الملف

الملف

منذ يومين

الحكومة العالمية الواحدة

 

الحكومة العالمية الواحدة

§      الشيخ حسين كوراني

* «الحكومة العالمية الواحدة: المناخات المؤاتية» هو عنوان بحثٍ قدّمه سماحة العلامة الشيخ حسين كوراني إلى «ملتقى الإمام المهديّ عليه السلام»، والذي أُقيم في مدينة مشهد الإيرانية في شهر ذي الحجّة من سنة 1424 هجرية، وتتضمّن المقالة أدناها فقراتٍ منه.

يستهلّ سماحته هذا البحث بالحديث عن «دَحْو الأرض» من تحت الكعبة المشرّفة باعتباره الحدَث المفتتَح لعالم الدنيا وما ستشهدها «البسيطة» من تقلّب بني البشر في أودية التّيه بحثاً عن الطريق القويم، وصولاً إلى حيث تُفضي بها الشقاوة المستديمة إلى الإذعان بحقّانية دعوات الأنبياء، فتنشد خلاصها على يدَي وارث النبوّات والوليّ الخاتم. ويلفت سماحته في السِّياق إلى أن العناوين الفكرية والثقافية المطروحة اليوم على مستوى العالم، لا تعدو كونها تطفّلاً بشرياً متأخّراً على المشروع الإلهيّ الذي حمله إلى الإنسانية الأنبياء وأوصياؤهم.

«شعائر»

 

 

تكشف النظرة الشمولية في مسيرة النبوّات أن من أبرز ثمراتها البعيدة والنهائية إقامة الحكومة العالمية الموحّدة، بل يُعتبر ذلك من أوضح ما ينتج عن استحضار أخْذ العهد على النبيّين بالاعتقاد بنبوّة النبيّ الخاتَم، وبشاراتهم به، وادّخار نبيّ الله عيسى لنصرة خاتم أوصيائه.

وبناءً عليه، فإن موقع الحكومة العالمية الواحدة من منظومة الرؤية الكونية التوحيدية، هو موقع أوان الثمرة من الشجرة... ومن اللافت جدّاً أن النصّ الدينيّ يتحدّث عن نقطة واحدة هي «مكّة» و«البيت الحرام» بالخصوص، بل وجوار الكعبة، ويقدّم هذه النقطة منطلقاً لحدثَين عالميّين هما «دَحْو الأرض»، و«الحكومة العالمية»، على يد المهديّ المنتظَر صلوات الله تعالى وسلامه عليه، ويحمل ذلك – في ما يحمل – الإشارة إلى أن هذه البداية بدَحْو الأرض تبلغ ذروتها مع هذا الحدث العالميّ؛ بدءِ إعلان الحكومة العالمية الواحدة.

 

دورة الزمن الضرورية

لم يكن أيّ نبيّ من الأنبياء يأمل بتحقيق كلّ ما يصبو إليه في زمنه، بل كان كلُّ هَمّ النبيّ السابق أن يؤسّس للنبيّ الذي يأتي بعده، وكان حلم الجميع أمرين:

1) ظهور الدين الخاتم الذي يقدّم للبشرية الرؤية التوحيدية الأكمل.

2) كما كان حلم الجميع أن يطوي الزمن الدورة الضرورية لبلوغ الرشد البشريّ كماله الذي يمكّن من إقامة الحكومة العالمية الواحدة على يد آخر وصيّ لآخر نبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وجميع الأنبياء.

والمقصود بدورة الزمن الضرورية، هو أن هذه الخطوط العريضة المتقدّمة والعناوين الرئيسة المرتبطة بها، وإنْ كانت قد طُرحت على يد الأنبياء منذ القِدم، إلا أن تفاعل الناس معها على أوسع نطاق، وإدراك مدى أهميتها بجذرية وعمق، وتحوّلها إلى مطلب بشري عالمي شديد الإلحاح، يحتاج – ذلك كلّه - إلى وقت طويل يخوض فيه هذا الإنسان الذي شاءه الله تعالى مختاراً، تجارب مريرة بسوء اختياره، تؤدّي به في النهاية إلى العودة بقناعة ووعي إلى الحقيقة النبوية التي كانت في متناوله منذ الانطلاقة، إلا أنه أعرض عنها ونأى بجانبه.

