حوارات

حوارات

منذ يومين

أجوبة الشيخ المفيد على مسائل في الغَيبة


يعرف خبَره من تولّى خدمته من ثِقات أوليائه

أجوبة الشيخ المفيد على مسائل في الغَيبة

ـــــــــــــــــــ إعداد: «شعائر» ـــــــــــــــــــ

«المسائل العشر فيالغَيبة» واحد من الكتب التي ألّفها في موضوع الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف علّامة عصره الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد (ت 413 هجرية).

وكما هو عنوان الكتاب فقد تضمّن جوابات عشر مسائل هي شبهات حول موضوع الإمام عليه السلام وغَيبته، يقول عنها محقّق الكتاب: «وهذه الشُبه ردّها الشيخ المفيد بأحلى ردّ وأوجزه، وعالجها بعلاج جذريّ، وناقشها في جميع الجهات بحيث لم يبقَ في قلب أحد شكّ ولا شبهة».

وقد قمنا في مجلّة «شعائر» باختيار بعض هذه الشبهات وجواب الشيخ المفيد عنها متصرّفين في السؤال ومختصرين في الجواب.

 

* إنّ دعوى الإمامية لصاحبهم )الإمام الثاني عشر( أنّه - منذ وُلد إلى وقتنا هذا مع طول المدة وتجاوزها الحدّ - مستترٌ لا يَعرف أحدٌ مكانه ولا يعلم مستقرهّ، ولا يدّعي عَدلٌ من الناس لقاءه، ولا يأتي بخبرٍ عنه، ولا يعرف له أثراً دعوى خارجة عن العُرف .. وإذا خرج قول الإمامية في استتار صاحبهم وغَيبته عن حكم العادات بطَل، ولم يُرجَ قيام حُجّة!

ج: ليس الأمر كما توهّمه الخصوم، والإمامية بأجمعها تدفعهم عن دعواهم، وتقول: إنّ جماعةً من أصحاب أبي محمّدٍ الحسن بن عليّ بن محمّدٍ عليهم السلام قد شاهدوا خلَفه في حياته، وكانوا أصحابه وخاصّته بعد وفاته، والوسائط بينه وبين شيعته دهراً طويلاً في استتاره ينقلون إليهم عن معالم الدين، ويُخرجون إليهم أجوبةً عن مسائلهم فيه، ويقبضون منهم حقوقه لديهم، وهم جماعة كان الحسن بن عليّ العسكريّ عليه السلام عَدّلهم في حياته، واختصّهم أمناء له في وقته، وجعل إليهم النظر في أملاكه والقيام بمآربه، معروفون بأسمائهم وأنسابهم وأمثالهم، كأبي عمرو عثمان بن سعيد السمّان، وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان ".." وهذا يُسقط دعوى الخصوم وفاق الإمامية لهم أنّ صاحبهم لم يُرَ منذ ادّعوا ولادته، ولا عُرف له مكان، ولا خبّر أحدٌ بلقائه.

فأمّا بعد انقراض من سمّيناه من أصحاب أبيه وأصحابه عليهما السلام، فقد كانت الأخبار عمّن تقدم من أئمّة آل محمّدٍ عليهم السلام متناصرةً بأنّه لا بدّ للقائم المنتظر من غيبتين، إحداهما أطول من الأخرى، يعرف خبره الخاصّ (الخواصّ) في القصرى، ولا يعرف العامّ (عامّة الناس) له مستقراً في الطولى، إلّا من تولّى خدمته من ثقات أوليائه، ولم ينقطع عنه إلى الاشتغال بغيره. والأخبار بذلك موجودة في مصنّفات الشيعة الإمامية قبل مولد أبي محمّدٍ وأبيه وجدّه عليهم السلام، وظهر حقّها عند مضيّ الوكلاء والسفراء الذين سمّيناهم رحمهم الله، وبان صدق رواتها بالغَيبة الطولى، فكان ذلك من الآيات الباهرات في صحّة ما ذهبت إليه الإمامية ودانت به في معناه. ".."

