الملف

الملف

منذ يوم

الكعبة المشرّفة بمولد قبلة المتّقين

أوانُ ظهور النبوّة

الكعبة المشرّفة بمولد قبلة المتّقين

  • الشيخ أحمد صمادي*

بعد ثلاثين سنة من عام الفيل، وقبل عشر سنوات من بعثة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله، وبالتحديد في يوم الجمعة، الثالث عشر من شهر رجب الأصب، كانت الكعبة على موعد مع ولادة أمير المؤمنين عليه السلام، فقد التجأت إليها فاطمة بنت أسد عليها السلام، وبإلهامٍ ربّاني، بعد أن أتمّت شهرها التاسع وأحسّت بألم المخاض، فتعلّقت بأستار الكعبة، وألصقت نفسها بجدارها من الجانب الغربي عند الركن اليماني من جهة المُستجار، ودعت ربَّها: «...فبحقّ الذي بنى هذا البيت، وبحقِّ المولود الذي في بطني، لمّا يسّرت عَلَيَّ وِلادتي».

ما أن أنهت السيدة فاطمة بنت أسد كلامها حتى انشقّ لها جدارُ الكعبة، ونوديت نداءً خفيّاً، أن يا فاطمة ادخلي بيت ربِّك، فدخلت ثمّ ارتأب الصَّدع، والناس يعاينون ما يحدث بذهولٍ واستغراب، وكان من بين الحاضرين العباس بن عبد المطلب، ويزيد بن قعنب، وفريق من بني هاشم، وجماعة من بني عبد العزّى.

قالوا: فحاولنا أن نفتح باب الكعبة ليدخل بعض النساء لمساعدتها في أمر الولادة، فلم ينفتح الباب، فعلمنا أنّ ذلك من أمر الله تعالى.

وفي اليوم الثالث، خرجت فاطمة بنت أسد عليها السلام من الجهة التي دخلت منها، وهي تحمل وليَّ الله عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فاستقبلها أبو طالب عليه السلام مهنّئاً لها، فناولته وليدَه الحبيب فضمّه إلى صدره، ثم أعطاه لمحمّدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقبّله وحمد الله على ظهوره، وحنّكه وأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ففتح عليه السلام عينيه وضحك في وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثمّ نحر أبو طالب الأنعام وأقام وليمة على شرف الوليد المبارك.

وقد ولدته أمّه على الرخامة الحمراء الكائنة بين الاسطوانتين، بين الباب والركن اليماني. ولمّا وُلد عليه السلام، سجد معطيًا ظهره للأصنام المنصوبة فوق الكعبة، وهو يقول: «أشهدُ أنْ لا اله إلّا الله وحدَه لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنّ محمّدًا رسولُ الله، تُختم به النبوّة وتُختم بي الوصيّة..».

وقد حدّثت فاطمة بنت أسد عليها السلام عمّا جرى معها، قالت: «إنّي دخلت بيت الله الحرام، فأكلتُ من ثمار الجنة وأرزاقها، فلمّا أردتُ أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة، سمّيه عليّاً، فهو عليّ، والله العليّ الأعلى يقول: (إنّي شققُت اسمَه مِن اسمي وأدّبتُه بِأدبي، وأوقفتُه على غامضِ علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذِّنُ فوق ظهرِ بيتي ويقدّسُني ويمجّدُني، فطوبى لمَن أحبّه وأطاعَه، ووَيلٌ لمَن أبغضه وعصاه)».

ثمّ قالت عليها السلام: «فولدت عليّاً ولِرسولِ الله ثلاثون سنة، فأحبَّه رسولُ الله حبّاً شديداً، وقال: (اجعلي مهدَه بقربِ فراشي)، وكان يَلي أكثر تربيته...ويقول: هذا أخي، ووليّي... وخليفتي».

وقد هبط جبرئيل على النبيّ عند ولادة عليّ عليه السلام مهنئًا له، قال صلّى الله عليه وآله: «هبطَ حبيبي جبرئيل عليه السلام، في وقتِ ولادة عليٍّ عليه السلام، فقال: يا حبيبَ الله، اللهُ يُقرئك السلام ويهنِّئُك بولادة أخيكَ عليّ، ويقول: هذا أوان ظهور نبوّتك وإعلان وحيك، وكشفِ رسالتك، إذ أيّدتُك بأخيك ووزيرك وصنْوِك وخليفتك، ومَن شددتُ به أزرَك، وأعليتُ به ذكرَك».