وعندما نتأمل في ما حفل به تاريخ البشرية في التعامل مع النصّ الديني، الذي حمل إلى البشرية الخطوط العريضة لحركة النبوّات، كما حمل العناوين الرئيسة المرتبطة بها، فإننا سنجد بكلّ جلاء، أن الدنيا بكلّ عصورها والقرون، هي المدى الذي لا بد منه لبلوغ البشرية مرحلة متقدّمة في فهم الخزين المعرفي الكامن في هذا النصّ، والالتزام العملي به.

ولا ينافي ذلك أن يتمكّن بعض الناس في كلّ عصر من التفاعل مع الحقائق بدرجة متقدّمة على عصرهم، فالحديث هنا عن تحوّل التفاعل مع الخزين المعرفي الذي يحمل النصُّ المعصوم رسالته، إلى حالة عامة مستقرّة.

وفي هذا السياق يقع التدرّج في الرسالات السماوية، وصولاً إلى خاتمتها المتمثّلة في الإسلام، ووصولاً بعد ذلك إلى مرحلة ﴿.. لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ..﴾ (التوبة:33)، وتحقّق العولمة الحقيقية، بقيام حكومة العدل العالمية.

ولتوضيح فكرة التدرّج هذه، يكفي استحضار ما بذلته البشرية من جهود فكرية دؤوب ومعاناة وعذاب ودماء، لإدراك قيمة الحرية - مثلاً - ومع ذلك فالبشرية اليوم تعاني من الظلم والاستبداد، ما يكشف عن الحاجة إلى المزيد من بلورة مفهوم الحرية نظرياً، بالإضافة إلى جهود مضنية لتثبيتها في الواقع العملي.

إن معنى كون الإنسان مخلوقاً مختاراً هو أن يُترك له سلوك النَّجْد الذي يريد، وهو في علم الله تعالى سيخبط خبْط عشواء ويذهب في دروب الضلال بعيداً، إلا أنه في النتيجة سيكتشف بملء اختياره أن الخلاص والسعادة في ﴿هُدَى الله﴾ الذي أعرض عنه، فكانت معيشته ضَنْكاً.

وقد اقتضت رحمة الله تعالى بالإنسان أن يقدّم له – بالإضافة إلى القانون بنُسَخه المتعددة، ثم بنسخته النهائية - النماذج الفريدة في الحكم ليكون في متناوله أن يقارن بينها وبين ما يصبو إليه، وفي هذا السياق كانت نماذج الحكم على عهد نبيّ الله سليمان، والنبيّ الأعظم، وسيّد أوصيائه أمير المؤمنين، واحات الضوء في عالم الحكم المظلم، تشير للأجيال أن تصبو إليها وتحلم بمثيلاتها.

وحيث إن البشرية ستصل في النهاية إلى وعي هذه الحقيقة وإدراكها بعمق، فقد ادّخر الله سبحانه آخر وصيٍّ لآخر نبيّ صلّى الله عليه وآله ليرعى هذه الحالة في مراحل نموّها وتطورها، ويقود زمام البشرية عند اكتمال دورة الزمن الضرورية، ويتولّى ترشيدها وتحقيق أهدافها، كما ادّخر نبيّه عيسى عليه السلام الذي تمسّ الحاجة إلى وجوده لكثرة أتباعه الذين ضلّوا السبيل.

حركة الفكر والثقافة العالميّين

عندما يكون الحديث عن الفكر والثقافة، فلا بد من الخروج من كلّ دوائر جذب الأخطبوط المالي والسياسي والعسكري الذي يصوِّر العالم بسهولة رقيقاً للقطب «الأوحد» الأمريكي وملك يمينٍ له يتصرّف به كيف شاء.

إنها الضحالة التي يربأ المفكّر بنفسه عن السقوط في وَهْدتها. وهي، بعدُ، الظاهر الذي يحترم المفكّر نفسه فيغوص في الأعماق بعيداً عنه.

ينبغي أن نرصد بموضوعية وتبصّر ما سيؤول إليه أمر العالم، متسلّحين بوعيٍ منطقيّ للتجارب التي ازدحمت في التاريخ البشري حتى وصلت إلى ما يملأ ضجيجه عالمَ اليوم.

