الملف

الملف

منذ يوم

وصية أمير المؤمنين لمحمّد بن أبي بكر

أفضل الفقه الورعُ في دين الله

وصية أمير المؤمنين لمحمّد بن أبي بكر

  • رواية الثّقفي الكوفي

بعث محمّد بن أبي بكر، أيام ولايته على مصر من قِبل أمير المؤمنين، كتاباً إليه عليه السلام، يسأله جوامع من الحرام والحلال والسُّنن والمواعظ.

فأجابه أمير المؤمنين، وكتب إليه عمّا سأله من القضاء، وذِكر الموت والحساب، وكتب في الوضوء ومواقيت الصلاة، والأدب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسائل أخَر متفرّقة.

يتضمّن النصّ التالي، مختارات من أجوبته صلوات الله عليه، في باب الموعظة، دون ما يتصل بالقضاء وشؤون الولاية والإدارة، نوردها نقلاً عن الجزء الأول من كتاب (الغارات)، لأبي إسحاق، إبراهيم بن محمّد الثقفي الكوفي، المتوفّى سنة 283 هجرية.

«شعائر»

 

«بسم الله الرّحمن الرّحيم، مِن عبد الله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، إلى محمّد بن أبي بكر وأهل مصر، سلامٌ عليكم.

فإنّي أحمدُ إليكم اللهَ الذي لا إله إلّا هو.

أمّا بعد، فقد وصل إليّ كتابُك فقرأتُه، وفهمت ما سألتَني عنه، وأعجبني اهتمامُك بما لا بدّ لكَ منه، وما لا يُصلِح المسلمين غيرُه، وظننتُ أنّ الذي دلّك عليه نيّةٌ صالحة، ورأيٌ غير مدخولٍ ولا خسيس، وقد بعثتُ إليك أبواب الأقضية، جامعاً لك فيها، ولا قوّةَ إلا بالله وحسبُنا اللهُ ونِعْمَ الوكيل».

إلى أن يقول صلوات الله عليه:

«...واعلَموا عبادَ الله أنّكم إنِ اتّقيتُم ربَّكم وحفِظتُم نبيَّكم في أهلِ بيته، فقد عبدتُموه بأفضل ما عُبِد... وإنْ كان غيرُكم أطولَ صلاةً منكم وأكثرَ صياماً، إذ كنتُم أتقى لله وأنصحَ لِأولياءِ الأمرِ، من آلِ محمّدٍ، وأخشع.

في الاستعداد للموت وما بعده

واحذروا عبادَ الله الموتَ ونزولَه... فإنّه يدخل بأمرٍ عظيم...

واعلموا عبادَ الله أنّ الموتَ ليس منه فوتٌ... فإنّكم طرداءُ الموتِ... فهو ألزمُ لكم مِن ظِلِّكم، معقودٌ بِنواصيكم، والدّنيا تُطوى من خلفِكم، فأكثِروا ذكرَ الموتِ عند ما تُنازِعُكم إليه أنفسُكم من الشّهوات، فإنّه كفى بالموت واعظاً، وكان رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، كثيراً ما يوصي أصحابَه بِذِكرِ الموت فيقول: (أكثِروا ذكرَ الموتِ، فإنّه هادمُ اللّذاتِ، حائلٌ بينكم وبين الشّهوات).

واحذروا القبرَ وضمّتَه وضِيقَه وظُلمتَه وغُربتَه... إنّ المسلمَ إذا دُفن قالت له الأرضُ: مرحباً وأهلاً قد كنتَ مِمّن أُحبُّ أنْ يمشيَ على ظهري، فإذا وُلّيتُكَ فستَعلمُ كيف صُنعي بك، فيتّسع له مدّ البَصر، وإذا دُفِن الكافر قالت له الأرضُ: لا مرحباً ولا أهلاً، قد كنتَ مِمّن أُبغضُ أن تمشي على ظهري، فإذا وُلّيتُك فستَعلم كيف صُنعي بك، فتَنضمّ عليه حتى تلتقي أضلاعُه.

واعلَموا أنّ المعيشةَ الضّنْكَ التي قال الله تعالى: ﴿..فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا..﴾ هي عذابُ القبر...  (طه:124)

واعلموا عبادَ الله أنّ ما بعدَ القبرِ أشدّ من القبر، يومٌ يشيبُ فيه الصغيرُ و يَسكرُ فيه الكبيرُ، ويسقطُ فيه الجنينُ، وتَذهلُ كلّ مرضعةٍ عمّا أرضعت...

