بسملة

بسملة

منذ يومين

الدولة السعوديّة الرابعة، والأخيرة

الدولة السعوديّة الرابعة، والأخيرة

بقلم: الشيخ حسين كَوْراني

منذ انكسار شوكة «إسرائيل» في «حرب تمّوز»، يتهالك (الملك) سلمان، -وقبل وفاة أخيه (الملك) عبد الله- لإنقاذ «وعد بلفور» الذي كان أبوه حاضنته الحصريّة، بل لولاه لما صدر وعد بلفور.

يرى «سلمان» أنّ مقوّماته الشخصيّة في هذه الظروف المتفجّرة، تؤهّله لتأسيس «الدولة السعوديّة الرابعة»، فهو أمين سرّ العائلة المالكة، ومستشار ملوكها السابقين، و«مطوّع الأمراء».

وقد وصل إلى «سلمان» دوره في المُلك، و«إسرائيل»، في مهبّ الرياح العاصفة، وهذا يعني أنّ «آل سعود» و«الوهّابيّة» في خطر، فآل سعود هم الوجه الخفيّ للغدّة السرطانيّة. يتلازم زوالهم مع زوال «إسرائيل» الوجهِ الظاهر لهذه الغدّة الخبيثة.

لا بدّ -إذاً- من تغيير قواعد اللّعبة!

***

أدّى ملوك هذه السلالة اليهوديّة «آل سعود» أدوارهم في مرحلة التمهيد لاحتلال اليهود فلسطين، وفي مرحلة تثبيت «دولة إسرائيل»، وفي مرحلة التمهيد لشَرْعَنة وجود «إسرائيل»، وأحرزوا بتخطيط صهيو - أميركيّ الانتصارات التي لم يكن يحلم بها حتّى «بلفور» نفسه.

وجاء الزلزال الخمينيّ الذي ما يزال الهاجس المرعب لكلّ الصهاينة، وبالخصوص «آل سعود». مَن يسمع حديث دُمية أبيه «محمّد بن سلمان» عن إيران، يمكنه أن يرى بوضوح مدى رُعب سلمان وآل سعود من الإمام الخمينيّ وإيران والإمام الخامنئيّ.

***

ويرى «سلمان» أنّ تغيير قواعد اللّعبة يجب أن يُبنى على أُسس جديدة، يراعى فيها مواجهة هذا الزلزال الإيرانيّ المدمّر.

يستدعي هذا التبدّل الجوهريّ في مهمّة آل سعود الصهيونيّة، تبدّلاً جوهريّاً في الأهداف والسياسات والأساليب. وهو ما يحتِّم إعلان «الدولة السعوديّة الرابعة».

بمجرّد أنْ صار «سلمان» ملكاً، بدأ تداول هذا الاسم.

***

لماذا الرابعة؟ لمعرفة ذلك تكفي نظرة تاريخيّة سريعة لتوضح التالي:

* «الدولة السعوديّة الأولى» هو الاسم الذي يُطلَق على إمارة الدّرعيّة، وهي دولة تأسّست عام 1744م، على يد محمّد بن سعود آل مقرن مؤسّس عائلة آل سعود، وقد سقطت هذه الدولة عام 1818، نتيجة الحرب السعوديّة العثمانيّة.

* «الدولة السعوديّة الثانيّة» هي الدولة التي أنشأها تركي بن عبد الله بن محمّد آل سعود في سنة 1818، بعد سقوط الدولة السعوديّة الأولى على يد القوات العثمانيّة بقيادة إبراهيم باشا. في هذه الدولة تغيّرت العاصمة من الدرعيّة إلى الرياض، وقد تسبّبت الحرب الأهليّة السعوديّة بين  «سعود بن فيصل آل سعود» وبين «عبد الله بن فيصل آل سعود» في إضعاف الدولة واستنزافها فسقطت على يد آل رشيد حكّام إمارة جبل شمّر في سنة 1891م.