سنهتدي بيُسر إلى الحقيقة التي تملأ آفاق النفس والوجود: أمريكا إلى زوال، وكلّ التفرعن والتمرّد والطغيان مندثرٌ، ولو بعد حين.

ولا تقودنا إلى ذلك ما يحلو لبعض القشريّين من تسميته «طوباوية النصّ الديني» واعتماد نفس «منهجية» إدارة جورج بوش – الأب والإبن - في الصدور من أصولية دينية تعتمد الإسقاطات التاريخية لتصوغ الحاضر والمستقبل على أساسها. بل يقودنا إلى ذلك ثلاثة عوامل:

الأول: فقه صعود الدول وسقوطها.

الثاني: القراءة المتأنية في تراكم الخزين المعرفي البشري عبر القرون، والتأمل بأناة في نتائجها الفكرية والثقافية التي بلغتها، وكذلك في مآل الحركة التصاعدية والرسم البياني لهذه النتائج.

الثالث: المقارنة الموضوعية بين ما بلغه الراهن الفكري والثقافي على مستوى العالم، وبين الخطوط العريضة، والعناوين الرئيسة لحركة النبوّات.

وفي ما يلي موجز في ذلك:

يتميّز عصرنا الحاضر - رغم السلبيات - بالحديث عن خصائص بالغة الأهمية، لم يشهد تاريخ البشرية تداولاً لها وتظهيراً على نطاق واسع وبهذا المستوى. من هذه الخصائص:

1) قيمة المعرفة.

2) حقوق الإنسان.

3) الحريات.

4) القانون.

5) وأخيراً: العولمة.

وما أرمي إليه بالتحديد هو وفرة طرح هذه القيم أفقياً، وتنامي التعلّق بها والتوق إليها في أرجاء المعمورة.

يتّضح إذاً، أنني أستثني صوابية المنطلقات الفكرية التي تصدر منها هذه الطروحات، كما أستثني صوابية المقاربة، فضلاً عن الرائج بقوّة من اتّخاذ هذه الطروحات ستاراً لنوع آخر من الهيمنة والاستعمار أكثر دموية، وأشدّ افتراساً، كما يجري الآن بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.

ولدى التأمل العلمي المتأني في هذه العناوين، ودراستها بموضوعية، نجد أنها محاور أساسية في النصّ المعصوم، يُعمل على تجذيرها منذ أول نبيّ وإلى يومنا هذا، وهي تشكّل العمود الفقري لمشروعه المستقبلي في إقامة الحكومة العالمية الواحدة والعادلة.

كما نجد أنها تشكّل الترجمة غير المنقّحة للخطوط العريضة لحركة النبوّات وللعناوين الرئيسة الواقعة في سياقها والمدى.

المهديّ الغوث، والمنقذ، والمنجي

في هذا السياق ينبغي أن تُدرس الروايات التي تتحدّث عن ظهور «المهديّ المنتظَر» الذي أجمعَ المسلمون على حتمية ظهوره عجّل الله تعالى فرجه الشريف. وسنجد بكلّ وضوح أن الروايات حين توضَع في هذا المناخ تكشف عن الترابط بين الماضي والحاضر والمستقبل، لتقدّم لنا مشهداً كونياً واحداً وواعداً.

كما سنجد أن التفاصيل الكثيرة التي نغرق فيها فتحجب رؤيتنا عن النظرة الشمولية، تنتظم جميعاً في المشروع الربانيّ الواحد الذي يُظهر أن المؤمنين وأتباع الدين القويم في صُلب هذا المشروع، وأن كلّ المعرضين عن الهدى الإلهي، متطفّلون على العمود الفقري للمسيرة البشرية، غرباء عن هذا المشروع الماضي قُدماً مهما تجاهلوه وتنكّروا له، وأن أولى الناس بتحقيق سعادة البشرية والعمل لخدمتها هم أولى الناس بهذا البيت الذي بدأ دَحْو الأرض من تحته، وسيأتي اليوم الذي تعود فيه الأمور إلى نصابها، وتوضع فيه النقاط على الحروف:

- ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. (الأنبياء: 105)

- ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾. (القصص:5)

وعلى هذا الأساس، فلنتأمّل النصوص التالية:

1) حول اكتمال دورة المعرفة البشرية، وبلوغها الذروة، يقول الإمام الصادق عليه السلام:

‌أ) «العلمُ سبعةٌ وعشرون جزءاً، وجميعُ ما جاءت به الرسُل جزءان، فلم يعرف الناسُ حتّى اليوم غير الجزءين، فإذا قامَ القائمُ أخرج الخمسةَ والعشرين جزءاً فبثّها في الناس، وضَمّ إليها الجزءين حتّى يبثّها سبعةً وعشرين جزءاً». (خرائج الراوندي: 2/841، ح 59)

‌ب) «إذا قامَ قائمُنا وضعَ اللهُ يدَه على رؤوسِ العباد؛ فجمع بها عقولَهم وكَمُلَت به أحلامُهم».

