كلمة سواء

كلمة سواء

منذ 5 أيام

الشعائر والهتْك


الشَّعائر والهَتْك

___ العلّامة الشيخ محمد السند ___

يُتبادر إلى الذهن - في نظرة أوّليّة - كون عنوان «الهتك» مانعاً من ممارسة عددٍ من الشعائر الدينية، باعتبار استلزامه هوانَ الدين وهَتْكَه، وقد تمسّك البعضُ بهذا العنوان، فلا بدّ من تحليله ومعرفة ماهيّته العقليّة واللغويّة.

هذا المقال يتطرّق إلى هذه المسألة بالتحديد، وهو مختصَر عن تقرير محاضرات للشيخ محمد السند بعنوان: (الشعائر الحسينية بين الأصالة والتجديد).

معنى الهَتْك هو كشفُ المستور، وبالنسبة إلى حُرمة الدين أو المسلمين قد يُراد منه كشف نقاط الضعف في المسلمين أو المؤمنين وكشف الستر عن ذلك، ممّا يؤثّر في زوال قوتهم وإضعاف شوكتهم. والهوانُ أيضاً في ماهيّته ومعناه يتقارب من الهتك.

ولا ريب أنّ هذه الماهيّة هي مضادّة لأغراض الشارع، ونقيض أهدافه في التشريع. لكنّ الكلام: أنّ هذا الهتك والهوان، هل هو مترتّب على صِرف الاستهزاء من قِبل المذاهب الأخرى، أو من قبل المِلل الأخرى؟ ثمّ إنّ الاستهزاء في الحالين يكون على أقسام:

1- الاستهزاء باطلاً وبما ليس بحقّ. وهذا لا يؤثّر، وليس بمانع، ولا ريب أنّه لا يستلزم الهتك، لأنّ هذا الاستهزاء غير كاشف عن عَوار ونقص ومعائب في المؤمنين أو في الدين.

2- الاستهزاء نتيجة اختلاف الأعراف والبيئات والأعراق، واختلاف الشعائر أو الطقوس حَسب المِلل والبلدان المختلفة في شعيرة منصوبة لتدلّ على معنى سامٍ، لكنّ الآخرين قد ينطبع بأذهانهم معنًى آخر. فهذا لا يستلزم ممانعة الشعائر ولا يُعرقل اتّخاذها وتعظيمها. والسرّ في ذلك أنّ هذا يرجع إلى حفظ الهويّة، فلو استُجيب لكلّ ما يروق للآخرين ممّا يكون مقبولاً عندهم، لتبدّلت هويّتنا إلى هويّتهم، وكان ذلك نوعاً من الانهزام والانزلاق تحت سيطرتهم، ولأدّى إلى ذوبان شخصيّتنا في بوتقة الفكر الدخيل والأجنبي. فهذا القسم أيضاً لا يستلزم الهتك أو الهوان.

3- استهزاء لجهات واقعيّة. فهذا يلزم منه هتكٌ وهَوان.

فعلى ضوء هذا التقسم نخرج بهذه النتيجة: أنّ قسمَين من السخرية أو الاستهزاء أو التعجّب من الآخرين لا يُوجب الهتك والهوان، وإنْ تخيّله الباحث أو المتتبّع للشعائر الدينيّة كذلك.

والهتك أو الهوان أو الاستهزاء من مصاديق وأصناف التحسين والتقبيح العقليّين، الذي هو في قوّة العقل العمليّ في النفس، ففي الواقع إنّ العقل العمليّ ليس صِرفَ إدراكٍ فقط، وإنّما هو نوع من الباعثيّة والتحريك والتكوين، لأنّ التحسين نوعٌ من المدح ونوعٌ من إيجاد الجَذْبة والمَغْنَطة بين النفس وذلك الفعل الحَسن، والتقبيح - في المقابل - نوعٌ من ايجاد الشرارة والنفرة والبعد بين النفس وذلك الفعل القبيح.

إذا اتّضح ذلك، علمنا أنّه إذا حصل الاستهزاء والسخرية بسلوكيّة خاطئة ومدلّسة، سيّما إذا كان ذلك على نحو افتعال جوّ وزخم إعلاميّ شديد وبكثافة إعلاميّة عن طريق الجرائد أو الإذاعات أو النشريّات أو المحافل والأندية، فإنّه سيوجب - قهراً - وقوع المسلمين أو المؤمنين في جوّ خاطىء أو تربية خاطئة، بأن يستقبحوا ما هو حَسن، ويستحسِنوا ما هو قبيح. مثلا قد يعتبر الشاب المتديّن في الجامعة أنّ الصلاة تُقلّل من شأنه في نظر زملائه، وأنّها عار عليه ولا تليق به، ثمّ شيئاً فشيئاً يصبح القبيح حسناً، وبالعكس. ولا ريب في كون ذلك النوع من التفكير سلوكاً منحرفاً واستخداماً خاطئاً وخطيراً في العقل العمليّ.

فقضية الإهانة والهتك والاستهزاء ترتبط ارتباطاً بنافذة عقلّية تربويّة واجتماعية وسلوكيّة وممارسة معيّنة. وقد يحصل اللَّبس أنّ مثل هذه الشعيرة أو الشعائر المتّخذة ربّما توجب الوهن في الدين بينما هي ليست بوهن، لكن لشدّة علاقة الطرف الآخر ولشدّة نفوذ التبليغ والدعاية والطُرق والقنوات المتوفّرة لدى الطرف الآخر، يوجب تأثّرنا بمدركات خاطئة تُملي علينا وتُهيمن على أفكارنا وتزعزع المبادئ والعقائد.

اخبار مرتبطة

  أيّها العزيز

أيّها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ 5 أيام

دوريات

  إصدارات أجنبيّة

إصدارات أجنبيّة

نفحات