* «الدولة السعوديّة الثالثة» هي الدولة التي أسّسها الملك عبد العزيز آل سعود في عام 1902م، وتمكّنت الدولة من التوسّع حتّى استطاعت عام 1921 من السيطرة على كامل أراضي نجد بعد إسقاط إمارة حائل المنافسة، وأصبحت الدولة السعوديّة الثالثة تعرَف باسم «سلطنة نجد». وبعد ضمّ الملك عبد العزيز الحجاز بعد إسقاط دول المملكة الحجازيّة الهاشميّة، تغير الاسم إلى «مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها». واستمرّ الاسم قائماً حتّى إعلان قيام المملكة العربيّة السعوديّة عام 1932م.

***

إذا لاحظنا عمر كلٍّ من الدولتين السعوديّتين الأولى والثانية، نجِد أنّ الدولتين تمهيدٌ للدولة الثالثة.

يعني ذلك أنّ سلمان الذي أعلن ولادة الدولة السعوديّة الرابعة، يرى أنه «عبد العزيز الثاني»، وهو يحاول استنساخ تجربة أبيه وكلّ «إيجابيات» امتداد هذه التجربة من عام1932م، إلى عام 2015م، يوم ظهور مصطلح «الدولة السعوديّة الرابعة».

***

هل يتمكّن «سلمان» من ترسيخ دعائم الدولة السعوديّة الرابعة، أم أنّ عمرها قصير، وسرعان ما تزول، فتكون «الرابعة، والأخيرة»؟

يتوقّف الجواب الموضوعيّ على:

1.  المقارنة بين خُطط عبد العزيز (الأول) وبين خطط ابنه «سلمان».

2.  والمقارنة بين أبرز مسارات الدولة السعوديّة الثالثة، وبين ما اعتمده «سلمان» حتّى الآن.

3.  والمقارنة بين المناخات العامة لكلٍّ من الأب والابن -ثقافياً، وسياسياً، وأمنياً، وعسكرياً- ليتّضح الجواب بالنفي أو الإثبات.

سنجد أنّ هذه المقارنات تقودنا إلى:

أ‌-    وحدة السياسات والأساليب بين الأول والثاني مع استثناءاتٍ بارزةٍ فيهما.

ب‌-                  وتقودنا إلى تباين الظروف السياسيّة تبايناً تامّاً.

ما يلي، عرضٌ مكثّف لموارد الاختلاف الأبرز بين «عبد العزيز»، وابنه، في جميع المجالات.

***

مورد الاختلاف البارز الأول: أنّ عبد العزيز الأب: كان يباشر كلّ المسارات بشخصه دون التستّر بقناع، أما عبد العزيز الابن، فهو يباشر ذلك -في الأغلب- عبر ابنه «محمّد بن سلمان».

ورغم أنّ النفاق هو «المبدأ» الذي قام حُكم آل سعود والوهّابيّة على أساسه، إلا أنّ لـ«سلمان» دافعاً آخر هو السبب في هذا «الزّهد» المصطنع في عدم حبّ الظهور.

«لأمرٍمّا جدع قصيرٌ أنفَه». سلمان ليس واثقاً من نجاحه في إنجاز الدولة السعوديّة الرابعة، بل يملأ قلبَه الرعبُ من زوال آل سعود ودولتهم. لذلك فهو يحتفظ بخطّ الرجعة، فإذا لاحت بوادر الهزيمة النهائيّة، والانهيار المدوّي، «كسر الجرّة» على رأس ابنه «محمّد بن سلمان»، ليحمّله أوزار كلّ منكرات أبيه وموبقاته. «المُلك عقيم..». بعدها، سيُبادر «سلمان» إلى فتح صفحة جديدة مع إيران، ومحاولة ركوب عصَب الدفاع عن القدس وتحرير فلسطين.

***

مورد الاختلاف البارز الثاني: أنّ عبد العزيز كان حاجة ملحّة للمستعمر البريطانيّ ثمّ الأميركيّ، إلا أنّ المستعمر الآن حاجة حياتيّة لسلمان.

كان حضور المندوبين الإنكليز الدائم، ثمّ تمويل بريطانيا لعبد العزيز بن سعود، دليل حاجة بريطانيا إليه، وهو ما صرّح به «تشرشل» لـ«وايزمان» حين حدّثه عن «عبد العزيز» كضمانة للمشروع الصهيونيّ، وطلب منه أن لا يخبر بذلك أحداً غير الرئيس الأميركيّ.