(الكافي: 1/25، ح 21)

أما «قيمة المعرفة»؛ فإن حضورها في النصّ المعصوم في مراحل ما قبل الخلق والهدف منه، وما بعده، وعلى يد كلّ معصوم، بما لا يدع مجالاً للشكّ في أن البشرية لم تعرف المعرفة ولا قيمتها إلا بتعليم المعصومين.

2) وحول حقوق الإنسان و مطلق الحقوق، التي هي المحور في النصّ الديني وفي حركة دولته العالمية، على يد المهديّ المنتظَر عليه السلام، هذه بعض الإشارات السريعة.

‌أ) ‌ورد في وصف الإمام المهديّ أنه: «يدعو إلى الحقّ». «إمامُ الحقّ». «قائمُ الحقّ». وقد وُصفت دولته بـ«دولة الحقّ».

‌ب) ورد في زيارته عليه السلام: «اللّهُمّ فأَحِي بوليّك القرآن، وأرِنا نوره سرمداً لا ليلَ فيه، وأحِي به القلوبَ الميتة، واشفِ به الصّدورَ الوَغِرة، واجمَعْ به الأهواءَ المختلفةَ على الحقّ، وأقِم به الحدود المعطّلةَ والأحكامَ المهملة، حتى لا يبقى حقٌّ إلا ظَهَرَ ولا عدلٌ إلا زَهَر». (مصباح المتهجّد للطوسي: ص 415)

‌ج) يقول الإمام العسكريّ مخاطباً الإمام المهديّ عليهما السلام: «تهتزُّ بك أطرافُ الدنيا بهجةً، وتنشرُ عليكَ أغصانُ العزّ نضرةً، وتستقرّ بواني الحقّ في قرارها، وتؤوب شواردُ الدّين إلى أوكارها..». (كمال الدين للصّدوق: ص 450)

3) وحول العدالة والحريات، وهما صُلب حقوق الإنسان، يكفي ما اشتهر حدَّ التواتر والقطع: «يملأُ الأرضَ قِسطاً وعدلاً، كما مُلئتْ ظلماً وجَوراً..»، وقد ورد في بعض المصادر بصيغة «يملأ الدنيا». وثمة وفرة نصوص في هذا المجال المركزيّ، منها:

‌أ) «..ويسوّي بين الناس حتّى لا ترى محتاجاً». (البحار: 52/390)

‌ب) «..نادى منادٍ من السّماء: ألا أيّها الناس، إنّ اللهَ قطعَ عنكم مدّة الجبّارين والمنافقين وأشياعهم».

(ملاحم ابن طاووس، ص 287)

‌ج) «...ووَضعَ ميزانَ العدلِ بين النّاس، فلا يظلمُ أحدٌ أحداً». (كمال الدين للصّدوق، ص 372)

‌د) «..قَسَمَ بالسّوِيّة وَعَدَلَ في الرَّعِيّة». (الغَيبة للنعماني، ص 243)

4) وحول القانون: «..يستخرجُ التوراةَ وسائرَ كُتبِ اللهِ عزّ وجلّ [الأصلية] من غارٍ بأنطاكية، ويحكمُ بينَ أهلِ التّوراةِ بالتّوراة، وبينَ أهلِ الإنجيلِ بالإنجيل، وبينَ أهلِ الزَّبور بالزَّبور، وبينَ أهلِ القرآنِ بالقرآن».

(الغَيبة للنعماني، ص 243)

وليلاحظ، أن هذا لا ينافي ما ورد من أن الدستور آنذاك هو القرآن الكريم، فالكُتب السماوية من مشكاةٍ واحدة، ولا تَبايُنَ بينها. والسابقُ يشير إلى اللاحق الذي يتكامل معه ولا يناقضه. وعليه، فالمراد أن جميع أتباع الكتب السماوية يلتزمون بمقتضى كُتبهم بالعمل بالقرآن الكريم.

