حوارات

حوارات

منذ 0 ساعات

الدكتورة فاطمة الطّباطبائي


 
الدكتورة فاطمة الطّباطبائي:
 * الصّدِّيقة الكبرى عليها السلام روحُ الشّريعة المحمّديّة
 * في الخطبة الفاطميّة أدقُّ المسائل الفلسفيّة
ــــ إعداد: «شعائر» ـــــ



ترجمة مختصرة لنصّ المقابلة التي أجرتها فصليّة «بانوان شيعه» الفارسيّة، مع الدكتورة السيّدة فاطمة الطباطبائي، تناولت فيها المراتب المعنويّة والمقامات العلميّة للصدّيقة الكبرى عليها السلام، من وجهة نظر فلسفيّة وعرفانيّة.
والدّكتورة الطباطبائي أستاذة جامعيّة، وترأس «قسم العرفان» في «مؤسّسة أبحاث الإمام الخميني» وهي زوجة المرحوم السيد أحمد الخميني، وكان الإمام الخميني قدّس سرّه قد خصّها برسائل عرفانيّة، تُرجمت اثنتان منها إلى العربيّة، وطُبعتا في كتاب (بَلسم الرّوح).
 

O كيف يسعنا أن ندعو إنسان القرن الحادي والعشرين إلى الإقتداء بالصدّيقة الكبرى فاطمة الزّهراء عليها السلام، على الرّغم من المسافتين الزّمنية والمعنويّة بيننا وبينها صلوات الله عليها؟
إنّ أفضل أنماط التربية هو تقديم أسوة – حقيقيّة غير نظريّة- تصلح ليتأسّى بها جميع النّاس في كلّ زمانٍ ومكان. وما لم تستقرّ الأفكار النظريّة في وجدان الشخص، فلن تُفلح المقاربات والأنماط التربوية في جذبه إلى الأسوة، أو خلق الرّغبة لديه ليتأسّى بها.
لا شكّ في أنّ إنسان القرن الحادي والعشرين بات مبتلىً بأشدّ الأزمات على الصّعيدين النظري والعملي، وأصبح متعطّشاً إلى الوقوف على شخصيّةٍ جامعة تكون له بمنزلة أسوةٍ تربويّة. ويسعنا القول إنّ الصدّيقة الكبرى عليها السلام هي خير أسوة للرجال وللنساء على حدّ سواء، ليس في المجتمعات الإسلامية فحسب، وإنّما في المجتمعات البشريّة كافّة.
ولا يصحُّ أنْ نتوهّم –نظراً لعلوّ مرتبتِها الوجوديّة صلوات الله عليها، وذُرى مقاماتها اللّاهوتيّة- امتناع اتّخاذها أسوةً من قِبل الأشخاص العاديّين. ذلك أنّ مناقبها وكمالاتها على مراتب وطبقات، فإذا ما تمكّن أحدُنا من أن يتفاعل مع هذه الكمالات بحيث يقدر على العمل بها وبموجبها، أمكنه أن يتأسّى بالصّورة الأمثل بهذا الوجود اللّاهوتي.
هذا بحثٌ تخصُّصيّ، ولا يسعنا تبيان أبعاد هذه المسألة بالإقتصار على الشرح السّالف، ولكن يجدر بنا التنبُّه إلى أنّ الأسوة –كى تكون أسمى قدوة مسلكيّة وتربويّة- يُفترَض فيها الكمال من جميع جهاتها؛ الإجتماعيّة والعلميّة والسياسيّة، وفي جميع شؤونها؛ الزوجيّة، والوالديّة والولديّة.
