاقة متأخّرة لوكالات الإغاثة التّابعة للأمم المتحدة وغيرها، وقرْعِها لناقوس الخطر حول الجفاف المدمِّر في منطقة القرن الإفريقي، حيث يقدَّر أنَّ عشرة ملايين شخص بحاجة إلى المساعدة.
وقد تفاقمت هذه الأزمة بسبب الحروب الأهليّة التي تفتعلها القوى الكبرى تمهيداً لتقسيم الصّومال والسيطرة عليه لموقعه الإستراتيجي، وكوْنه يطلُّ على مَمرّات بحريّة حيويّة، أضف إلى ذلك تدنِّي معدَّلات هطول الأمطار، وتغافل المنظمّات الدّوليّة المعنيّة، وانعدام السلطة المركزيّة، وتصنيف الولايات المتحدة للصّومال ضمن الدول الراعية والداعمة للإرهاب، ودعمِها بل تشجيعها للإحتلال الإثيوبي لأجزاء كبيرة منه، وتخلّي جامعة الدّول العربيّة عن القيام بدورها في معالجة الأزمة المتفاقمة هناك منذ عقود، كلّ هذه العوامل وغيرها أدّت إلى معاناة اثني عشر مليون شخص من سكَّان هذا البلد -حسب تقديرات الأُمم المتَّحدة- من المجاعة منذ عدَّة شهور.


 وقالت صحيفة الغارديان البريطانيّة: «إنَّ الجفاف الشّديد هناك بدا وكأنَّه جاء من العدم، قد يبدو الأمر هكذا، لكنّ صدمة هذه المجاعة في الواقع تؤكِّد وجود مشكلة أكثر قلقاً تتعلَّق بالمَعونة. فهناك جهاز تحذير من المجاعة [تابع للأمم المتّحدة] خاصّ بالصُّومال وغيرها من الدّول المهدّدة بالجفاف والمجاعة؛ هو وحدة تحليل الأمن الغذائي والتّغذية الأُمميّة. والسُّؤال هو: لماذا لم يكن هذا الجهاز فعّالاً هذه المرَّة؟».
وتضيف الصّحيفة: «إنَّ ما يحدث في الصومال كان يمكن التَّنبُّؤ به تماماً. لكنّ الحكومات كانت بطيئة في الإستجابة منذ العام 2008، وهي غير راغبة بالمساعدة الآن. وآخر تقرير للوحدة المذكورة يُشير إلى وجود ظروف بالغة السُّوء في بعض المناطق ونقص في الإغاثة، لكنّه أخفق في تقديم تنبُّؤ واضح للكيفيّة التي قد تَتطوَّر بها الظُّروف».
وفي هذا السياق هاجم الإعلام الأوروبي تخاذل الأمم المتحدة في التعامل مع كارثة المجاعة في القرن الإفريقي. وتساءل عن سبب عدم التمكّن من إنهاء المجاعة في الصومال، واعتبر الأمر فضيحة أن نكافح مجاعة في القرن الـ21، وأنّ الأزمة المتنامية في هذه المنطقة تمّ تجاهلها.
هذا وتُساهم الولايات المتَّحدة في إحداث المجاعة على نَحْوٍ متعمّد وإنْ بطريقة غير مباشرة، وفي هذا يقول الكاتب ميشيل شوسودوفسكي في مقالٍ له تحت عنوان «كيف تتمّ صناعة المجاعة في الصُّومال؟»: «هناك من الأدِلَّة ما يكفي لإثبات أنَّ تحويل الصُّومال إلى دولة فاشلة كان أمراً مُخطَّطاً له منذ فترة، وأنّ إنتاج دول فاشلة يُعدّ جزءاً من السِّياسة الخارجيّة للولايات المتَّحدة».
يضيف الكاتب أنَّ صندوق النّقد الدّولي ساهم بدوره من خلال اعتماد «سياسات الخَنْق الإقتصاديّة» في تهيئة الظُّروف للحرب الأهليّة في الصُّومال، المُمَوَّلة مِن قِبَل الولايات المتَّحدة وفق  تعبير شوسودوفسكي.
وتَعزَّز هذا الوضع بدخول أربع شركات نفطيّة أمريكيّة إلى الصُّومال لاستغلال إمكاناته النّفطيّة، وهذه الشركات هي «كونكو»، و«آموكو»، و«شيفرون»، و«فيليب».