وكم وليّ لله تعالى، يقطع الأرض بعبادة ربّه تعالى والتفرّد من الظالمين بعمله، ونأى بذلك عن دار المجرمين وتبعّد بدينه عن محلّ الفاسقين، لا يعرف أحدٌ من الخلق له مكاناً ولا يدّعي إنسان له لقاءً ولا معه اجتماعاً، وهو الخِضر عليه السلام، موجودٌ قبل زمان موسى عليه السلام إلى وقتنا هذا، بإجماع أهل النقل واتّفاق أصحاب السِّيَر والأخبار، سائحاً في الأرض، لا يعرف له أحد مستقراً ولا يدّعي له اصطحاباً، إلّا ما جاء القرآن به من قصّته مع موسى عليه السلام..

* إنّ طول عمر الإمام الذي تعتقدون به لهو أمر خلاف العادة ولا يمكن التصديق به، فهو دليلٌ على بطلان هذا الاعتقاد!

ج: إنّ قول الإمامية بدعوى طول عمر إمامهم، وبقائه إلى يومنا هذا وإلى وقت ظهوره بالأمّة، على حال (الشباب)، ووفارة العقل والقوّة والمعارف بأحوال الدين والدنيا، وإنْ خرج عمّا نعهده نحن الآن من أحوال البشر، فليس بخارجٍ عن عادات سلفتْ في البشرية وأمثالهم في الإنسانية. وما جرت به عادةٌ في بعض الأزمان لم يمتنع وجوده في غيرها، وكان حكم مستقبَلها كحكم ماضيها على البيان. ولو لم تجرِ عادة بذلك، لكانت الأدلّة على أنّ الله تعالى قادرٌ على فعل ذلك تُبطل توهّمَ المخالفين للحقّ فسادَ القول به وتُكذِّبهم في دعواهم.

وقد أطلق العلماء من أهل الملل وغيرهم أنّ آدم أبا البشر عليه السلام عمّر نحو الألف، لم يتغيّر له خلق، ولا انتقل من طفولية إلى شبيبة، ولا عنها إلى هرم، ولا عن قوّة إلى عجز، ولا عن علم إلى جهل، وأنّه لم يزَل على صورة واحدة إلى أن قبضه الله عزّ وجلّ إليه. هذا مع الأعجوبة في حدوثه من غير نكاح، واختراعه من التراب من غير بدو وانتقاله من طينٍ لازبٍ إلى طبيعة الإنسانية، ولا واسطة في صنعته على اتّفاق من ذكرناه من أهل الكُتب حسب ما بيّناه. والقرآن في ذلك ناطق ببقاء نوح نبيّ الله عليه السلام في قومه تسعمائة سنة وخمسين سنة للإنذار لهم خاصّة، وقبل ذلك ما كان له من العمر الطويل إلى أن بُعث نبيّاً من غير ضعف كان به ولا هرم ولا عجز ولا جهل، مع امتداد بقائه وتطاول عمره في الدنيا وسلامة حواسّه. وأنّ الشيب أيضاً لم يحدث في البشر قبل حدوثه في إبراهيم الخليل عليه السلام بإجماع من سمّيناه من أهل العلم من المسلمين خاصّة كما ذكرناه. وهذا ما لا يدفعه إلّا المُلحدة من المنجّمين وشركاؤهم في الزندقة من الدهريّين، فأمّا أهل الملل كلّها فعلى اتّفاق منهم على ما وصفناه. والأخبار متناصرةٌ بامتداد أيّام المعمّرين من العرب والعجم والهند، وأصناف البشر وأحوالهم التي كانوا عليها مع ذلك، والمحفوظ من حِكمهم مع تطاول أعمارهم، والمأثور من تفصيل (قصصهم) من أهل أعصارهم وخطبهم وأشعارهم، لا يختلف أهل النقل في صحّة الأخبار عنهم بما ذكرناه وصدق الروايات في أعمارهم وأحوالهم كما وصفناه. وقد أثبتُّ أسماء جماعة منهم في كتابي المعروف ب‍ (الإيضاح في الإمامة)، وأخبار كافّتهم مجموعة مؤلّفة حاصلة في خزائن الملوك وكثير من الرؤساء وكثير من أهل العلم وحوانيت الورّاقين، فمن أحبّ الوقوف على ذلك فليلتمسه من الجهات المذكورة، يجدها على ما يثلج صدره ويقطع بتأمّل أسانيدها في الصحّة له عذره، إن شاء الله تعالى.