لعلّ أهمّ عنصرٍ من العناصر الواردة في تعريف «الأسوة» هو قابليّتها لعرض المسلكيّات عليها، أي اعتمادها معياراً لتقييم السلوك والأفعال.
 إنّ السّعة الوجوديّة للصّديقة الكبرى عليها السلام هي بحيث يُمكننا اتّخاذها سلام الله عليها نموذجاً وقدوةً لجميع السّلوكيّات الكليّة والجزئيّة، سواءً رأينا إلى ذلك من منظارٍ شمولي، أم من منظار تفصيليّ. عندما نمعن النظر في إمكانيّات التأسّي التربويّ بالسيّدة الزّهراء عليها السلام، ندرك أنّها صلوات الله عليها هي المُقتدى، ولها السيادة في جميع الميادين العرضيّة وكذلك في جميع المراتب الطّوليّة من النّاسوت إلى اللّاهوت.
إذا كنّا عاجزين عن الإحاطة التامّة بنورانيّة أفعالها، فلا أقلّ من أن نتمثّل بمعشار، أو بعُشر معشار صفاتها صلوات الله عليها، وهذا ما يُمكّننا من الإقتداء بها على الرّغم من تعالي مقاماتها السماويّة، والمسافة المعنويّة التي تفصلنا عنها سلام الله عليها. يُمكننا –بشيءٍ من التعمُّق والتّقصّي- انتقاء عناصر من جزئيّات أفعالها صلوات الله عليها، ومن ثمّ قوننتها وتدوينها.
لدينا دلائل قرآنيّة محكمة، وأخرى عقليّة، وعرفانيّة، وتاريخيّة، على صدق ادّعائنا في كون الصدّيقة الطّاهرة خير أسوة يُتأسّى بها. ومهمّتنا نحن هي أن نستخرج النظريّات الأخلاقيّة، والإجتماعيّة، والنفسيّة، والإداريّة، والتعليميّة، والتربويّة، من أفعال الصدّيقة الكبرى عليها السلام ومن التلميحات والإشارات والحقائق الواردة في كلماتها صلوات الله عليها.
إنّ الخصائص الخطابيّة في خُطبها عليها السلام أنموذجٌ للمبلّغين، والنّواحي الأدبيّة في كلماتها تُلهم الأدباء، والقصائد المنسوبة إليها مضمارٌ للشعر والشعراء. كما أنّ متانة كلامها منهجٌ في البيان، وإحكاُم الفكرة عندها صلوات الله عليها نهجُ السَّداد، فإذا ما نَظَمْنا وقْعَ أفعالنا وأقوالنا وخواطرنا على هَدي نهجها سلام الله عليها، تجلّت في العوالم الحقيقة والعدالة بهويّتهما الجامعة وكمالهما التّامّ. 
يجدر بنا عندما نعقد العزم على تربية أنفسنا وإصلاح ذواتنا أن نتّخذ أسوة متعالية، وأن نرتقي بأنفسنا إلى ذُراها. ومن ثمّ على كلّ واحدٍ منّا أن يستحضر كونه «إنساناً‌«؛ أكرمَ مخلوقات الله تعالى، فعندما يُولد أحدنا يكون «إنساناً» بالقوّة، وإذا ما قدر على أن يُصبح مظهراً من مظاهر إسم الخالق تبارك وتعالى، يكون قد وُلد من جديد. 