وموقع القانون في النصّ المعصوم موقع «حدود الله تعالى»، وهي المحور منذ بداية الحياة. وما هو الهدف هنا توكيد أن المستقبل سيشهد تحقّق سلطة القانون العادل.

5) وحول العولمة الحقيقية، لا هذه المدّعاة:

‌أ) «...يومُ الفتح؛ يوم تُفتح الدنيا على القائم..». (تأويل الآيات للأسترابادي: 2/445)

‌ب) «...يملكُ الدنيا شرقاً وغرباً». ( كمال الدين للصّدوق، ص 423)

‌ج) «إذا تناهتِ الأمورُ إلى صاحب هذا الأمر؛ رفعَ اللهُ تبارك وتعالى له كلَّ منخفضٍ من الأرض، وخَفَضَ له كلّ مرتفعٍ منها، حتّى تكون الدنيا عندَه بمنزلةِ راحتِه، فأيّكم لو كانت في راحتِه شعرةٌ لم يُبصرها».

(كمال الدين للصّدوق، ص 674)

من وجهة نظر الإسلام تشكّل العولمة مستقبلَ البشرية الواعد، حيث تكتمل دورة المعرفة وتتجلّى في أبهى صوَرها، ويعمّ العدل وترفرف راية الحرية على ربوع الكرة الأرضية كلّها، في ظلّ القانون الواحد، ليصبح الحديث عن القرية الكونية الواحدة أمراً واقعاً وحقيقةً ماثلة، ينبع من مفهوم الأسرة الكونية الواحدة ﴿..خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا..﴾. (الحجرات:13)

ولذلك، فهو حديثٌ ينبض بكلّ أحاسيس الحبّ الإنسانية الصادقة، وينأى عن ظلامية الأنانية والهيمنة والاستعلاء، ويربأ بنفسه عنها وعن ذهنية الربحية والجدوى الاقتصادية، وعن كلّ ما لا ينبغي للأسرة في علائقها ومعاملاتها، وهو لا ينافي أن يحفظ لكلّ ذي حقٍّ مادّي حقّه، إلا أن حفظ الحقوق المعنوية هو الأصل.

أما آن لنا أن نكتشف البعد العالميّ في الأديان السماوية بصيغتها الأصيلة، التي لا يخلو حتّى المحرّف منها من حضوره المميّز حتّى الهيمنة على ما عداه؟

ولا يكاد ينقضي العجب ممّن يرى في النصّ المعصوم هذا الموقع المتميّز للحجّ ولأحكامه، ثم يفصل بين ذلك وبين أن النصّ المعصوم، يقدّم للبشرية فكرة «الأسرة الواحدة» التي تبدو العولمة إزاءها طرحاً متخلّفاً.

أما آن لنا أن نكتشف عالمية الإسلام من خلال الحجّ مثلاً، الذي ترقى فكرته إلى حدّ الإعجاز؟

أليس في طليعة أفضل السُّبل لتهيئة البشرية للحكومة العالمية الواحدة، هذه اللقاءات العالمية الدورية والقيمية الفريدة؟!

وما أكثر الحقائق الإسلامية التي تجسّد هذا البعد، الذي يحمل في طيّاته دلالات تطوّر المعرفة البشرية ورقّيها، وصولاً إلى حيث تصبح العناوين المشار إليها أعلاه مداميك الكرة الأرضية والرواسي.

من هنا، فإن تصاعد الحديث عن هذه العناوين الخمسة، وتعلّق النفوس بها، وتجذّر التَّوق والشوق إليها -بالرغم من السلبيّات - ليس إلا إرهاصات لما سيتحقّق في نطاق مشروع المستقبل «الإسلام» وحكومته العالمية على يد الإمام المهديّ المنتظَر أرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.

[يراجع للتوسّع: كتاب (في المنهج: المعصوم والنصّ) للكاتب، ص 330 – 336، وقد استفاد هذا البحث منه في عدة مواضع بتصرّف يسير]

 

اخبار مرتبطة

  أيها العزيز

أيها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ يومين

دوريات

  إصدارات أجنبية

إصدارات أجنبية

نفحات