ينقل «السيد الأمين» في «كشف الارتياب»، ص49، كلام وزير المستعمرات البريطانيّة أنّ بريطانيا «منحت (عبد العزيز) راتباً لا يقلّ عن أربعين ألف ليرة إنكليزيّة وبلغ مجموع ما دفعته له من ابتداء سنة 1917 إلى سنة 1923 ميلاديّة زهاء خمسمائة ألف واثنين وأربعين ألف جنيه إنكليزيّ...».

وعقّب السيد الأمين بقوله: «صرّح بذلك وزير المستعمرات "مستر أمري" وتناقلته صحف العالم ونقلناه بحروفه».

والفرق كبير جداً بين عميلٍ يحتاجه المستعمر بحيث يُغدق عليه الأموال، وبين «البقرة الحلوب»!

***

 مورد الاختلاف البارز الثالث، بين سلمان وأبيه عبد العزيز، أنّ الأول اعتمد الوهّابيّة رافعة لحُكمه لِما تؤمّنه من «قداسة كاذبة» للتغرير بالناس باسم الدين، بينما وصل الأمر بسلمان إلى ضرب الوهّابيّة وإعلان نيّة اجتثاثها، بعد أن ثبتَ فشل اعتماده إيّاها في استنفار الدواعش من أرجاء المعمورة.

من المبكِّر الآن الحديث عن أنّ حرب «سلمان» على الوهّابيّة مصطنعة تهدف إلى تلميع صورتها ليعتمد لاحقاً نسخة ثانية منها منقّحة، أم أنّها حربٌ حقيقيّة. إلا أنّ من الثابت أنّه أعلن الحرب على الوهّابيّة وطروحاتها، فافترق بذلك عن سياسات أبيه، رغم أنّهما معاً لا يؤمنان بالوهّابيّة إلا لأنّها مخطّط استعماريّ لهَدْم الإسلام بالإسلام.

***

أما المقارنة بين ظروف «عبد العزيز» وبين ظروف ابنه سلمان، فهي تُظهر اختلافاتٍ جذريّة، ترقى إلى مستوى التحكّم بمصير آل سعود، وهي كما يلي:

1.  لم يكن الخطر الصهيونيّ واضحاً للأمّة، وهو اليوم في غاية الوضوح.

2.  لم يكن مطلوباً من عبد العزيز آل سعود، سوى الاحتضان السرّيّ، وكذلك الأمر من أبنائه قبل «سلمان». والمطلوب الآن من سلمان، أدناه بمستوى «صفقة القرن»!

3.  كان الغطاء الدينيّ لـ«عبد العزيز» ساتراً لكثيرٍ من عيوبه، وقد اضطرّ سلمان إلى نزع ثوب الدين والحياء، وما يجري الآن في مدن مركزيّة من فتح صالات القمار، وعُلب اللّيل، إلخ، بعض الشواهد على ذلك.

4.  لم يكن للإسلام دولة، فقد بدأ عهد عبد العزيز، مع تفكّك الدولة العثمانيّة التي كانت -رغم تراكم السلبيّات- رمزَ وحدة الأمّة. واليوم تُشكّل الجمهوريّة الإسلاميّة بموقعها وقُدراتها مصدرَ قوّة للعالم الإسلاميّ ورمز وحدة الأكثريّة من شعوبه. هذه الدولة الإسلاميّة هي التي خطّط مؤسّسها من بدايات نهضته لتحرير القدس وفلسطين. وهي التي احتضنت كلّ المجاهدين من الشيعة والسنّة، وهي التي أوصلت أميركا وإسرائيلَيها (آل سعود، والكيان المحتلّ) إلى المأزق الحاليّ، وما تزال رغم كلّ المؤامرات ثابتة كالطَّود تضيّق الخناق على أميركا ودُماها، وهي الدولة التي يحاذر «سلمان» أن يجاهر شخصيّاً باستعدائها، ولذلك يتبرقع بابنه احتياطاً ليومٍ يضطرّ فيه لاسترضائها.

***

لهذه الأسباب مجتمعة، لن يُكتب لـ«سلمان» النجاح في مهمّته. سيكتب التاريخ أنه مؤسِّس الدولة السعوديّة الرابعة والأخيرة!

 

اخبار مرتبطة

  أيها العزيز

أيها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ يومين

دوريات

  إصدارات أجنبية

إصدارات أجنبية

نفحات