O أشرتم إلى وجود أدلّة تاريخيّة، وعرفانيّة، وقرآنيّة، وعقليّة، وغير ذلك على أنّ الزّهراء عليها السلام خيرُ أسوة لجميع المجتمعات البشريّة، هل يُمكن الإشارة إلى بعضها، ولو بإيجاز؟
سأشير باختصار الى أحد الأدلة التاريخية الكبرى على صدق مدّعانا، أعني به «الخطبة الفدكيّة» التي تعدّ رشحةً من رشحات وجود الصدّيقة الكبرى وآيةً على كونها الأسوة في جميع الميادين العلميّة والعمليّة.
تستوقفنا في هذه الخطبة المباركة الجوانب الأدبيّة، شأنها شأن القضايا العلميّة المحكمة، والمباحث العرفانيّة بشقّيها النظري والعملي، وصولاً إلى العناوين السياسية والإجتماعية والتاريخية والعِلم – نفسيّة، وسائر مجالات الفكر والنشاط البشريّين.
كانت صلوات الله عليها عند إلقاء خطبتها في ذروة المعاناة وتحمّل الفجيعة، تحيط بها الظروف السياسية والاجتماعية المتأزمة والخانقة التي عصفت بالمجتمع الإسلامي بُعيد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله، لكنها تستهلّ خطبتها بهذه العبارة: «الحمدُ لله على ما أنعَم، وله الشكرُ على ما ألهم، والثناء بما قدّم». المُلفت في هذه الجملة هو دلالتها اللّغويّة ونَظْمُها الأدبي، فالقدوة الأمثل والأسوة التامّة، لا بدّ وأن تكون أسوةً حتّى في مضمار البيان والبلاغة. تعلّمنا السيدة الزهراء هَهنا كيف نفرّق بين حمْد الله تعالى وشكره والثناء عليه.
فالأول -الحمد- يكون على نِعمه سبحانه وهو فرعٌ على معرفة الباري عزّ وجلّ. والثاني -الشكر- يكون على الإلهام، ويُراد به الواردات القلبيّة في مجالَي العِلم والعمل (الأخلاق) وهو متاحٌ للجميع، وإن كان يُفهم من كلامها عليها السلام أنّها بصدد شكره تعالى على ما ألهمها خاصّة. وأمّا الثّناء فيكون قبالة خصائص النِّعم الربانيّة ومزاياها، لناحية شمولها وتتابعها وديمومتها وعَظَمتها.

O من أين اكتسبت السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام علومها؟ وبعبارة أخرى: ما هو سرّ إحاطتِها بجميع المعارف؟
فكرُ الإنسان هو نتاجُ عقلِه، فإذا استنار الفكرُ بآيات الله ودلائله، وأدرك الإنسان الصّلة بين فكره وبين المبدأ المتعال، أمكنه أن ينعم بالعِلم الذي هو الإستنارة ونبذ الظلمات، وأمكَنه أيضاً أن يشهد حقائق عالم الوجود من وراء حجاب.
عِلمُ السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام ليس اكتسابياً وإنما علمٌ حضوريّ. وهذا من خصائص البشر المزوّدِ بواسطتَي إدراك؛ هما العقل والقلب، اللّذان متى تجانسا تحقّق شهود حضرة المحبوب وتحقّق التوحيد الحقيقي الذي هو التوحيد الشهودي نفسه. إنّها صلوات الله عليها مرآة العلم الإلهي، وفي قلبها المقدّس تتلاطم أمواج علم «ما كان» و«ما يكون» و«ما سيكون»، لقد وسِع علمُها صلوات الله عليها كلّ شيء، وتحقّق لديها -في الآن عينه- الكشفُ التفصيلي بجميع أشياء العالَم.
يسعُ الإنسان العادي بعد تحقّق العبوديّة لله تعالى في نفسه أن يتّصل بمعدن العلم الإلهي، فتُفاض على قلبه وبإرادته العلوم الغيبيّة واللّدنيّة، ويصبح من خاصّة الله، حينها وبمقتضى قاعدة «وحدة المُحبّ والمحبوب» يصير خازنَ خزانة عِلم الحقّ، وتصبح جوارحُه وقواه الإدراكية -كما في الحديث القدسي- إلهيّة، فتراه ينظر ببصر الله ويسمع بسمْعِه تعالى.
السيّدة الزّهراء عليها السلام –ولِفرط عبوديّتها- نالت رتبةَ «حبيبة الله»، فَسَرَت هذه المحبّة –بشهادة حديث الكساء- في جميع الكائنات، وفي الأفلاك، وفي البرّ والبحر. ولِشدّة حبّها لله تعالى نالت رتبة «عين الله» و«يد الله»، ولأجل ذلك صارت مشيئتُها نافذةً في عوالم الوجود، مثلما تتحقّق إرادة الله تعالى فيها بكلمة «كُن».

