موقف

موقف

منذ أسبوع

مجافاةُ الإبداع


مجافاةُ الإبداع
نستوردُ المعارف، مثلَما الثّياب والمعلّبات
ـــــ إسماعيل ملحم* ـــــ


النَّزعة إلى التِّكرار والنّقل والاتِّباع، ومجافاة التّجديد والابتكار، ظاهرةٌ لا تُخطِئها العينُ في الحياة العربيّة المعاصرة. وقد تحدَّثَت عن هذه الظِّاهرة ودَرَسَتْها أبحاثٌ كثيرةٌ، وأَبْرَزَت ما في حياتنا الاجتماعيّة والفكريّة والسّياسيّة من عداواتٍ لدودةٍ للإبداع والمُبدعين.
وليس جديداً التّأكيدُ على أهميّة البحث عن الأدوات اللّازمة في معركة الأمّة من أجل البقاء، ولتمتلكَ القدرةَ على المبادرة، فالحياةُ المعاصِرة تَرْذُل السُّكون والتَّردُّد، ولا ترحمُ أولئك الذين يُديرون ظهورهم لحركة التّطوُّر.
ولعلَّ من بديهيّات الأمور التَّركيز على أهمّية إنتاج الوسائل الضّروريّة لتَثبيتِ الأقدام في الأجواء الدّوليّة العاصفة، أو إعادة إنتاجها، سواء كانت تلك الوسائل ممَّا يتعلَّق بالمهارات أم بالمعارف أم بالقِيَم. ولا يعني هذا أن نَرذل ما وصلَ إليه الآخرون من تقدُّمٍ في المعارف والتّقنيّات، بل لا بدَّ من العملِ بهدفِ الوصول إلى تلك الدّرجة التي يصيرُ معها ممكناً «المشاركة في إنتاج المعرفة بوساطة استثمار النّتائج العلميّة الحاليّة والأدوات المنهجيّة السّائدة، أينما وُجِدَت، ومحاولة التَّفكير فيها بما يسمح بإخصابها..».
وإلَّا، فلا أملَ لنا في اختراق السُّدود وأدوات الحصار التي أُحيطت بها البلدان النَّامية من سيادة نَمط الحياة الاستهلاكيّة، بحيث تكتوي هذه المجتمعات بنارِ ذلك الأتون الرَّهيب الذي يَصهرُ كلَّ شيء، لِيَعودَ ويُشكِّله على نَمَطٍ يخدمُ مراكزَ الهَيْمَنة والاستغلال، فيَغدو تشييءُ النَّاس وهندسةُ تفكيرِهم وسلوكِهم واتِّجاهاتهم بعضاً من نتاجِ ضَبْطِ السُّلوك البشريّ الذي تبرمجُه مراكزُ التّسلُّط والاستغلال والاستهتار بِقِيَم الشَّعوب، ومعاملة النَّاس كَسِلَعٍ في سوق الاستهلاك العالميّ...
ولن تفوتَنا الإشارة إلى وسائلَ وأساليبَ وتقنيَّاتٍ تنتجُها مراكز الأبحاث الغربيّة من مركز تسلُّطها الجديد في القارَّة الجديدة، تهدفُ إلى هندسة السُّلوك الإنساني دونَ أخذٍ في الاعتبار لِما تنطوي الشّخصيّةُ الإنسانيّةُ عليه من تفرُّدٍ وقِيَمٍ روحيّة وأخلاقيّة. وإلَّا فَبماذا تفسَّر صرعاتُ المجتمع الرّأسماليّ التي يصدِّرها عبرَ وسائلِه التّكنولوجيّة المتطوِّرة، وموديلاته ونماذجِه، تأتينا على حين غرَّة مُحدِثةً الانبهار، وهي التي لا ينقصُها شيءٌ من معرفة أساليب التّشويق والإثارة، ثمَّ ما تلبثُ أن تغدو زوابعَ بل عواصفَ هوجَاء، تلفُّ كلَّ شيءٍ بتيّارِها الجارف، فلا تَدَع مجالاً لتحليلٍ أو تفكيرٍ، فنَفقد القدرة على أن نملكَ من أمورِنا ولو النّزر اليَسير.
حتّى العلمُ ومناهجُه وقواعدُ البحث فيه، تصدرُ جاهزة، تتعاملُ معها مجتمعاتُنا تعاملَها مع المأكولات المعلَّبة والألبسة الجاهزة، نكرِّرُها ونُمعِنُ في تكرارِها مشدوهين بما تَحفلُ به من مزايا لم نكتشفها، دونما إعمالٍ لتفكيرٍ، ودونما حاجة إلى السَّعي لإعادة إنتاجِها، فَنَتِيه في ممارسة النَّقل معطِّلين تفكيرنا..
فمِن أين لنا أن ننشدَ حريّتَنا ونحن لسنا بقادرين على «إعادة إنتاج المعايير التي يتميّزُ بها الإبداع عن التّكرار، والخَلْقُ عن الاستبدال، والتّغييرُ عن التّخريب»؟
من هنا يَستمدُّ تعلُّمُ الإبداع مشروعيَّتَه، فالقدرةُ على الفعل الحضاري وتجاوزِ حالة التّبعيّة التي تتمثَّل بالتّكرار واللّهاث وراء منجزات الآخرين، والانبهار بكلِّ عناصر حضارتِهم، ليسا مُمكنَين بدون ولادة عصر الإبداع. وبلوغُ أدنى درجاتِ النّجاح في صُنع المشروعِ الحضاريِّ الجديد، ليس ممكناً إلَّا بامتلاكِ قدراتٍ إبداعيّة.
واليوم، فلا سبيلَ إلى تخطِّي حواجز وموانع وسدود التَّخلُّف والتّبعيّة إلَّا بتنميةِ القدرات الإبداعيّة على المستويَين الفرديّ والاجتماعيّ. وهذا يعني النُّهوض بالعلوم السُّلوكيّة اعتماداً على دراساتٍ حقيقيّةٍ تنطلقُ من رؤية شاملة للبُنى الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة، لا الأَخْذ بمقاربات هذه العلوم واتِّجاهاتها جاهزة، لأنَّها في واقع الأمر نتائج استقرءاتٍ لبيئاتٍ ومجتمعاتٍ مُغايِرة.

________________________
* كاتب سوري، والنصّ مقتطَف بتصرّف من كتابه (الخصوصيّة في الثّقافة القوميّة العربيّة)

 

اخبار مرتبطة

  أيّها العزيز

أيّها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ أسبوع

دوريات

نفحات