واعلموا عبادَ الله أنّ ما بعد ذلك اليوم أشدّ وأدهى على مَن لم يَغفِر اللهُ له... فإنّه يصير إلى نارٍ قعرُها بعيدٌ وحَرُّها شديد ... فإنِ استطعتُم عبادَ الله أن يشتدَّ خوفُكم مِن ربِّكم ويَحسن بِه ظنُّكم فافعلوا، فإنَّ العبدَ إنّما تكون طاعتُه على قدرِ خوفِه...

في الصلاة والوضوء

اُنظُر، يا محمّد، صلاتَك كيف تُصلّيها، فإنّما أنتَ إمامٌ ينبغي لك أن تتمَّها... وأن تُصلّيها لوقتِها...

ثمّ الوضوء؛ فإنّه من تمامِ الصّلاة، اغسِلْ كفَّيك ثلاث مرات، وتَمَضْمَض ثلاث مرات، واستَنشِقْ ثلاث مرات... قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (الوضوءُ نصفُ الإيمان).

اُنظر صلاةَ الظّهر فصلِّها لِوقتِها، ولا تعجلْ بها عن الوقتِ لِفراغ، ولا تؤخِّرها عن الوقت لِشغلٍ...

ثمّ انظُر ركوعَك وسجودَك، فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان أتمَّ الناس صلاةً وأحفظَهُم لها...

اِعلم، يا محمّد، أنّ كلّ شيءٍ من عملِك يَتبعُ صلاتَك، واعلم أنّ مَن ضيَّع الصلاةَ فهو لغيرها أضيَع...

جوامع الإسلام

اعلم، يا محمّد، أنّ أفضلَ الفقه الورعُ في دِين الله... أوصيك بسبعٍ هنّ من جوامع الإسلام:

- تخشى الله عزّ وجلّ ولا تخشَ الناس في الله، وخيرُ القولِ ما صدّقه العملُ.

- ولا تقضِ في أمرٍ واحدٍ بقضاءَين مختلفَين؛ فيَختلف أمرُك وتزيغ عن الحقّ.

- وأحبَّ لعامّة رعيّتِك ما تحبُّ لنفسك وأهل بيتك، واكرَهْ لهم ما تكره لنفسِك وأهل بيتك، - فإنَّ ذلك أوجَبُ للحجّة وأصلحُ للرعية.

- وخُضِ الغَمَرات إلى الحقّ.

- ولا تخَفْ في الله لومةَ لائمٍ.

- وانصَحِ المرءَ إذا استشارك.

- واجعَلْ نفسَك أسوةً لِقريبِ المؤمنين وبعيدهم.

 

 

معاوية ينظر في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام

قال الثّقَفيُّ في كتاب (الغارات):

«إنّ عليّاً عليه السلام لمّا أجاب محمّد بن أبي بكر بهذا الجواب –أي الجواب الذي ورد ذِكرُه في هذه المقالة- كان ينظر فيه ويتعلّمه ويقضي به، فلمّا ظُهر عليه وقُتل، أخذ عمرو بن العاص كُتبَه أجمع، فبعث بها إلى معاوية بن أبي سفيان.

وكان معاوية ينظر في هذا الكتاب ويُعجبه، فقال الوليد بن عقبة، وهو عند معاوية لمّا رأى إعجاب معاوية به: مُرْ بهذه الأحاديث أن تُحرَق.

فقال له معاوية: مَه يا ابنَ أبي معيط، إنّه لا رأيَ لك.

فقال له الوليد: إنّه لا رأيَ لك، أفمِن الرأيِ أنْ يعلمَ الناسُ أنّ أحاديث أبي ترابٍ عندك؟! تتعلّمُ منها وتقضي بقضاءه؟! فعلامَ تقاتله؟!

فقال معاوية: ويحَك، أتأمرُني أنْ أحرقَ عِلماً مثل هذا؟! واللهِ ما سمعتُ بعلمٍ أجمعَ منه ولا أحكمَ ولا أوضحَ.

فقال الوليد: إن كنتَ تعجبُ من علمه وقضائه، فعلامَ تُقاتله؟

فقال معاوية: لولا أنّ أبا ترابٍ قتلَ عثمان، ثمّ أفتانا لأخذنا عنه!

ثمّ سكت هنيئةً، ثم نظر إلى جلسائه، فقال: إنّا لا نقول إنّ هذه مِن كُتب عليّ بن أبي طالب، ولكنّا نقول: إنّ هذه من كُتب أبي بكر، كانت عند ابنه محمّد، فنحن نقضي بها ونُفتي!

(المصدر: 1/251)

 

اخبار مرتبطة

  أيّها العزيز

أيّها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ 0 ساعة

دوريات

  إصدارات عربية

إصدارات عربية

منذ 0 ساعة

إصدارات عربية

نفحات