O ثمة صلة إذاً -وفقاً لكلامكم- بين العقل بما هو واسطة تحصيل العلوم الإكتسابية، وبين القلب الذي هو واسطة تحصيل العلم الحضوري والإشراقي. هل بالإمكان -وبالإستناد إلى كلمات الصدّيقة الكبرى عليها السلام- الإستدلال على الصّلة بين العقل العملي والعقل النظري؟
مصاديقُ هذه الحقيقة كثيرةٌ في النّصوص المرويّة عن السيّدة الزهراء عليها السلام؛ تصريحاً وتلميحاً وإشارات، وكذا في الرّوايات عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام.
يحوز الإنسان واسطتَين من وسائط الإدراك؛ هما القلب والعقل. الأوّل موضع تجلّي نور الإيمان، ونورُ الإيمان لا ينفكُّ عن العقل.
يقول العلّامة الطباطبائي في تعريف «الإيمان»: «الإيمان تمكُّنُ الإعتقاد في القلب، مأخوذٌ من الأمن. كأنّ المؤمن يُعطى لما آمن به الأمنَ من الرّيبَ والشكّ، وهو آفةُ الإعتقاد».
يشير الإمام الخميني قدّس سرّه أيضاً إلى موطنَي المعرفة؛ العقل والقلب، ويعدُّ الأخير القادر على إدراك حقيقة التوحيد ومعرفتِها، كما يعتبر أنّ طائفة من العلوم مقدّمةٌ لبلوغ الإيمان. يقول الإمام قدّس سرّه في (آداب الصلاة) إنّ الإيمان مقدّمة لحصول الإطمئنان، وأنّ المؤمن يصلُ إلى حيث يصير مخاطَب الله تعالى، وإذا ما أدركَ العقلُ حقيقةًما بالتفكّر، فإنّها تصبح مفردةً يقينيّة متى وَلَجتْ ساحة القلب، عندها يصبح المُدرِكُ لهذه الحقيقة المعقولة والمعلومة مؤمناً بها، وبعد تحقّق «الإيمان» يُتاح له «الإطمئنان»، ليصل بعد ذلك - بسلوك سلسلة المعارف الطوليّة- إلى مرتبة الشهود، فيشاهد تلك الحقيقة.
يُستفاد من كلام الصدّيقة الكبرى عليها السلام أنّ التوحيد العلمي والنظري المدرَك بالعقل، يتحوّل إلى توحيد إيماني بواسطة القلب، ومن ثمّ إلى توحيد شهوديّ، وأنّ جميع العباد مؤهّلون لبلوغ هذه المرتبة، لكنّ الكلام في أن معظم الناس غافلون عن قوّة الإدراك هذه، فلا يعمدون إلى تعزيزها وتفعيلها كما ينبغي، فتراهم محرومين من الواردات القلبيّة ومن العلوم التي تُفاض عليهم. إنّ سواد الناس لا يألفون غير ظاهر القلب وقِشرتَه الخارجية؛ التي هي الصّدر، ومن الملفت أنّ وساوس الشيطان لا تنفذ أبعدَ من صدور الناس.
تقول صلوات الله عليها في فقرة من خطبتها: «وأشهدُ أنْ لا إله إلّا الله كلمةً جعلَ الإخلاص تأويلها، وضمّن القلوبَ موصولَها، وأنار في التفكّر (الفِكَر) معقولَها». هذه العبارة الموجزة تحوي عدّة حكمٍ باهرة، منها:
1- الإشارة والإلفات إلى الصِّلة بين التوحيد والإخلاص.
2- الصِّلة بين الإخلاص والقلب.
3- صِلة الإخلاص وكلمة التوحيد «لا إله إلا الله» - معاً- بالنورانيّة.
4- صِلة الإيمان والإخلاص بالمعقولات.
لقد أقامت السيدة الزهراء صلوات الله عليها صِلةً بين التوحيد، والإخلاص، وتجلّي الإخلاص في إنارة الفكر والذّهن، ومن ثمّ تجلّي المعقولات في ساحة العمل. وبعبارة أخرى فإنّها عليها السلام شدّدت على أنّ نورانيّة الفكر ثمرةُ الإخلاص، كما نبّهت إلى الصّلة بين العقل العملي وبين قوى الإدراك (القلب والفكر).