* إذا استمرّت غيبة الإمام على الوجه الذي تعتقده الإمامية - فلم يظهر له شخصٌ، ولا تولّى إقامة حدّ، ولا إنفاذ حكم، ولا دعوة إلى حقّ، ولا جهاد العدو - بطَلت الحاجة إليه في حفظ الشرع والملّة، وكان وجوده في العالم كعدمه!

ج: إنّ الأمر بخلاف ما ظنّوه، وذلك أنّ غَيبته لا تُخِلّ بما صدقتْ الحاجة إليه من حفظ الشرع والملّة، واستيداعها له، وتكليفها التعرّف في كلّ وقت لأحوال الأمّة، وتمسّكها بالديانة أو فراقها لذلك إن فارقتْه، وهو الشيء الذي ينفرد به دون غيره (من) كافّة رعيّته.

ألا ترى أنّ الدعوة إليه إنّما يتولّاها شيعته وتقوم الحجّة بهم في ذلك، ولا يحتاج هو إلى تولّي ذلك بنفسه، كما كانت دعوة الأنبياء عليهم السلام تُظهر نايباً عنهم إلى المقرّين بحقّهم، ولا يحتاجون إلى قطع المسافات لذلك بأنفسهم، وقد قامت أيضاً نايباً عنهم بعد وفاتهم، وتثبت الحجّة لهم في (نبوّتهم) بامتحانهم في حياتهم وبعد موتهم، وكذلك إقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، وقد يتولّاها أمراء الأئمّة وعمّالهم دونهم، كما كان يتولّى ذلك أمراء الأنبياء عليهم السلام وولاتهم ولا يخرجونهم إلى تولّي ذلك بأنفسهم، وكذلك القول في الجهاد، ألا ترى أنّه يقوم به الولاة من قِبل الأنبياء والأئمّة دونهم، ويستغنون بذلك عن تولّيه بأنفسهم.

فعُلم بما ذكرناه أنّ الذي أحوجَ إلى وجود الإمام ومَنعَ من عدمه [هو] ما اختُصّ به من حفظ الشَّرع، الذي لا يجوز ائتمانُ غيره عليه، ومراعاةُ الخلق في أداء ما كُلّفوه من أدائه (آدابه). فمن وُجد منهم قائماً بذلك فهو في سعةٍ من الاستتار والصموت، ومتى وجدهم قد أطبقوا على تركه وضلّوا عن طريق الحقّ فيما كُلِّفوه من نقله ظهرَ لتولّي ذلك بنفسه، ولم يسعه إهمال القيام به، فلذلك ما وجب في حجّة العقل، وجودُهُ، وفسدَ منها، عدمُهُ المباينُ لوجوده، أو موتُه المانعُ له من مراعاة الدِّين وحِفظِه. وهذا بيّنٌ لمن تدبّره.