استجابة العالم لمواجهة الكارثة

واجه الصوماليّون مجاعتهم دون أن يتجاوب معهم العالم بما يناسب حجم الكارثة، فقد اختُتم في العاصمة الإيطالية روما يوم الاثنين 25 تمّوز 2011 م اجتماع وزاري طارئ لأعضاء منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لبحث الجفاف الذي يهدّد ملايين الناس بالمجاعة في القرن الإفريقي، لكن من دون أن يتوّج بخطة واضحة لمواجهة الكارثة.
وباستثناء التزامات منفردة -أتت دون الحدّ الأدنى المطلوب- من بعض الدول كفرنسا التي تحدّث وزير زراعتها عن مضاعفة مساعداتها الإنسانية لدول القرن الإفريقي -وليس الصومال وحدها- إلى عشرة ملايين دولار فقط، أو من تكتلات إقليمية كالاتحاد الأوروبي الذي أعلن مساعدة بمائة مليون يورو، باستثناء ذلك، لم يخرج لقاء روما بمبادرة واضحة لمواجهة الكارثة التي تهدد 12 مليون إنسان بالموت جوعاً، حسب جوزيت شيران المديرة التنفيذية لبرنامج الغذاء العالمي.
وقد دعا جاك ضيوف المدير العام لمنظمة (الفاو) خلال اجتماع روما إلى مساعدة دولية كثيفة وعاجلة لإنهاء «الوضع الكارثي» في القرن الإفريقي. وكان البنك الدولي أعلن قبيل اجتماع روما عن منحه مساعدة لضحايا الجفاف تربو على 500 مليون دولار، تنفق على مشاريع في إثيوبيا وكينيا وجيبوتي والصومال، بما في ذلك المناطق الأكثر تضرّرا بالجفاف، من غير أن يحدّد جدولاً زمنيّاً وموضوعيّاً لذلك.
في المقابل، يؤكّد بعض المحللّين السياسيين أنّ التحرك الدولي لتطويق تفشّي المجاعة في القرن الإفريقي من خلال جسر جوّي جاء متأخّراً، لأنّ المجاعة قد ضربت القرن الإفريقي منذ عام ونصف العام، لكنّ الإهتمام الدولي بمسألة الحرب كان أكبر منه بالمسألة الإنسانية. ولو كان العالم جادّاً في مواجهة المجاعة في الصُّومال أو غيرها، أو حريصاً على توفير الغذاء للفقراء، لَوَفَّر ميزانيّة معقولة لبرنامج الغذاء العالمي الذي تراجعت ميزانيَّته السّنويَّة من 6 مليار إلى 2,8 مليار دولار بسبب إحجام الدّول الكبرى عن تسديد مساهماتها.
والمفارقة الغريبة أنَّ الدُّول الغربيّة التي عَجزَت -أو بَخلَت- عن جمع مليار دولار للصُّومال في اجتماع روما، صرفت قبل فترة وجيزة 162 مليار يورو لإنقاذ المصارف التي تَضرَّرت من أزمة ديون اليونان.

دور الدول العربيّة والإسلاميّة

الحقيقة أنّ العرب والمسلمين متّهمون بالتقصير مع أهل الصّومال وغيرهم من فقراء العرب والمسلمين، وهذا التباطؤ العربي والإسلامي في التعامل مع هذه الأزمة الإنسانيّة لا يوجد ما يبرّره، وهو ما يعطي للغرب الفرصة للتدّخل وتنفيذ أجندته هناك.
فالمطلوب لمواجهة هذه الأزمة في الصومال بحسب الأمم المتحدة لا يتعدّى المليارَين ونصف المليار دولار أميركي، وهو مبلغ بسيط مقارنةً بعوائد النفط العربيّة مثلاً، أو ما لدي منظّمات الإغاثة العربيّة، ولكنّ المشكلة تتمثّل -في أحسن الأحوال- في سوء التخطيط؛ حيث العشوائيّة وعدم التنسيق هما عنوان التحرّك العربي والإسلامي.
أيضاً يثور هنا السؤال عن عوائد «صناديق الثروة السياديّة العربيّة» التي تضيع في مصارف وخزائن الغرب مع كلّ أزمة إقتصادية يواجهها الغرب وأميركا، ولماذا لا يُستخدم ولو 1% فقط منها في مشاريع استثماريّة في الصّومال وإفريقيا والعالم العربي كلّه لتنميته، بدل الاكتفاء بوضعها في عهدة الولايات المتحدة التي تستفيد منها في تشغيل شبابها وإطعام شعبها.


ففي أواخر العام 2009 م، بلغت قيمة أصول صناديق الثروة السياديّة في «المنتدى الدولي لصناديق الثروة السياديّة» 2.4 تريليون دولار، منها قرابة 1.3 تريليون دولار (التريليون يساوي ألف مليار) للدول العربيّة فقط.
وتكمن أهميّة صناديق الثروة السياديّة هذه التي تمتلكها الحكومات العربيّة والإسلاميّة في أنّها تسيطر على أصول إستراتيجية أميركيّة في مؤسّسات ماليّة كبرى مثل «بلاك ستون» و«يو بى إس» و«ميريل لينش» و«مورجان ستانلى» و«سيتى»، ما يجعلها تتحكّم -لو شاءت- في الإقتصاد الأميركي.
المطلوب حاليّاً هو تحرّك عاجل ومدروس ومنسّق بين منظمات الإغاثة العربيّة والإسلاميّة، وألّا نترك أهلنا وإخوتنا في الصّومال يموتون من الجوع، ويجب -كذلك- ألا نتركهم فريسةً لمنظّمات الإغاثة الغربيّة المشبوهة، والتي تقوم بأنشطة استخباراتيّة لصالح الدول الغربيّة شبيهة بالأنشطة التي خبرناها في جنوب السودان وفي دارفور، حيث نشطت هذه المنظمات وغيرها، ولعبت دوراً خطراً في التحريض على انفصال جنوب السودان، وفي تقديم معلومات للولايات المتحدة للضغط على قادة الخرطوم.
وأشهر المنظمات والشخصيّات التي قامت بهكذا دور، وكانت لها تجربة صارخة في التعامل مع الكونغرس والإستخبارات الأميركيّة هي البارونة البريطانيّة «كوكس» التي لعبت دوراً عبر إحدى منظمات الإغاثة الأجنبيّة في السودان -منظّمة التضامن المسيحي- في مساندة متمرّدي الحركة الجنوبيّة، والتي ظهرت أدلّة سودانية علي تعاونها مع المخابرات الأمريكية لدعم الجنوب ضد حكومة الخرطوم ضمن مخطّط فصله عن الشمال.
إنّ ما يجري في الصّومال، لا يعدو كونه تمهيداً لسيطرة أميركيّة – غربيّة على كامل منطقة القرن الإفريقي، باعتبارها مفتاح نقل النفط للغرب، والسيطرة على قناة السويس أيضاً.

اخبار مرتبطة

  في توجيهات وليّ الأمر

في توجيهات وليّ الأمر

  دوريات

دوريات

23/10/2011

دوريات

  إصدارات اجنبية

إصدارات اجنبية

نفحات