O حبّذا لو أشرتم إلى شيءٍ من المباحث العلميّة والفلسفيّة والعرفانيّة التي تضمّنتها الخطبة الفاطمية.
تضمّنت خطبة الصدِّيقة الكبرى عليها السلام مباحثَ في التوحيد تُعدُّ من أشدّ المسائل الفلسفيّة غموضاً، جنباً إلى جنب مبحث «وحدة الوجود» و«وحدة الشهود» وهما من القضايا التي اختلفت فيهما آراء أهل المعرفة. كذلك، فإنّ بحث إمكانية أو امتناع رؤية الله تعالى من العناوين الفلسفيّة العرفانيّة الكلاميّة المهمّة المطروحة في هذه الخطبة. لطالما كانت قضيّة «لقاء الله» في الآخرة مورداً من موارد نزاع المتكلّمين، وللمعتزلة رأيٌ في هذا الباب مفاده أنّ رؤية الله تعالى عصيّة على الأبصار، بل أنّه تعالى منزّهٌ حتّى عن أن يُرى بالعقول. هنا نستحضر حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله: «ما عرفناك حقَّ معرفتِك».
تقول السيّدة الزّهراء صلوات الله عليها في هذا العنوان: «الممتنعُ من الأبصار رؤيتُه، ومن الأَلسُنِ صِفتُه، ومن الأوهام كيفيّتُه». هنا نرى كيف أنّها عليها السلام تطرح –وفقاً لترتُّب المباحث- بحث تنزّلات الوجود.
 إنّها تطرح بحث «تنزّل الوجود» بحيث يسَع أهل كلّ بابٍ من أبواب المعرفة أن يفيدوا ممّا قالته، كما أنّها تُلفتُ إلى السؤال الأبدي حول الهدف من خلْق الموجودات، لتطرح في الإجابة عليه مسائل فلسفيّة وعرفانيّة في باب معرفة المقاصد. تقول عليها السلام: «كوَّنها بقدرتِه، وذرأَها بمشيئتِه من غير حاجةٍ منه إلى تكوينها، ولا فائدةٍ له في تصويرها، إلّا تثبيتاً لحِكمتِه، وتنبيهاً على طاعتِه، وإظهاراً لقدرته، وتعبُّداً لبريته، وإعزاراً لدعوته».
هذا التعبير ونظائره يفتح آفاقاً أمام أهل كلّ باب من أبواب المعرفة ليغرفوا من معينه على طريقتهم، فإذا وضعناه -مثلاً- بين أيدي العرفاء سيقولون إن الأعيان الثابتة كانت تتوق إلى الظهور، فعلِمَ الله تعالى - وهو السّميع العليم- مرادَها فتفضّل عليها بذلك.
ومن الموضوعات العرفانيّة شديدة الأهميّة والحساسيّة التي تناولتها هذه الخطبة هو موضوع «الحقيقة المحمّديّة»، الكلام هنا على عالَمٍ كان قائماً والوجود بأسره في سرادق الغيب المكنون، بل عن حقيقةٍ هي بذرة العالم وثمرتُه في آنٍ واحد، هي العلّة الفاعليّة والعلّة الغائيّة على حدٍ سواء، هي واسطة بدء الخلق، وواسطة رجعته.
يحقّ لنا أن نقول إنّ الصدّيقة الكبرى هي أسوة الفيلسوف، والمتكلّم، والعارف، والفقيه، والأديب، وغيرهم، مهما تنوّعت أو تبدّلت ظروفهم. إنّها باختصار أسوة الإنسانيّة. نحن نعرف أنّ الشريعة التامّة هي التي تتناسب وظروف المكلّفين بالتزامها مهمّا تنوّعت ظروف هؤلاء. صلاة المسافر -من حيث الشّكل- غير صلاة المريض الرّاقد على الفراش، وهما غير صلاة الصحيح السويّ. عندما نقارب أحكام الشّريعة نلحظ أنّها مصنّفة ومرتّبة، والصّدّيقة الكبرى صلوات الله عليها هي روح هذه الشّريعة، ووجودها المقدّس على مراتب، بحيث يُمكن أيّ شخص أن يفيد من فيوضات وجودها بحسب قابليّته، وسِعته الوجوديّة.

