الملف

الملف

منذ 4 أيام

بمطلق الاختيار.. وفاءً لرسول الله صلّى الله عليه وآله

 

بمطلق الاختيار.. وفاءً لرسول الله صلّى الله عليه وآله

ومن الروافد التي تلتقي كلها لتظهّر أبعاد الحقّ العظيم لهؤلاء المحمّديّين النوعيّين على الأمّة الإسلامية، -بعد السياق الكربلائي، وأنهم مدّخرون لكربلاء، وأنهم فرسان المِصر، وأهل البصائر-أنّ أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام، أقدموا على الشهادة وفاءً لرسول الله صلّى الله عليه وآله، في حفظ وصيّته بعترته، بملء اختيارهم، فلقد أذِن لهم الإمام الحسين عليه السلام، بأن يتفرّقوا، ولكنهم أصرّوا رغم ذلك على مواجهة القتل، دون أدنى تردّد بل بمنتهى اللهفة والسعادة.

أورد الطبري أنّ الإمام الحسين عليه السلام، قال لأصحابه:

«ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإنّي قد رأيت لكم فانطلقوا جميعاً في حِلّ، ليس عليكم منّي ذِمام، هذا ليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً».

وفي (أمالي) الشيخ الصدوق:

«وقد نزل بي ما قد ترون، وأنتم في حلِّ من بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمّة، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وتفرّقوا في سواده، فإنّ القوم إنما يطلبونني، ولو ظفروا بي لذُهلوا عن طلب غيري».

لقد اختار أصحاب الحسين عليه السلام الموقف الصعب في الزمن الصعب، وهو ما جعلهم يستلينون ما استوعره المترَفون، فيبذلون مهجهم وفاء لرسول الله صلّى الله عليه وآله، التزاماً واعياً بحقيقة توحيد الله تعالى.

وأبى الإمام الحسين عليه السلام، إلّا أن يكشف للأجيال أنّه كان مصرّاً على الشهادة حتى لو بقي من اللحظة الأولى وحيداً، وأن يكشف عليه السلام -أيضاً- ببالغ لطفه وغامر حنانه المحمّديّين الإلهيّين، أنّ معدن هؤلاء الكربلائيّين من نفس الطينة التي خلق الله تعالى منها سادة الواصلين إلى المصطفى الحبيب وآله الأطهار صلّى الله عليه وعليهم، كسلمان والمقداد وعمّار وأبي ذرّ، رضوان الله عليهم أجمعين.

ومن الواضح أنّ فرق العظمة كبير بين أن يُقدم أهل البصائر وعبّاد المصر وفرسانه على الشهادة بملء اختيارهم، وبين أن يكون تكليفهم الشرعي قد حتّم عليهم ذلك لوجودهم مع سيّد الشهداء في تلك الظروف المصيريّة.

ومن تسطيح الأمور أن نتصوّر أننا ندرك بعيد غور هذا الإقدام، فضلاً عن بعيد غور طبيعة البناء النفسي لتلك (النفوس الزكيّة).

وربما أقنعَنا بما تقدّم أن نسمع شيئاً من ملاطفاتهم على أبواب العبور الخالد إلى دار الخلود، كما يروى عن الشهيد برير رضوان الله تعالى عليه، أو نصغي إلى إعجاز حال بعض خصائص سيّد الشهداء كلّما اقتربت ساعة الشهادة، لندرك أنّنا بين يدي مصاديق الحقيقة المحمّدية (منّا أهل البيت) الذين وصفهم في ما روي عنه صلّى الله عليه وآله بأنّهم ( من سادات الشهداء يوم القيامة) ووصفهم أمير المؤمنين عليه السلام بأنّهم (لا يسبقهم من كان قبلهم، ولا يلحقهم من أتى بعدهم) فغدوا حَواريّي بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وخصائصَ الذين جعلهم الله تعالى سرَ بيته الحرام، وكعبته الباطنة، وحجّته على خلقه، والأدلّاء إليه، وصراطه المستقيم.

ولقد أدّى أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام المهمّة الجسيمة التي تنوء بحملها الجبال، بل تشفق من حملها فضلاً عن أدائها، لتبدأ مسؤولية الأجيال المحمّدية الأصيلة من بعدهم من محرابهم، وعلى الأعتاب، وهي مسؤولية ذات أبعاد ثلاثة:

1- أن تجيد الأجيال الإصغاء إليهم.

2- وتُحسن الاقتداء بهم كمظهر لحُسن التأسّي بمن جعله الله تعالى الأسوة الحسنة، وبآله الأطهار الذين هم من الحقيقة المحمّدية كالضوء من الضوء.

3- ويتوقف ما تقدّم على عقد القلب على حبّهم وولايتهم، وذلك وحده المدخل -كما يأتي بيانه- إلى جودة الإصغاء، وحسن الاقتداء.

 والحقّ المضاع

هذا الحقّ العظيم لأصحاب الحسين عليه السلام على كلّ مسلم، بل وعلى كلّ الناس بأجيالهم، تتنازع تضييعه عوامل شتى تتراوح بين الجهل المطبق بهم من غير المؤمنين، وبين الجهل بأكثرهم من المؤمنين، وإن كان للجميع في قلب كلّ مؤمن من الموقع ما يجعله ببركة تعليم أهل البيت عليهم السلام، يسلّم عليهم كلّما سلّم على أبي عبد الله، ويذكرهم في الغالب عند ذكره عليه صلوات الرحمن.

وطبيعي أن تكون الأولوية في مجالس كربلاء ومجالات العناية بوقائعها لما يرتبط بسيّد الشهداء، والأوائل من أهل بيته عليهم السلام، ولكن ذلك لا يفسّر تغييب الأصحاب عن دائرة الاهتمام.

وهل يكفي أن يجري الوقوف أحياناً عند سيرة بعضهم، فيما لا يرد ذكر هذا البعض غالباً إلّا في سياق سرد الأحداث؟

كانت النتيجة أنّ أكثر شهداء كربلاء مجهولون، وكأنّه يراد للعلاقة بهم أن تبقى ضبابية، تتحرك في نطاق العموميات.

ولا يلغي هذا الخلل عدم وفرة المعلومات عن الأصحاب، بل يكشف بدوره أنّ التقصير تجاههم مزمن وليس طارئاً.

 (ولولا بعض الدراسات القليلة والجادة، لظلّ هذا البعد بكراً لم يُمَسّ، علماً بأن هذه الدراسات لم تتكفّل استقصاء سيرتهم جميعاً، ولا كلّ ما توفّر مما يرتبط بمن شملته منهم.)

ولا بدّ هنا من تسجيل ملاحظة هامّة، هي أنّ من فوائد مكننة المعلومات التاريخيّة والإسلامية عموماً، إتاحة فرصة فريدة للبحث الأوسع حول أصحاب الحسين عليه السلام.

ولئن كانت الثغرات ما تزال كبيرة رغم أهمية الإنجازات، إلّا أّن ذلك يكشف عما يحمله الغد للباحث في هذا المجال وغيره.

 

اخبار مرتبطة

  أيها العزيز

أيها العزيز

نفحات