وشيءٌ آخر، وهو: أنّه إذا غاب الإمام للخوف على نفسه من القوم الظالمين، فضاعت لذلك الحدود وانهملت به الأحكام ووقع به في الأرض الفساد، فكان السبب لذلك فعلَ الظالمين دون الله عزّ اسمه، وكانوا المأخوذين بذلك، المطالَبين به دونه. فلو أماته اللهُ تعالى وأعدمَ ذاتَه، فوقع لذلك الفساد وارتفع بذلك الصلاح، كان سببه فعلُ الله دون العباد، ولن يجوز من الله تعالى سببُ الفساد ولا رفعُ ما يرفع الصلاح. فوضح بذلك الفرق بين موت الإمام وغَيبته واستتاره وثبوته، وسقط ما اعترض المستضعفون فيه من الشبهات، والمنة لله.

* إذا كان الإمام غائباً منذ وُلد وإلى أن يظهر داعياً إلى الله تعالى، ولم يكن رآه على قولكم أحدٌ إلّا مَن مات قبل ظهوره، فليس للخلق طريقٌ إلى معرفته بمشاهدة شخصه، ولا التفرقة بينه وبين غيره بدعوته! ولم يكن الله تعالى ليظهر المعجزات على يده ليدلّ بها على أنّه الإمام المنتظر، إذ كانت المعجزات دلائل النبوّة والوحي والرسالة، ولا تكون لغير نبيّ!

ج: إنّ الأخبار قد جاءت عن أئمّة الهدى من آباء الإمام المنتظَر عليه السلام بعلامات تدلّ عليه قبل ظهوره وتُؤذِنُ بقيامه بالسيف قبل سنته:

منها: خروج السفيانيّ، وظهور الدجّال، وقتلُ رجلٍ من وُلد الحسن بن عليّ عليه السلام يخرج بالمدينة داعياً إلى إمام الزمان، وخسفٌ بالبيداء.

وقد (روى المسلمون جميعاً) عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أكثرَ هذه العلامات، وأنّها كائنة لا محالة على القطع بذلك والثبات، وهذا بعينه معجزٌ يظهر على يده، ويبرهن به عن صحّة دَعواه.

مع أنّ ظهور الآيات على الأئمّة عليهم السلام لا تُوجب لهم الحكم بالنبوّة، لأنّها ليست بأدلّة تختصّ بدعوة الأنبياء من حيث دعَوا إلى نبوّتهم، لكنّها أدلّة على صدق الداعي إلى ما دعا إلى تصديقه فيه على الجملة دون التفصيل.

فإنْ دعا إلى اعتقاد نبوّته كانت دليلاً على صدقه في دعوته، وإنْ دعا الإمامُ إلى اعتقاد إمامته كانت برهاناً له في صِدقه في ذلك، وإنْ دعا المؤمن الصالح إلى تصديق دعوته إلى نبوّة نبيّ أو إمامة إمام أو حكمٍ سمَعِه من نبيّ أو إمام كانت المعجزة على صحّة دعواه.

وليس يختصّ ذلك بدعوة النبوّة دون ما ذكرناه، وإنْ كان مختصّاً بذوي العِصمة من الضَّلال وارتكاب كبائر الآثام، وذلك ممّا يصحّ اشتراك أصحابه مع الأنبياء عليهم السلام في صحيح النظر والاعتبار.

وقد أجرى اللهُ تعالى آيةً إلى مريم ابنة عمران برزقها من السماء، وهو خرق للعادة ".." ولم يكن لمريم عليها السلام نبوّة ولا رسالة، لكنّها كانت من عباد الله الصالحين المعصومين من الزلّات. وأخبر سبحانه أنّه أُوحي إلى أمّ موسى، والوحيُ معجِزٌ من جملة معجزات الأنبياء عليهم السلام، ولم تكن أمّ موسى عليها السلام نبيّة ولا رسولة، بل كانت من عباد الله البررة الأتقياء. فما الذي يُنكَر من إظهار علَمٍ يدلّ على عين الإمام ليتميّز به عمّن سواه؟

 

اخبار مرتبطة

  أيها العزيز

أيها العزيز

  دوريات

دوريات

منذ يومين

دوريات

  إصدارات أجنبية

إصدارات أجنبية

نفحات