أثر الشّقّ على جدار الكعبة

من المعلوم أنّ للكعبة بابًا يمكن الدخول منه، ولكن فاطمة بنت أسد عليها السلام، لم تدخل من الباب، بل انشقّ لها الجدار، ليكون أوضح وأدلّ على أنّ الولادة بأمرٍ ربّانيٍّ لا يستند إلى الصدفة والاتفاق، جعله الله تعالى ليطّلع عليه الناس حتى مستقبلاً، وليعرفوا أنّ عليّاً عليه السلام هو الذي اصطفاه اللهُ عزّ وجلّ بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله، وممّا يؤكد ذلك: أنّ أثَر الشقّ على الجدار ما يزال واضحاً وماثلاً للعيان حتى يومنا هذا، وسيبقى رغم تجديد بناء الكعبة أكثر من مرة. وقد جهد أعداء الله لإخفائه بشتى الوسائل فلم يُفلحوا، وكيف يقدرون على إخفاء ما يريد الحقّ تبارك وتعالى إظهاره؟!

بل إنّ لإدخال والدة أمير المؤمنين عليه السلام من عند المستجار من جانب الركن اليماني -حيث يستحبّ الالتصاق والتضرّع والدعاء، وطلب الحوائج- دلالات أخرى، تؤكد أن الله سبحانه وتعالى يريد حثّ المسلمين على الالتصاق بحائط الكعبة عند المستجار، لإعلامهم بذلك الحدث المبارك.

كما أنّ لولادته عليه السلام على الرخامة الحمراء بين الاسطوانتَين –وهي التي يُستحبّ الصلاة عليها والدعاء بالمأثور لمَن دخل الكعبة بعد الاغتسال- سرّاً آخر، وقد عقد الحرّ العامليّ في (الوسائل) باباً لذلك.

الحكمة من ولادة أمير المؤمنين عليه السلام في جوف الكعبة

لو نظرنا إلى أصغر أمر يصدر عن الله سبحانه، لوجدنا حكمة ربانية كامنة فيه، فلا بدّ أن هناك حكمة وسرّاً وراء تلك الولادة المباركة والميمونة. فما هو هذا السرّ؟

يقول الأديب المصري عبد الفتاح عبد المقصود في إحدى محاضراته: «إنّ الله تعالى جعل ولادة عليّ عليه السلام في الكعبة، التي يتّجه إليها المسلمون خمس مرات على الأقل في اليوم، غير الاتجاه إليها عند الذبح، والصلاة على الأموات، ودفن الموتى وغيرها، حتى يلتفت المسلم إلى حقيقة عليّ عليه السلام كلّما اتّجه إلى الكعبة في صلاته..».

أما العلامة الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، فقد طرح  البحث والسؤال بطريقة أخرى. يقول في (جنة المأوى): «لا ينبغي أن يقال: ما سرّ تولّد أمير المؤمنين عليه السلام في الكعبة، بل اللازم أن نقول: ما سرّ شرف الكعبة، وهو تولّده فيها؟».

وقال في مقام الجواب: «لعلّ سرّ هذا الرمز الإلهيّ والإيماء الربوبيّ، إشارة إلى ما بين أمير المؤمنين عليه السلام، وبين الكعبة أعزّها الله تعالى، من المناسبة، فكما أنّ الصلاة لا تُقبل ولا تَصحّ إلا بالتوجّه إليها، فكذلك الأعمال لا تُقبل إلّا بالتوجّه إليه، والاعتماد على الأخذ منه ومن ذرّيته، والتقرّب إلى الله بولايتهم وولايته، فهم كعبة الأرواح وهي كعبة الأشباح، وهم كعبة الأسرار والمعاني، وهي كعبة الظواهر والمباني..».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* مدرّس في الحوزة العلمية – جبل عامل

 

 

اخبار مرتبطة

  أيّها العزيز

أيّها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ 0 ساعة

دوريات

  إصدارات عربية

إصدارات عربية

منذ 0 ساعة

إصدارات عربية

نفحات