O هل ثمّة صِلة بين عِلم مولاتنا الزّهراء عليها السلام، وبين مقام ولايتها التكوينيّة؟
بالتّأكيد. فالإنسان الكامل – ومظهره التامّ والأتمّ هم المعصومون عليهم السلام- يحوز على مقام الولاية التكوينيّة، أي أنّ له ولايةً على عالَم الكون والمكان. من مختصّات رسول الله صلّى الله عليه وآله، والأولياء المحمّديّين –بموجب الولاية التكوينيّة- الإطّلاعُ على خزائن الغيب، والتصرُّف في شؤون العالَم. يُمكن لأولياء الله تعالى أن يطّلعوا على بعض عوالم الغيب، كلٌّ بحسب مقامه، ولكنّ الإنسان الكامل، وهو وليّ الله المُطلَق، ومظهر اسمه الأعظم، يطّلع على جميع خزائن الغيب.
الولاية التكونيّة للرّوح على الجسد تُفضي إلى قدرة صاحبها على إنفاذ مشيّته في مملكة البدن وفي جوارحه لناحية الإتيان بالأفعال الإراديّة. لكن ثمّة قدرة أبعد من ذلك، وهي القدرة على إنفاذ المشيئة –بإذن الله تعالى- خارج حدود البدن، وقد أشار القرآن الكريم إلى نماذج من ذلك؛ كاستنزال السيّدة مريم عليها السلام الرّزقَ إلى محراب صلاتها [آل عمران: 35 – 37].
والصّدّيقة الكبرى عليها السلام – نتيجةً لبلوغها هذه المرتبة- أصبحت بإذن الله تعالى محيطةً ومهيمنةً على عالم الكون والمكان. وبتعبيرٍ آخر، فإنّ الوجود هيكلٌ روحُه السيّدة فاطمة عليها السلام، وهذه الرّوح عالمة، ذو إدراك، وجميعُ أعمال الخلائق في محضرها وعلى مرأىً منها، وهي كتابُ الله الذي أحصى فيه كلّ شيء، والآية الشريفة: ﴿.. وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ يس:12، تشير إلى مقامها العلميّ سلام الله عليها.
الصّلة بين كلِّ موجودٍ وبين خالقه تعالى يكون عبر «وجه الله»، ولا شيء من الموجودات –سواءً في عالَم المُلك أم الملكوت- ينعم بالوجود إلّا إذا أُفيض عليه الوجود من «وجه الله»، وإلّا فجميع الموجودات معدومة، والسيّدة الزهراء عليها السلام عارفةٌ بمبدأ جميع الموجودات. إنّ الوجود الأعظم للسيّدة فاطمة عليها السلام على قدْرٍ من القدرة والجلال والكبرياء بحيث إنّ جميع الموجودات تُطيعها وتأتمر بإرادتها.
العِلم الفاطمي بمنزلة روح عالم الإمكان، كأنّما هي في القيامة قسيمةُ الجنّة والنّار، وفي الدّنيا تخضع الموجودات –بإذن الله تعالى- إلى سلطان إرادتها، فما أرادته فاطمة عليها السلام كان. ولا ريب أنّ هذا هو أيضاً مقام سائر المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، لكنّ مضامين و«نبرة» الرّوايات التي تشرط رضا الله وغضبَه تعالى برضاها وغضبها عليها السلام، تنبّهنا إلى إحدى الخصائص الفاطميّة. طبقاً لبعض الرّوايات فإنّ حادثة «الكساء» مرتبطة بحادثة «المباهلة»، وفي كلتيهما كان موقع الزّهراء عليها السلام محوريّاً، وهَهنا تكمن أسرارٌ كثيرة.


 

اخبار مرتبطة

  ملحق شعائر 7

ملحق شعائر 7

  أيها العزيز

أيها العزيز

  دوريات

دوريات

21/04/2012

دوريات

نفحات